القرن الإفريقي أمام تصاعد الأزمات.. تداخل الحروب وتراجع اتفاقات السلام يهددان استقرار المنطقة

حذّرت تقارير وتحليلات إقليمية ودولية من تزايد مخاطر عدم الاستقرار في القرن الإفريقي، مع تزامن الحرب في السودان، وتجدد القتال في إقليم تيغراي الإثيوبي، وتصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، إلى جانب الخلافات السياسية والأمنية في الصومال وجنوب السودان. وتثير هذه التطورات مخاوف من تحول النزاعات المنفصلة إلى أزمات مترابطة تتجاوز الحدود الوطنية.

وفي تقرير نشرته صحيفة «ذا إيست أفريكان» في 3 أكتوبر/تشرين الأول 2026، أشارت الصحيفة إلى أن المنطقة تمر بمرحلة شديدة الاضطراب، تتداخل فيها النزاعات المسلحة والتحالفات المتغيرة والتنافس على الموانئ والممرات البحرية، فضلًا عن تدفقات اللاجئين وشبكات التهريب والدعم الخارجي للأطراف المتنازعة.

إثيوبيا.. عودة القتال تهدد اتفاق بريتوريا

تتصدر إثيوبيا مشهد التصعيد بعد تجدد المواجهات في إقليم تيغراي في 23 سبتمبر/أيلول، بين القوات الفيدرالية وقوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي. وجاءت الاشتباكات في ظل استمرار الخلافات بشأن الأراضي والترتيبات الأمنية وتنفيذ اتفاق بريتوريا، الذي أنهى الحرب السابقة في نوفمبر/تشرين الثاني 2022.

وتزداد خطورة الوضع مع تشكل تحالف يضم الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وست جماعات مسلحة أخرى تعارض الحكومة الفيدرالية بقيادة آبي أحمد. وفي المقابل، تواصل القوات الحكومية وحلفاؤها عمليات عسكرية لاستعادة المناطق الاستراتيجية.

وأفادت رويترز، في 3 أكتوبر/تشرين الأول، بأن القوات الفيدرالية الإثيوبية استعادت السيطرة على مطار ألولا أبا نيغا في ميكيلي، عاصمة تيغراي، وفق مصادر تحدثت إلى الوكالة. ويعكس التطور تبدلًا سريعًا في السيطرة الميدانية، لكنه لا يعني انتهاء القتال أو حسم المواجهة.

وتكمن المخاطر في أن استمرار الحرب قد يعيد إنتاج الأزمة الإنسانية التي شهدها الإقليم خلال الحرب السابقة، مع تعطل الاتصالات والخدمات الأساسية وصعوبة وصول المساعدات إلى السكان.

إثيوبيا وإريتريا.. خلافات تهدد بامتداد الصراع عبر الحدود

يتزامن التصعيد الداخلي الإثيوبي مع تدهور حاد في العلاقات مع إريتريا. فقد أغلقت أديس أبابا سفارتها في أسمرة، وطردت عشرة دبلوماسيين إريتريين، متهمةً الحكومة الإريترية بدعم قوى مسلحة معارضة لها. وردّت أسمرة بقطع العلاقات الدبلوماسية، فيما نفت الاتهامات المتعلقة بدعم المتمردين.

وتزداد حساسية الخلاف بسبب النزاع التاريخي بين البلدين والتنافس بشأن الوصول إلى البحر الأحمر. فإثيوبيا، التي فقدت منفذها البحري المباشر بعد استقلال إريتريا عام 1993، تسعى إلى تأمين وصول إلى الموانئ البحرية، بينما تنظر أسمرة بحذر إلى التحركات الإثيوبية في هذا الملف.

ويحذر محللون من أن تحول التوتر إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد يوسع نطاق الحرب، خصوصًا في ظل ارتباط الأطراف المحلية بتحالفات إقليمية متنافسة.

السودان.. حرب داخلية تتداخل مع حسابات الجوار

لا تزال الحرب السودانية، المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، أحد أكبر مصادر عدم الاستقرار في المنطقة. وقد أدت إلى نزوح ملايين الأشخاص وتفاقم الاحتياجات الإنسانية، فيما أصبحت مصالح القوى الخارجية جزءًا من الحسابات المرتبطة بمسار الصراع.

وتشير التقارير إلى تداخل الأزمة السودانية مع التوترات الإثيوبية والإريترية، وسط اتهامات متبادلة بشأن دعم أطراف مسلحة. فقد اتهمت جهات إثيوبية السودان ومصر وإريتريا بدعم قوى معارضة لها، بينما نفت الدول المعنية تلك الاتهامات. كما اتهمت جهات سودانية إثيوبيا بتقديم دعم لقوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه أديس أبابا.

