أزمة سياسية وأمنية متشابكة بين إثيوبيا والسودان مع تصاعد موجة النزوح
تتجه العلاقات بين إثيوبيا والسودان إلى مزيد من التوتر السياسي والأمني، بالتزامن مع عودة القتال في شمال إثيوبيا وتصاعد الحرب السودانية، في وقت باتت فيه الحدود بين البلدين ساحة لتبادل الاتهامات بشأن دعم الجماعات المسلحة، بينما يدفع المدنيون في السودان ثمناً متزايداً عبر موجات نزوح جديدة نحو دول الجوار.
واتهم قائد الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، السودان ومصر بدعم جماعات مسلحة تقاتل القوات الحكومية في شمال إثيوبيا، وذلك بالتزامن مع تجدد المعارك بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي. وقال إن القوات التي تواجه الجيش الإثيوبي لن تتمكن من تحقيق مكاسب من دون دعم وإمداد من السودان ومصر وقوى خارجية أخرى.
الخرطوم سارعت إلى رفض الاتهامات الإثيوبية، ووصف الجيش السوداني هذه المزاعم بأنها «باطلة»، مؤكداً أن السودان لا يتدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ويحترم القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار. وفي المقابل، وجه الجيش السوداني اتهامات مضادة إلى إثيوبيا، قائلاً إن قوات الدعم السريع تحصل على دعم من داخل الأراضي الإثيوبية، بما في ذلك التدريب والإمدادات واستخدام الأراضي الإثيوبية في أنشطة عسكرية مرتبطة بالطائرات المسيّرة.
ويأتي هذا التراشق في وقت تشهد فيه إثيوبيا تصعيداً عسكرياً واسعاً بعد تجدد القتال بين القوات الفدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي، مع امتداد المواجهات إلى إقليمي عفر وأمهرة. وأفادت تقارير بأن القوات الموالية للحكومة تمكنت من السيطرة على مدينة ألاماتا جنوب تيغراي، بينما واصلت قوات تيغراي عملياتها في مناطق من عفر، الأمر الذي يزيد المخاوف بشأن الطرق التجارية والإمدادات القادمة من جيبوتي.
وتكتسب منطقة عفر أهمية استراتيجية خاصة في هذا السياق، إذ ترتبط بشبكة الطرق التي تصل إثيوبيا بجيبوتي، وهي الممر الرئيسي الذي تعتمد عليه إثيوبيا في جزء كبير من تجارتها الخارجية. ولذلك فإن امتداد القتال إلى عفر لا يحمل أبعاداً عسكرية محلية فقط، بل يرتبط أيضاً بأمن طرق التجارة والإمداد في منطقة القرن الأفريقي.
وفي الجانب السوداني، تتفاقم الأزمة الإنسانية مع استمرار الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حيث تدفع المعارك والغارات الجوية والهجمات بالطائرات المسيّرة أعداداً متزايدة من السكان إلى مغادرة مناطقهم، ولا سيما في دارفور وكردفان والنيل الأزرق.
وتشير أحدث التقارير إلى أن أكثر من 400 شخص يومياً باتوا يعبرون الحدود السودانية إلى تشاد عبر معبري أدري وتينة، هرباً من تصاعد القتال. وقد تجاوز عدد اللاجئين السودانيين الذين وصلوا إلى تشاد خلال العام الجاري 55 ألف شخص، بينما اقترب العدد التراكمي لمن عبروا الحدود إلى تشاد منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023 من مليون شخص.
وترافقت موجة النزوح الجديدة مع تدهور في أوضاع الحماية على طرق الهروب، إذ أفادت جهات إنسانية بأن نساء وفتيات وصلن إلى مراكز الاستقبال على الحدود بعد رحلات محفوفة بالمخاطر، وسط تقارير عن عمليات اختطاف واعتداءات جنسية بحق مدنيين أثناء فرارهم من مناطق القتال.
ولا تقتصر تداعيات الحرب السودانية على الحدود مع تشاد، إذ إن استمرار القتال يضع دول الجوار أمام ضغوط أمنية وإنسانية متزايدة، بينما يزيد التصعيد الإثيوبي من تعقيد المشهد الإقليمي في القرن الأفريقي. فإثيوبيا تواجه في الوقت نفسه عودة القتال في تيغراي وامتداد المواجهات إلى عفر وأمهرة، بينما يخوض السودان حرباً مستمرة منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
وتكشف التطورات الأخيرة عن تشابك متزايد بين الأزمات في البلدين: اتهامات متبادلة بشأن دعم الجماعات المسلحة، حدود طويلة وحساسة، تحركات عسكرية في مناطق قريبة من الحدود، وطرق تجارية حيوية تربط إثيوبيا بموانئ البحر الأحمر عبر جيبوتي. ومع استمرار انقطاع الاتصالات في أجزاء من تيغراي، يبقى التحقق المستقل من بعض التطورات الميدانية محدوداً، بينما تتزايد المخاوف من أن يؤدي استمرار القتال إلى موجات نزوح جديدة وتوسيع نطاق التداعيات الإنسانية والأمنية في المنطقة.
وبذلك لم تعد الأزمة بين إثيوبيا والسودان محصورة في خلافات دبلوماسية أو حدودية، بل أصبحت مرتبطة بمجموعة من الملفات المتداخلة، من الحرب في السودان والقتال في تيغراي إلى أمن طرق التجارة وحركة اللاجئين، بما يجعل أي تصعيد إضافي في أحد البلدين قابلاً للانعكاس على استقرار منطقة القرن الأفريقي بأكملها.