حرب إثيوبيا تدخل طورًا جديدًا.. المسيّرات تصل أديس أبابا والقطيعة مع إريتريا تنذر بصراع إقليمي رغم سقوط ميكيلي

دخلت الحرب المتجددة في شمال إثيوبيا مرحلة أكثر خطورة وتعقيدًا، بعدما تجاوزت المعارك جبهاتها التقليدية في تيغراي وأمهرة وعفر، ووصلت تداعياتها الأمنية إلى العاصمة أديس أبابا، بالتزامن مع انهيار العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا وتصاعد التوتر مع مصر، ما يثير مخاوف متزايدة من تحول الصراع الداخلي إلى أزمة إقليمية أوسع.

وفي تحول لافت في مسار الحرب، هزت انفجارات العاصمة أديس أبابا ليل الأربعاء-الخميس، وسط تقارير عن استخدام طائرات مسيّرة لاستهداف منشآت عسكرية، من بينها مقر للجيش الإثيوبي. وقال مصدر مرتبط بتحالف المعارضة المسلحة إن التحالف نفذ عدة هجمات بالمسيّرات في العاصمة، غير أن المسؤولية عن الهجمات لم تُحسم بصورة مستقلة.

ويمثل وصول المسيّرات إلى العاصمة – إذا تأكدت مسؤولية تحالف المعارضة عنها – تطورًا نوعيًا في الحرب، إذ لم تعد المواجهة مقتصرة على خطوط القتال في شمال البلاد، بل باتت منشآت استراتيجية على مسافات بعيدة من الجبهات عرضة للهجوم.

وجاءت انفجارات أديس أبابا بعد سلسلة هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت جوية وعسكرية في مناطق مختلفة من إثيوبيا. ووفق مشروع Critical Threats Project، استُهدفت منشآت من بينها قاعدة هرر ميدا الجوية في بيشوفتو ومطارات ومواقع عسكرية في كومبولتشا وسمرا ومحيط بحر دار، قبل أن تصل الهجمات المشتبه بها إلى أديس أبابا.

وكان جهاز الأمن والمخابرات الوطني الإثيوبي قد حظر استخدام الطائرات المسيّرة في أديس أبابا ومحيطها، في مؤشر على ارتفاع مستوى القلق الأمني من إمكانية استخدام هذه التقنية داخل العاصمة.

قطيعة بين أديس أبابا وأسمرة

بالتوازي مع التصعيد العسكري، انهارت العلاقات الدبلوماسية بين إثيوبيا وإريتريا بصورة غير مسبوقة منذ المصالحة التي قادها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد قبل سنوات.

فقد أمرت أديس أبابا عشرة دبلوماسيين إريتريين بمغادرة البلاد خلال 48 ساعة، وأعلنت إغلاق سفارتها في أسمرة، متهمة إريتريا باتخاذ خطوات قالت إنها تمثل أعمالًا عدائية مباشرة وغير مباشرة ضد إثيوبيا وتهدد أمنها القومي.

وشملت قائمة المطرودين مسؤولين في السفارة الإريترية وممثلين دبلوماسيين، فيما قالت وزارة الخارجية الإثيوبية إن على أسمرة وقف الأعمال التي تتعارض مع المبادئ المنظمة للعلاقات بين الدول ذات السيادة.

وردت إريتريا بقطع جميع علاقاتها الدبلوماسية مع إثيوبيا، معتبرة أن طرد دبلوماسييها وإغلاق السفارات جعل استمرار العلاقات بين البلدين غير ممكن.

كما رفضت أسمرة الاتهامات الإثيوبية بدعم تحالف المعارضة المسلحة، واتهمت في المقابل أديس أبابا بانتهاج سياسة عدائية تجاهها.

ويعيد الانهيار السريع للعلاقات بين الجارين إلى الواجهة تاريخًا طويلًا من الحروب والخصومات. فقد استقلت إريتريا عن إثيوبيا عام 1993 بعد حرب استمرت نحو ثلاثة عقود، ثم خاض البلدان حربًا حدودية دامية بين عامي 1998 و2000.

لكن المفارقة أن إريتريا وقفت إلى جانب القوات الفيدرالية الإثيوبية خلال حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022، قبل أن تتدهور علاقتها بأديس أبابا لاحقًا، خصوصًا مع تصاعد الخلاف حول مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر. وتخشى أسمرة من أن تتحول هذه المساعي إلى ضغط على ميناء عصب الإريتري، فيما تقول أديس أبابا إنها تسعى إلى الوصول إلى البحر بوسائل سلمية.

