الولايات المتحدة تنهي وجودها العسكري في العراق بعد أكثر من عقدين.. هل انتهى التدخل الأميركي؟

أعلنت الولايات المتحدة في 30 سبتمبر/أيلول 2026 استكمال انسحاب قواتها العسكرية من العراق، في خطوة أنهت رسميًا مهمة عملية العزم الصلب للتحالف الدولي داخل الأراضي العراقية، بعد سنوات من الوجود العسكري الذي بدأ بالغزو الأميركي عام 2003، ثم عاد بصورة مختلفة عام 2014 لمواجهة تنظيم داعش.

وجاء الانسحاب الحالي ضمن اتفاق عراقي-أميركي أُعلن في سبتمبر/أيلول 2024، يقضي بإنهاء المهمة العسكرية للتحالف في العراق على مراحل، وتسليم المسؤولية الأمنية بصورة أكبر إلى القوات العراقية. وكان من المقرر أن يكون 30 سبتمبر 2026 الموعد النهائي لخروج القوات الأميركية، وهو الموعد الذي أكدت بغداد وواشنطن الالتزام به لاحقًا.

من الغزو إلى الانسحاب.. كيف وصلت الأمور إلى هذه النقطة؟

الوجود الأميركي في العراق لم يبدأ عام 2014، وإنما يعود إلى مارس/آذار 2003، عندما غزت الولايات المتحدة العراق وأسقطت نظام صدام حسين. وبعد سنوات من العمليات العسكرية، انسحبت القوات الأميركية القتالية في ديسمبر/كانون الأول 2011.

لكن الانسحاب لم يكن نهاية الوجود الأميركي بصورة نهائية.

ففي عام 2014، وبعد سيطرة تنظيم داعش على مساحات واسعة من العراق وسوريا، عادت القوات الأميركية إلى العراق بناءً على طلب الحكومة العراقية، ضمن التحالف الدولي لمحاربة التنظيم. وأصبحت مهمة القوات الأميركية مختلفة عن مرحلة الاحتلال الأولى، إذ تمحورت بصورة أساسية حول دعم القوات العراقية عبر التدريب والمعلومات والمساندة في العمليات ضد داعش.

ومع خسارة داعش معظم الأراضي التي كان يسيطر عليها، انتهت العمليات القتالية الرئيسية للتحالف في العراق عام 2021، لكن بقيت قوات أميركية في البلاد لتقديم المشورة والتدريب والدعم الاستخباراتي، قبل أن يبدأ المسار نحو إنهاء المهمة العسكرية بالكامل.

لماذا جاء الانسحاب الآن؟

هناك عدة عوامل اجتمعت للوصول إلى هذه المرحلة.

أولًا، ترى واشنطن وبغداد أن القوات العراقية أصبحت قادرة على تولي المسؤولية الأساسية عن الأمن وملاحقة بقايا داعش، بعد انتهاء سيطرة التنظيم على الأراضي العراقية.

ثانيًا، كان استمرار القوات الأميركية مصدر توتر سياسي وأمني داخل العراق، خصوصًا في ظل الهجمات المتبادلة بين الميليشيات المسلحة الموالية لإيران والقوات الأميركية خلال السنوات الماضية.

ثالثًا، اتفقت بغداد وواشنطن في 2024 على انتقال العلاقة من مهمة عسكرية للتحالف إلى علاقة أمنية ثنائية أكثر اعتيادية. وهذا يعني أن إنهاء مهمة التحالف لم يكن قرارًا مفاجئًا صدر هذا الأسبوع، وإنما تنفيذ لجدول زمني اتُّفق عليه قبل عامين.

هل يعني هذا انتهاء التدخل الأميركي في العراق؟

ليس بالمعنى الأوسع. فالذي انتهى هو الوجود العسكري الأميركي ومهمة التحالف الدولي داخل العراق، وليس العلاقات الأميركية-العراقية كلها.

فبحسب التحليلات المنشورة بالتزامن مع الانسحاب، تنتقل العلاقة إلى مجالات أخرى، منها الدبلوماسية والاقتصاد والطاقة والاستثمارات ومبيعات الأسلحة والتعاون الأمني والاستخباراتي. كما أن التعاون ضد داعش لن يختفي بالضرورة، بل يمكن أن يستمر بصورة غير مباشرة ومن خارج الأراضي العراقية، بما في ذلك قدرات استخباراتية بعيدة المدى ودعم إقليمي.

والأهم أن القيادة الأميركية أعلنت أن مهمة التحالف في العراق انتهت، بينما تستمر مهمة مكافحة داعش في سوريا، حيث أصبح مقر قوة التحالف في الأردن بعد خروج القوات من العراق.

لذلك يمكن القول إن التدخل العسكري الأميركي المباشر داخل العراق انتهى، لكن النفوذ والتعاون الأميركيين لم ينتهيا.

ماذا سيحدث بعد خروج القوات الأميركية؟

أصبحت المسؤولية الأمنية الآن بصورة أكبر على عاتق الحكومة والقوات العراقية، بما فيها قوات الأمن الاتحادية وقوات إقليم كردستان. لكن الانسحاب يترك وراءه عدة ملفات حساسة.

أبرزها داعش؛ فالتنظيم لم يعد يسيطر على مدن وأراضٍ واسعة كما كان في 2014، لكنه لا يزال يمتلك خلايا وقدرة على تنفيذ هجمات. ويعني الانسحاب أن القوات العراقية ستتحمل مسؤولية أكبر في منع التنظيم من إعادة بناء قدراته.

وهناك أيضًا ملف الميليشيات المسلحة المرتبطة بإيران. فالانسحاب الأميركي لا يعني اختفاء هذه الفصائل أو انتهاء نفوذها داخل العراق، بل إن مستقبل السلاح خارج سيطرة الدولة سيظل من أبرز التحديات أمام بغداد.

كما أن إقليم كردستان العراق يخسر بوجود الانسحاب أحد أهم أشكال الدعم العسكري الأميركي المباشر، وهو ما أثار مخاوف لدى بعض المسؤولين والمحللين بشأن مستقبل الأمن في المنطقة.

نهاية مرحلة.. لا نهاية العلاقة

وهكذا فإن مشهد 30 سبتمبر/أيلول 2026 يمثل نهاية مرحلة عسكرية أميركية طويلة في العراق أكثر مما يمثل نهاية للعلاقة بين البلدين.

فالولايات المتحدة دخلت العراق عام 2003 بقوة عسكرية ضخمة، انسحبت عام 2011، ثم عادت عام 2014 لمحاربة داعش، وبقي وجودها العسكري حتى اكتمل الانسحاب الأخير اليوم.

وبموجب المرحلة الجديدة، يفترض أن تنتقل العلاقة من وجود عسكري مباشر إلى شراكة ثنائية سياسية وأمنية واقتصادية، بينما تتحمل بغداد المسؤولية الأساسية عن أمن الأراضي العراقية.

انسحاب الأمريكيين يعني أن المهمة العسكرية الأميركية في العراق انتهت رسميًا، لكنه لا يعني أن الولايات المتحدة خرجت من العراق سياسيًا أو اقتصاديًا أو استخباراتيًا. إنه انتقال من الوجود العسكري المباشر إلى النفوذ والتعاون عبر قنوات أخرى، في وقت تدخل فيه بغداد مرحلة جديدة سيكون فيها اختبار قدرة الدولة العراقية على إدارة أمنها بنفسها هو العنوان الأبرز.