أوغندا تعلّق التعاون الدفاعي مع تركيا.. هل تكشف أزمة الصومال السبب الحقيقي؟

تصاعد الخلاف بين أوغندا وتركيا مع إعلان كمبالا تعليق جميع أشكال التعاون الدفاعي والعسكري مع أنقرة، وسط معلومات تربط الأزمة بمستقبل الوجود العسكري الأوغندي في الصومال والمصالح المالية المرتبطة به، وتحذيرات من أن التوتر بين البلدين قد يضعف الدعم المقدم للحكومة الصومالية ويؤثر في العمليات ضد حركة الشباب المجاهدين.

وفيما ظهرت المطالبة بتسليم معارض أوغندي مقيم في تركيا بوصفها العنوان العلني للأزمة، نقل موقع «ميدل إيست آي» البريطاني عن مصادر مطلعة أن الخلاف يتجاوز هذه القضية إلى التنافس على الأدوار الأمنية في الصومال، واحتمال انتهاء مهمة الاتحاد الأفريقي، بما قد يكلف كمبالا إيرادات تقدر بما بين 60 و72 مليون دولار سنويًا.

وبالتوازي، تناول تحليل نشرته منصة «هورن ريفيو» الإثيوبية تداعيات الخلاف على حكومة الرئيس حسن شيخ محمود، معتبرًا أنه يكشف هشاشة الاعتماد على الشركاء الخارجيين، في وقت تحتفظ فيه حركة الشباب المجاهدين بقدرات تنظيمية وعسكرية ومالية، وتسعى مقديشو إلى تطوير قواتها وتوسيع تعاونها الدفاعي مع شركاء آخرين، من بينهم باكستان.

تعليق التعاون العسكري.. وقضية المعارض في واجهة الأزمة

أعلن الجيش الأوغندي، في 19 سبتمبر/أيلول 2026، تعليق التعاون الدفاعي والعسكري مع تركيا بأثر فوري، موضحًا أن الإجراء سيظل قائمًا إلى حين تسوية المسائل العالقة بين البلدين. ويتعلق الإعلان بتعليق التعاون في هذين المجالين، ولا يتضمن إعلانًا بقطع العلاقات الدبلوماسية.

وجاء القرار عقب احتجاجات أمام السفارة التركية في العاصمة كمبالا، طالب خلالها المشاركون حكومة الرئيس رجب طيب أردوغان بتسليم المعارض الأوغندي فريد لومبوي إلى حكومة الرئيس يوري موسيفيني، رغم إقامته في تركيا منذ عام 2013.

غير أن مصادر تحدثت إلى «ميدل إيست آي» اعتبرت أن إثارة قضية لومبوي تمثل غطاءً لخلاف أوسع بشأن استمرار وجود القوات الأوغندية في الصومال، وتزايد الحضور التركي في قطاع الأمن الصومالي.

وقال أحد المصادر المطلعة، إن المعارض الأوغندي يعيش في تركيا منذ عام 2013، وإن الأزمة الحالية لا ترتبط بوجوده، واصفًا طرح قضيته بأنه ستار يحجب الأسباب الفعلية للنزاع.

وأضاف المصدر أن جوهر المسألة يتعلق بانتشار الجيش الأوغندي في الصومال، الذي تربطه علاقات أمنية وثيقة بأنقرة؛ أي إن الإشارة إلى العلاقات الوثيقة مع تركيا تتعلق بالصومال.

مستقبل القوات الأوغندية وتنامي الدور التركي

بحسب المصادر التي استند إليها «ميدل إيست آي»، يرتبط التصعيد الأوغندي باحتمال إنهاء مهمة الاتحاد الأفريقي في الصومال، وما قد يصاحب ذلك من انسحاب القوات الأوغندية وفقدان العوائد المالية المرتبطة بانتشارها.

وتضع هذه الرواية الخلاف في سياق إعادة ترتيب الأدوار الأمنية داخل الصومال؛ فبينما أسهمت القوات الأوغندية في دعم الحكومة وتأمين مواقعها، وسّعت تركيا دورها في تدريب الميليشيات الصومالية وتعزيز قدراتها، بما يثير تساؤلات بشأن حجم الحاجة المستقبلية إلى الانتشار الأفريقي.