مصر تدخل دائرة الأزمة

ولم تقتصر الأزمة الدبلوماسية على إريتريا؛ إذ طردت إثيوبيا دبلوماسيًا مصريًا من أراضيها ومنحته مهلة 48 ساعة للمغادرة، لترد القاهرة بالمثل وتعلن دبلوماسيًا إثيوبيًا شخصًا غير مرغوب فيه وتأمره بمغادرة مصر خلال المدة نفسها.

وكانت أديس أبابا قد اتهمت إريتريا ومصر والسودان بدعم التحالف المسلح الذي تقوده جبهة تحرير شعب تيغراي «TPLF»، وهي اتهامات نفتها الدول المعنية.

ويضيف دخول مصر على خط التوتر بعدًا آخر للأزمة، في ظل الخلاف المستمر منذ أكثر من عقد بينها وبين إثيوبيا بشأن سد النهضة ومياه النيل.

وتنظر القاهرة إلى قضية المياه باعتبارها مسألة أمن قومي، بينما تؤكد أديس أبابا أن السد يمثل مشروعًا حيويًا لتوليد الكهرباء والتنمية الاقتصادية.

وأمام التسارع الخطير للأحداث، دعا الاتحاد الأفريقي إثيوبيا وإريتريا ومصر إلى ضبط النفس والامتناع عن أي خطوات أو تصريحات قد تؤدي إلى مزيد من التصعيد وتهديد الأمن والاستقرار الإقليميين، مطالبًا بمعالجة الخلافات عبر الحوار والقنوات الدبلوماسية.

المسيّرات تغيّر قواعد الحرب

ويبدو دخول الطائرات المسيّرة إلى ترسانة خصوم الحكومة الإثيوبية واحدًا من أهم التحولات العسكرية في الصراع الحالي.

فخلال حرب تيغراي السابقة، شكّل التفوق الجوي، ولا سيما استخدام الطائرات المسيّرة، إحدى أهم نقاط القوة التي امتلكتها القوات الفيدرالية وحلفاؤها.

أما في المواجهة الحالية، فتشير التقارير إلى أن جهات ضمن تحالف المعارضة باتت قادرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى ضد منشآت عسكرية وجوية، وهو تطور قد يقلص احتكار الحكومة لهذا النوع من القوة.

ويقول Critical Threats Project إن الحملة الجديدة بالمسيّرات تستهدف على ما يبدو المنشآت العسكرية وقد تكون مصممة لإجبار الجيش الإثيوبي على توزيع موارده الدفاعية بعيدًا عن جبهات الشمال، فضلًا عن إظهار قدرة المعارضة على نقل التهديد إلى العمق الإثيوبي. إلا أن المشروع نفسه أشار إلى تعذر التحقق بصورة مستقلة من حجم الأضرار في عدد من المواقع المستهدفة.

وبذلك، فإن أهمية هجمات أديس أبابا لا تكمن فقط في حجم الأضرار التي أحدثتها، بل في حقيقة أن العاصمة التي ظلت بعيدة نسبيًا عن ساحات القتال باتت نفسها ضمن نطاق التهديد.

هجوم حكومي مضاد يقلب موازين الميدان

وعلى الرغم من التصعيد الذي حققته المعارضة في بداية الجولة الحالية من الحرب، شهدت الأيام التالية تغيرًا سريعًا في ميزان القوى الميداني.

فبعد الهجوم الواسع الذي شنته قوات تيغراي وحلفاؤها ابتداء من 23 سبتمبر/أيلول، وتقدمها في أجزاء من عفر وأمهرة وسيطرتها على مواقع ومطارات، شن الجيش الإثيوبي والقوات المتحالفة معه هجومًا مضادًا واسعًا باتجاه تيغراي.

وتمكنت القوات الموالية للحكومة من استعادة ألاماتا والتقدم شمالًا، كما استعادت مناطق في عفر بينها أبالا وإريبتي، قبل أن تتجه عدة محاور نحو ميكيلي، عاصمة إقليم تيغراي.

ومع اقتراب القوات الحكومية، أغلقت البنوك والمتاجر أبوابها في ميكيلي وسط مخاوف السكان من اندلاع معارك داخل المدينة، بينما أفادت تقارير بمغادرة بعض قيادات TPLF واتخاذ الجبهة إجراءات استعدادًا لاحتمال سقوط العاصمة الإقليمية.

