صوماليلاند بين الاحتلال الإسرائيلي وتركيا.. هل يتحول القرن الإفريقي إلى ساحة مواجهة جديدة؟
لم يعد اعتراف الاحتلال الإسرائيلي بصوماليلاند مجرد تطور دبلوماسي منفصل عن صراعات القرن الإفريقي والبحر الأحمر، بل بدأ يأخذ بعداً أمنياً واستراتيجياً أوسع، مع سعي هرجيسا إلى الاستفادة من العلاقة الجديدة مع إسرائيل في مواجهة ما تعتبره تنامياً للنفوذ التركي في الصومال.
وبحسب مسؤولين ومحللين في صوماليلاند، فإن التقارب مع تل أبيب، الذي بدأ بتطبيع العلاقات والاعتراف في يناير/كانون الثاني 2026، كان مدفوعاً جزئياً بالرغبة في موازنة النفوذ التركي المتزايد في مقديشو، إلى جانب محاولة الحصول على دعم عسكري إسرائيلي، ولا سيما أنظمة الدفاع الجوي.
وقال محمد عثمان فضل، المستشار البارز للشؤون الخارجية لرئيس صوماليلاند، إن بلاده تحتاج إلى أنظمة دفاع جوي لمواجهة ما وصفه بتزايد القدرات العسكرية التركية في الصومال، مشيراً إلى وجود مقاتلات F-16 تركية ورغبة أنقرة في إنشاء قاعدة للطائرات المسيّرة.
وأضاف بوضوح: “نريد من إسرائيل أن تدعمنا ضد تركيا.”
صوماليلاند تريد الاحتلال الإسرائيلي في مواجهة تركيا
ترى هرجيسا أن التنافس مع مقديشو لم يعد محصوراً في الخلاف حول وحدة الأراضي والسيادة، بعدما أصبحت تركيا لاعباً عسكرياً وأمنياً رئيسياً في الصومال.
فأنقرة، التي بدأت علاقتها الحديثة بالصومال عام 2011، عندما زار الرئيس رجب طيب أردوغان البلاد في ظل واحدة من أسوأ موجات الجفاف، تحولت خلال السنوات التالية إلى أهم داعم خارجي لمقديشو.
وساعدت تركيا في بناء مستشفيات وطرق ومؤسسات، قبل أن تتوسع الشراكة إلى المجال العسكري والأمني. وأصبحت الصومال تستضيف أكبر قاعدة عسكرية تركية خارج البلاد، إلى جانب سفارة تركية ضخمة في مقديشو.
وتدرب تركيا القوات الخاصة الصومالية، وتشارك في العمليات ضد حركة الشباب المجاهدين بالتنسيق مع أجهزة الاستخبارات الصومالية، كما نشرت طائرات مسيّرة من طراز بيرقدار TB2 ومروحيات هجومية من طراز أتاك، فيما تحدث تقرير ميدل إيست آي عن وجود مقاتلات F-16 تركية.
وفي عام 2024، وقعت تركيا اتفاقاً دفاعياً لعشر سنوات لبناء وتدريب البحرية الصومالية، وهو ما تعتبره هرجيسا ذا أهمية خاصة، لأن الاتفاق يشمل المياه الإقليمية الصومالية التي تعتبر صوماليلاند جزءاً منها.
كما حصلت أنقرة على امتيازات اقتصادية واسعة، بينها إدارة ميناء ومطار مقديشو لمدة 20 عاماً، وحصة تبلغ 30% من عائدات الموارد البحرية التي قد تُكتشف في المنطقة الاقتصادية الخالصة للصومال.
وتقول صوماليلاند إن هذه الترتيبات قد تمنح تركيا موطئ قدم في مياه تعتبرها هرجيسا تابعة لها.
“إسرائيل موجودة هنا بسبب تركيا”
هذا البعد التركي أصبح، بحسب مسؤولين ومحللين تحدثوا لميدل إيست آي، أحد الأسباب الرئيسية وراء الحضور الإسرائيلي المتزايد في صوماليلاند.
وقال دبلوماسي غربي سابق في المنطقة إن كثيرين يعتقدون أن إسرائيل وتركيا تتجهان نحو مواجهة، وإن القرن الإفريقي قد يوفر ساحة بعيدة نسبياً عن بؤر الاهتمام التقليدية في الشرق الأوسط لاختبار نفوذ كل طرف.
وبهذا المعنى، قد تتحول صوماليلاند إلى نقطة تماس غير مباشرة بين قوتين إقليميتين تتنافسان في ملفات عدة.
فتركيا ترتبط عسكرياً بالصومال، بينما ترتبط صوماليلاند بالإمارات، التي تعد أحد أقرب شركائها العرب وتعمل على توسيع وجودها الجوي والبحري في ميناء بربرة، حيث تمتلك أيضاً حصة رئيسية في الميناء التجاري.