ما يصل إلى 72 مليون دولار سنويًا على المحك

يشكل الجانب المالي أحد أبرز محاور الأزمة، وفق المصادر التي نقل عنها الموقع البريطاني، إذ قالت إن أوغندا تتلقى ما لا يقل عن ألف دولار شهريًا عن كل جندي تنشره في الصومال.

وربطت المصادر موقف كمبالا الرافض لإنهاء المهمة باحتمال خسارة هذه الإيرادات، مشيرة إلى أن سحب القوات سيترك أثرًا ماليًا يتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة.

وقدّر مصدر ثانٍ الخسائر المحتملة بما يتراوح بين خمسة وستة ملايين دولار شهريًا، أو ما بين 60 و72 مليون دولار سنويًا، إذا انتهت المهمة وانسحبت جميع القوات الأوغندية من الصومال.

وهذه الأرقام تقديرات لخسائر محتملة مشروطة بانتهاء الانتشار، وليست مبالغ خسرتها أوغندا بالفعل، كما أنها تعبر عن الإيرادات المرتبطة بالمهمة وفق رواية المصادر.

وبحسب المصادر نفسها، تحاول أوغندا الضغط على تركيا للمساعدة في إيجاد مخرج للأزمة، انطلاقًا من اعتبار أنقرة طرفًا رئيسيًا في الترتيبات الأمنية الصومالية. وفي المقابل، تسعى تركيا إلى تسوية الخلاف خشية امتداد تداعياته إلى الشركات التركية العاملة في أوغندا ومصالحها الاقتصادية هناك.

«هورن ريفيو»: خلاف الشركاء يضاعف الضغوط على مقديشو

في موازاة هذه المعلومات، نشرت منصة «هورن ريفيو» الإثيوبية، المعنية بشؤون الأمن والسياسة في القرن الأفريقي، مقالًا تحليليًا يوم الاثنين 21 سبتمبر/أيلول، بعنوان «الاعتماد الأمني وهيمنة حركة الشباب»، للباحثة سمية محمد.

ويقدم المقال تقييمًا لوضع الحكومة الصومالية، معتبرًا أنها تواجه قيودًا عميقة على ممارسة سلطتها، وأن وجود مؤسسات وقوات أمنية لا يعني قدرتها على فرض السيطرة على كامل أراضي البلاد أو احتكار استخدام القوة.

ويصف االحكومة بأنها ليست مكتملة السيادة، لكنها ليست منهارة تمامًا أيضًا؛ فهي تحكم من مقديشو من دون أن تبسط سلطتها على امتداد الأراضي الصومالية. وهذه صياغة تختلف عن الجزم بأنها حكومة غير مستقلة أو أن وجودها محصور كليًا في العاصمة.

وبحسب التحليل، يواجه الرئيس حسن شيخ محمود وحكومته توازنًا صعبًا بين التنافس لدى الداعمين الخارجيين، والخلافات الإقليمية، واستمرار قوة حركة الشباب المجاهدين، مع تضاؤل هامش الخطأ المتاح أمام الحكومة بمرور الوقت.

ويرى المقال أن الخلاف الأوغندي التركي يمثل تطورًا مقلقًا في هذه المعادلة، لأنه يمس العلاقة بين طرفين يسهمان في دعم الترتيبات الأمنية التي تعتمد عليها مقديشو.

المصالح الاقتصادية والموارد.. من يتحمل الأعباء ومن يجني العوائد؟

يمتد الخلاف، وفق المادتين، إلى التداخل بين الأعباء الأمنية والمصالح الاقتصادية؛ إذ تتنامى حساسية كمبالا تجاه توسع الحضور العسكري والتجاري التركي في الصومال، بينما تسهم القوات الأفريقية في توفير الاستقرار الذي يتيح استمرار أنشطة الشركاء الآخرين.

ويصف التقرير الأنشطة التركية بأنها «نهب للموارد الصومالية»، وتقول إن أوغندا تعترض على استحواذ تركيا على النصيب الأكبر من المكاسب، انطلاقًا من اعتقادها بأن أنقرة لم تكن لتتمكن من تنفيذ مشروعاتها وخططها من دون وجود القوات الأفريقية.

حركة الشباب المجاهدين.. قدرات ذاتية في مواجهة دعم خارجي متنازع

يضع تحليل «هورن ريفيو» استمرار قوة حركة الشباب المجاهدين في صميم المخاطر التي تواجه الحكومة الصومالية، ويصفها بأنها القوة المسلحة الأكثر تنظيمًا ومرونة واستقلالًا في التمويل داخل البلاد.