ويؤدي هذا التراكم من الاتهامات والتحالفات إلى زيادة صعوبة الفصل بين النزاعات الداخلية والتنافس بين الدول، من دون أن يعني ذلك ثبوت جميع الاتهامات أو وجود تحالفات ثابتة ونهائية بين الأطراف.

الصومال.. تنافس على الموانئ وترتيبات الأمن

يواجه الصومال بدوره توترات بشأن العلاقات مع إثيوبيا وترتيبات الوصول إلى البحر. فقد أدى الاتفاق الذي أبرمته إثيوبيا مع صوماليلاند في يناير/كانون الثاني 2024 إلى أزمة مع الحكومة الفيدرالية الصومالية، التي تعتبر صوماليلاند جزءًا من أراضي البلاد وترفض أي اتفاق يمس سيادتها.

ويتداخل هذا الخلاف مع تنافس إقليمي على الموانئ والممرات البحرية، ومع التحديات الأمنية التي تواجهها الصومال في حربها ضد حركة الشباب المجاهدين التي تصر على إقامة نظام الشريعة الإسلامية وطرد الحلفاء الأجانب. كما تثير احتمالات تراجع التمويل الدولي للبعثة الإفريقية الداعمة للأمن والاستقرار مخاوف بشأن قدرة القوات الصومالية وشركائها على مواصلة العمليات الأمنية.

وفي ظل هذه الظروف، قد تؤثر الخلافات بين مقديشو وأديس أبابا في التنسيق الأمني الإقليمي، خصوصًا إذا تصاعدت الأزمة الإثيوبية الداخلية واضطرت الحكومة إلى إعادة توزيع مواردها العسكرية.

جنوب السودان.. اتفاق السلام يواجه ضغوطًا جديدة

تواجه عملية الانتقال السياسي في جنوب السودان تحديات متزايدة، بعد تصاعد الخلافات بشأن الترتيبات الانتقالية والانتخابات. وأثار حل الحكومة الانتقالية في سبتمبر/أيلول مخاوف بشأن مستقبل تقاسم السلطة وتنفيذ اتفاق السلام الموقع عام 2018.

ويضيف عدم الاستقرار السياسي في جنوب السودان بُعدًا آخر إلى أزمات المنطقة، التي تعاني أصلًا من النزوح والنزاعات المسلحة وضعف المؤسسات. كما أن أي تدهور أمني جديد قد يزيد الضغوط على الدول المجاورة التي تستضيف لاجئين أو تواجه تحديات حدودية.

البحر الأحمر.. ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية

يمتد التنافس إلى البحر الأحمر وخليج عدن، حيث تتداخل أهمية الموانئ والممرات التجارية مع المصالح العسكرية والسياسية لدول المنطقة والقوى الخارجية. وتزيد التوترات في اليمن، بما فيها نشاط جماعة الحوثيين، من أهمية أمن الملاحة في هذا الممر الحيوي للتجارة الدولية.

كما يتقاطع التنافس بين السعودية والإمارات مع علاقات كل منهما بدول القرن الإفريقي، ما يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى النزاعات القائمة. وتستثمر قوى إقليمية ودولية في الموانئ والبنية التحتية والشراكات الأمنية، بينما تسعى الدول الإفريقية إلى تعزيز مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

ولا تعني هذه المصالح أن المنطقة تتجه حتمًا إلى حرب شاملة، لكنها تجعل تداعيات أي تصعيد أكثر اتساعًا، خصوصًا إذا انتقلت المواجهات من الداخل الإثيوبي إلى الحدود أو الممرات البحرية.

اتفاقات السلام تحت الضغط

يشير التقرير إلى اتجاه أوسع يتمثل في تراجع قدرة اتفاقات السلام على إنهاء النزاعات بصورة مستدامة، عندما تبقى الخلافات السياسية والأمنية الأساسية دون معالجة. فالتوصل إلى اتفاق لوقف القتال لا يضمن وحده استقرارًا طويل الأمد، ما لم تتوافر آليات تنفيذ ومراقبة وتسوية للخلافات بشأن الأراضي والسلطة والضمانات الأمنية.

وفي القرن الإفريقي، تتزامن هشاشة بعض اتفاقات السلام مع تعدد الأطراف المسلحة وتضارب مصالح الدول المجاورة، وهو ما يزيد صعوبة الوساطة ويمنح الأزمات المحلية فرصًا أكبر للامتداد عبر الحدود.

الخلاصة: يواجه القرن الإفريقي أزمة إقليمية مترابطة، تتداخل فيها الحرب الإثيوبية، والصراع السوداني، والتوتر مع إريتريا، والخلافات الصومالية بشأن السيادة والوصول البحري، والاضطرابات السياسية في جنوب السودان. ولا تتمثل المخاطر في تعدد الأزمات فحسب، بل في احتمال أن يؤدي تصعيد إحداها إلى تعقيد تسوية الأزمات الأخرى.