وهذا يجعل صوماليلاند، من وجهة نظر التحالفات الإقليمية، أقرب إلى المعسكر الذي يضم الإمارات وإسرائيل، في مقابل المحور الذي ترتبط فيه تركيا بالصومال.
هرجيسا لا ترى الحوثيين عدواً مثل إسرائيل
المفارقة أن صوماليلاند، رغم كونها شريكاً محتملاً لإسرائيل في منطقة استراتيجية مطلة على خليج عدن، لا تتبنى بالضرورة النظرة الإسرائيلية نفسها تجاه الحوثيين في اليمن.
فموقع صوماليلاند على خليج عدن يجعلها ذات أهمية كبيرة لأي تحرك يتعلق بالبحر الأحمر وباب المندب، ولذلك طُرح الاعتراف الإسرائيلي بها باعتباره وسيلة محتملة للحصول على موطئ قدم يمكن من خلاله مراقبة أو استهداف الحوثيين عبر البحر الأحمر.
لكن مسؤولين في هرجيسا يؤكدون أن موقفهم أكثر حذراً.
وقال المدير العام لوزارة الخارجية والتعاون الدولي في صوماليلاند محمد عبدالرحمن حسن إن بلاده لا تعتبر الحوثيين مثل حركة الشباب، ويرفض وصفهم بالإرهابيين، مؤكداً أن صوماليلاند لا تريد مواجهة في اليمن وأن الحوثيين “يجب إشراكهم في الحوار”.
وهذا يكشف اختلافاً مهماً بين الطرفين: إسرائيل ترى في الحوثيين خصماً أمنياً مباشراً، بينما تحاول هرجيسا إبقاء الباب مفتوحاً أمام التعامل معهم، رغم شراكتها الجديدة مع إسرائيل.
الاعتراف الإسرائيلي وصراع النفوذ في البحر الأحمر
تقع صوماليلاند على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بالقرب من خليج عدن وباب المندب، وهو الموقع الذي جعلها تاريخياً محل تنافس بين قوى خارجية.
ويرى محللون أن الاعتراف الإسرائيلي قد يتضمن صفقة غير معلنة تقوم على تبادل المصالح؛ تحصل صوماليلاند على دعم سياسي وأمني من إسرائيل، بينما تحصل إسرائيل على وصول أكبر إلى الساحل المطل على خليج عدن.
ويكتسب هذا الموقع أهمية أكبر مع استمرار التوترات في البحر الأحمر، وصعود الحوثيين كقوة مسيطرة على أجزاء من الساحل اليمني المطل على الممر البحري.
لكن تحويل صوماليلاند إلى نقطة ارتكاز إسرائيلية قد يحمل مخاطر كبيرة بالنسبة لهرجيسا نفسها، إذ قد يجعلها طرفاً مباشراً في صراعات لا تملك السيطرة عليها.
تاريخ طويل من صراع القوى الأجنبية
ليست المنافسة الحالية على ساحل الصومال جديدة.
فالمنطقة كانت ساحة تنافس بين الإمبراطوريات منذ القرن السادس عشر، عندما تنافست الإمبراطورية العثمانية والبرتغاليون على السيطرة على السواحل المطلة على خليج عدن والمحيط الهندي.
ثم انسحبت مصر الخديوية من المنطقة، لتبدأ مرحلة من التنافس الاستعماري الأوروبي، حيث فرضت بريطانيا نفوذها في صوماليلاند الحالية، بينما سيطرت فرنسا على منطقة خليج تاجورة، التي أصبحت لاحقاً جيبوتي، وسيطرت إيطاليا على المنطقة المحيطة بمقديشو.
أما إثيوبيا، فوسعت نفوذها في مناطق يسكنها الصوماليون.
وتستخدم هرجيسا هذا التاريخ للتأكيد على أن الصوماليين لطالما وجدوا أنفسهم في قلب صراعات قوى خارجية تتنافس على الممرات التجارية والمواقع الاستراتيجية.
الخلاف مع تركيا يعود إلى ملف إثيوبيا
يزداد التوتر بين صوماليلاند وتركيا بسبب دور أنقرة في الوساطة بين الصومال وإثيوبيا.
فهرجيسا كانت تأمل في أن تحصل على اعتراف إثيوبي مقابل منح أديس أبابا إمكانية الوصول إلى ميناء بربرة وإنشاء قاعدة عسكرية على خليج عدن.
لكن الوساطة التركية أدت إلى تفاهم بين إثيوبيا والصومال عرقل المسار الذي كانت صوماليلاند تراهن عليه.
ولهذا ينظر مسؤولون في هرجيسا إلى تركيا باعتبارها قوة تقف في طريق أهدافهم الدبلوماسية.
ويرى المسؤولون في صوماليلاند أن الخطر لا يكمن فقط في القوة العسكرية التركية داخل الصومال، بل في احتمال أن تستخدم أنقرة هذه القوة لدعم مقديشو إذا تصاعد النزاع بين الطرفين.