وبحسب التحليل، تمتلك الحركة مصادر تمويل ذاتية وبنية إدارية تفصل في النزاعات، وتستطيع التكيف مع الظروف المتغيرة وتطوير وسائل للحفاظ على قدرتها على العمل رغم الضربات العسكرية.

ويرى المقال أن هذه السمات تمنح الحركة قدرة على الصمود، بينما تواجه الحكومة صعوبات متزايدة في إدارة احتياجاتها الأمنية وعلاقاتها مع الداعمين الخارجيين.

ومن هذا المنطلق، يحذر التحليل من أن التوتر بين أوغندا وتركيا قد يضعف الضغط العسكري على الحركة ويزيد تعرض الحكومة للمخاطر، خصوصًا إذا انعكس الخلاف على التنسيق الميداني أو التمويل أو استمرارية التعاون الأمني.

ويؤكد أن النزاعات بين الدول الداعمة للحكومة، والخلافات الدبلوماسية، وتأخر المدفوعات، وتعليق الشراكات، كلها عوامل يمكن أن تضعف الجهود المبذولة ضد حركة الشباب المجاهدين.

ولذلك يعرض الأزمة بوصفها اختبارًا لشبكة الدعم الخارجي التي تساعد الحكومة الصومالية على الاستمرار في أداء وظائفها، لا مجرد خلاف ثنائي محدود الأثر.

التعاون مع باكستان.. تطوير للقوات الجوية وتساؤلات بشأن الأولويات

وفي سياق بحث مقديشو عن شركاء إضافيين، تناول المقال لقاء الرئيس حسن شيخ محمود وفدًا من القوات الجوية الباكستانية، وما جرى تداوله بشأن التوافق على تسريع تطوير القوات الجوية الصومالية.

وأبدت القراءة التحليلية تشككًا في التركيز على الدفاع الجوي في مرحلة لا تزال فيها حركة الشباب المجاهدين قادرة على الصمود ومواصلة نشاطها، معتبرة أن الحديث عن هذه القدرات يحمل أيضًا رسالة سياسية مقصودة.

وتتمثل هذه الرسالة، وفق التحليل، في إظهار الحكومة بمظهر الطرف الذي يخطط لبناء قدراته وتنويع علاقاته العسكرية، ويطمح إلى تحمل مسؤولية أمنه بصورة أوسع.

غير أن المقال يميز بين هذا الطموح وبين امتلاك القدرة الفعلية على تنفيذه، ويربط تساؤلاته باستمرار قوة الحركة وصعوبة إضعافها بصورة حاسمة، رغم الدعم الخارجي والعمليات العسكرية.

وبذلك، لا يقتصر النقاش على أهمية امتلاك قوة جوية، بل يشمل مدى قدرة هذا المسار على الاستجابة للتحديات الأمنية القائمة، وتحويل الاتفاقات والتفاهمات إلى قدرات عملية مؤثرة.

تقديران متباينان للجاهزية الصومالية.. وانتقال أمني تحت الضغط

تكشف المادتان عن تباين أساسي في تقييم الوضع الأمني الصومالي. فمصادر «ميدل إيست آي» تربط الحديث عن إنهاء الانتشار الأوغندي بتنامي قدرات القوات التي دربتها تركيا، بينما يشدد تحليل «هورن ريفيو» على استمرار اعتماد الحكومة على الخارج وقدرة حركة الشباب المجاهدين على الصمود.

وتتحدث «هورن ريفيو»  عن تصاعد الخلافات الخارجية وتزايد قوة الحركة وتراجع فاعلية التدخل العسكري، رغم ما استهلكه من وقت وأموال.

وفي ضوء ذلك، تتقاطع أزمة كمبالا وأنقرة مع ثلاثة ملفات مترابطة: مستقبل القوات الأوغندية والعوائد المرتبطة بها، واتساع الدور العسكري والاقتصادي التركي، وقدرة الحكومة الصومالية على تولي مسؤولياتها الأمنية في مواجهة حركة الشباب المجاهدين.

ويضع هذا التداخل مقديشو أمام تحدي إدارة انتقال أمني تتنازع حوله تقديرات الجاهزية ومصالح الشركاء؛ إذ إن أي تغيير في الانتشار العسكري أو التمويل أو التنسيق ستكون له تبعات تتجاوز العلاقة الأوغندية التركية إلى توازن القوة داخل الصومال.