ثم حققت القوات الفيدرالية تقدمًا حاسمًا باستعادة المطار الرئيسي لميكيلي، قبل أن تدخل القوات الحكومية والمقاتلون المتحالفون معها المدينة نفسها.

وأكدت جبهة تحرير شعب تيغراي انسحابها من ميكيلي، معلنة نقل إدارة الإقليم مؤقتًا إلى مكان آخر، فيما أكدت مصادر ميدانية سيطرة القوات الحكومية وحلفائها على العاصمة.

ويمثل سقوط ميكيلي ضربة عسكرية وسياسية كبيرة لتحالف المعارضة الذي بدأ هجومه الواسع في سبتمبر، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية الحرب.

فالسابقة التاريخية لا تزال حاضرة؛ إذ سيطرت القوات الفيدرالية على ميكيلي في بداية حرب 2020، قبل أن تتمكن قوات تيغراي بعد أشهر من شن هجوم مضاد واستعادة المدينة.

ميكيلي تسقط.. والحرب تستمر

وبالفعل، لم يؤد استيلاء القوات الحكومية على ميكيلي إلى توقف العمليات العسكرية.

فبحسب أحدث المعلومات، استمرت الغارات الجوية ونيران المدفعية في مناطق أخرى من تيغراي حتى الساعات الأولى من الاثنين 5 أكتوبر/تشرين الأول، ووردت تقارير عن سقوط قتلى في هجمات قرب ميكيلي، في حين امتدت الضربات إلى مناطق أخرى بينها عدوة وشرارو. ولم يتسنَّ تحديد الجهة المسؤولة عن بعض تلك الضربات بصورة مستقلة.

ويشير استمرار القتال بعد سقوط العاصمة الإقليمية إلى احتمال انتقال قوات TPLF وحلفائها من الدفاع عن المدن والمواقع الثابتة إلى نمط أكثر حركة، يعتمد على الهجمات المتفرقة والكمائن وحرب الاستنزاف.

وكان زعيم TPLF، دبرصيون جبرميكائيل، قد أقر قبل سقوط ميكيلي بتحقيق القوات الفيدرالية تقدمًا في بعض المناطق، لكنه أكد أن قواته ستواصل القتال وتشن هجومًا مضادًا. كما تحدثت تقارير متابعة للصراع عن استعداد الجبهة للانتقال إلى نمط «قتال متحرك» بدلًا من التشبث بالمواقع الثابتة.

من حرب داخلية إلى أزمة إقليمية؟

تبدو خطورة المرحلة الحالية في اجتماع مسارين متوازيين: الأول عسكري، يتمثل في اتساع رقعة الحرب وظهور قدرات هجومية جديدة لدى المعارضة؛ والثاني إقليمي، يتمثل في الانهيار الحاد للعلاقات بين أديس أبابا وأسمرة وتصاعد الخلاف الإثيوبي-المصري.

فإريتريا التي كانت حليفًا لإثيوبيا في حرب تيغراي السابقة أصبحت اليوم خصمًا تتهمه أديس أبابا بدعم أعدائها، بينما دخلت مصر والسودان بدورهما دائرة الاتهامات الإثيوبية، في وقت تتقاطع فيه هذه الأزمة مع الخلاف حول سد النهضة والتنافس على البحر الأحمر والموانئ والممرات الاستراتيجية في القرن الأفريقي.

وبذلك، لم يعد السؤال متعلقًا فقط بمن يسيطر على ميكيلي أو أي من مدن شمال إثيوبيا، بل بما إذا كانت الحرب ستظل صراعًا داخليًا يمكن احتواؤه داخل الحدود الإثيوبية، أم أن تشابك الخصومات الإقليمية وقدرات الأطراف الجديدة سيحوّلها إلى مواجهة أوسع.

فاستعادة ميكيلي منحت حكومة آبي أحمد مكسبًا ميدانيًا كبيرًا، لكنها لم تنه تمرد TPLF ولا تحالف المعارضة، في حين أن وصول تهديد المسيّرات إلى أديس أبابا وانهيار العلاقات مع إريتريا والتصعيد المتبادل مع مصر تشير مجتمعة إلى أن الحرب، بدل أن تقترب من نهايتها، قد تكون دخلت طورًا جديدًا أكثر تعقيدًا وخطورة.