وقال حسن إن مقديشو قد تفكر في شن هجوم، وإن تركيا يمكن أن تدعمها، ولذلك تريد هرجيسا أن تعيد ترتيب موقعها الأمني قبل حدوث أي مواجهة.
لماذا تقف الإمارات وإسرائيل في جهة، وتركيا في الجهة الأخرى؟
أصبحت التحالفات في القرن الإفريقي أكثر تعقيداً خلال السنوات الأخيرة.
فالإمارات تعزز وجودها في بربرة، بينما ترتبط صوماليلاند بعلاقات وثيقة معها. وفي المقابل، تتمتع تركيا بعلاقة عسكرية واقتصادية واسعة مع مقديشو.
وعلى مستوى أوسع، تتقاطع هذه التحالفات مع التنافس في الشرق الأوسط، حيث تعزز إسرائيل والإمارات تعاونهما، بينما وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاق دفاع مشترك يُنظر إليه باعتباره كتلة منافسة.
وبذلك، لم يعد النزاع بين الصومال وصوماليلاند قضية محلية بحتة؛ بل أصبح مرتبطاً بشبكة أوسع من التنافس على النفوذ في البحر الأحمر وخليج عدن.
صوماليلاند بين مكاسب الاعتراف ومخاطر التحالف
تراهن هرجيسا على إسرائيل للحصول على ما عجزت عن الحصول عليه من دول عربية وإسلامية على مدى عقود: الاعتراف الدولي والدعم السياسي والأمني.
ويقول مسؤولون في صوماليلاند إنهم حاولوا منذ إعلان استقلالهم عام 1991 الحصول على اعتراف الدول العربية والإسلامية، لكنهم لم يحققوا الهدف، ولذلك قرروا تغيير المسار.
وبحسب المسؤولين، فإن إسرائيل رأت “فجوة” يمكن استغلالها، وقررت الاعتراف بصوماليلاند.
لكن هذا الخيار أثار انتقادات واسعة في العالمين العربي والإسلامي، في وقت يرى فيه بعض سكان صوماليلاند أن العلاقة الجديدة يجب تقييمها بمنطق المصالح لا الاصطفاف الأيديولوجي.
وفي هرجيسا، لا يبدو أن جميع السكان متحمسون للعلاقة مع إسرائيل، لكن الإعلان عن الاعتراف الإسرائيلي قوبل، وفق ميدل إيس آي، باحتفالات في الشوارع بدلاً من احتجاجات واسعة.
ويختصر هذا الموقف طبيعة الحسابات الجديدة لدى قطاع من النخبة في صوماليلاند: إذا كانت القوى الإقليمية والدولية تتنافس على المنطقة، فإن هرجيسا تريد أن تستخدم هذا التنافس للحصول على اعتراف وحماية ومكاسب استراتيجية.
الخطر الأكبر: أن تصبح صوماليلاند ساحة مواجهة بالوكالة
غير أن الرهان على الاحتلال الإسرائيلي يحمل ثمناً محتملاً.
فإذا أصبحت صوماليلاند منصة إسرائيلية في القرن الإفريقي، فقد تتحول من طرف يسعى إلى الاعتراف الدولي إلى هدف في صراع إقليمي أوسع.
فالمنطقة المحيطة بها تشهد بالفعل تعدد جبهات الصراع: إثيوبيا تواجه جماعات متمردة وسط اتهامات متبادلة بشأن الدعم الخارجي، ومصر وإريتريا تراقبان تنامي التعاون العسكري الإثيوبي مع إسرائيل، بينما يسيطر الحوثيون على أجزاء من الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، وتبقى إسرائيل في مواجهة مفتوحة معهم.
وفي الوقت نفسه، تواصل تركيا تعزيز حضورها العسكري والاقتصادي في الصومال.
وبالتالي، فإن صوماليلاند تجد نفسها بين قوى متنافسة: إسرائيل والإمارات من جهة، وتركيا والصومال من جهة أخرى، إلى جانب إثيوبيا والحوثيين ومصالح قوى إقليمية ودولية أخرى.
المعضلة أمام هرجيسا أن التحالف مع إسرائيل قد يمنحها أدوات جديدة لموازنة تركيا ومقديشو، لكنه قد يسحبها أيضاً إلى قلب صراع لا تستطيع التحكم في مساره.
فبدلاً من أن يكون الاعتراف الإسرائيلي مجرد خطوة نحو تحقيق حلم الدولة المستقلة، قد يصبح بداية لتحول صوماليلاند إلى ساحة مواجهة بالوكالة في القرن الإفريقي.
وهنا تكمن المفارقة: المنطقة التي نجحت لعقود في الحفاظ على قدر من الاستقرار وسط اضطرابات الصومال، قد تجد نفسها اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى صراعات القوى الكبرى والإقليمية التي تتنافس على البحر الأحمر وخليج عدن.