انسحاب أمريكي مفاجئ من قاعدة بليدوكلي في الصومال.. هل تعيد واشنطن رسم خريطة وجودها العسكري وسط تصاعد هجمات حركة الشباب المجاهدين؟

في تطور عسكري لافت قد يعيد رسم ملامح الوجود الأمريكي في الصومال، أفادت تقارير إعلامية بمغادرة القوات الأمريكية قاعدة بليدوكلي الجوية في ولاية شبيلي السفلى، وتسليم السيطرة عليها للقوات الصومالية والأوغندية، وسط معلومات عن نقل معدات عسكرية إلى مدينة بربرة وإحراق مركبات قبل مغادرة الموقع.

وتأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع تصاعد هجمات حركة الشباب المجاهدين في مناطق جنوب الصومال، والخسائر التي تكبدتها القوات الحكومية خلال المعارك في محيط منطقتي جميعو وليغو، الواقعتين بالقرب من قاعدة بليدوكلي الجوية. ويثير تزامن هذه التطورات مع الأنباء عن التحركات الأمريكية تساؤلات بشأن طبيعة الانسحاب، وما إذا كان يندرج ضمن إعادة تموضع عسكري أم يعكس تحولًا في استراتيجية واشنطن تجاه الصومال، فضلًا عن التداعيات المحتملة على مستوى الدعم العسكري الأمريكي للقوات الحكومية والتعاون الأمني بين واشنطن ومقديشو في مواجهة حركة الشباب.

ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة Horn Observer في 28 أكتوبر 2026، فإن القوات الأمريكية غادرت القاعدة قبل أيام، استناداً إلى مصدرين مطلعين، فيما تولت القوات الأوغندية التابعة لبعثة الاتحاد الأفريقي والقوات المسلحة الصومالية السيطرة عليها.

ومع أهمية هذه المعلومات، لم يصدر في المصادر المتاحة إعلان أمريكي رسمي يؤكد الانسحاب الكامل أو يوضح أسبابه، كما لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت الخطوة تشمل إعادة انتشار القوات في مواقع أخرى داخل الصومال.

بليدوكلي.. لماذا تمثل مغادرة القاعدة تطوراً مهماً؟

لا تقتصر أهمية قاعدة بليدوكلي على كونها منشأة عسكرية، بل ترتبط بدورها في دعم العمليات الأمنية الأمريكية والصومالية، وتدريب القوات الخاصة الصومالية، وتنسيق الجهود الرامية إلى مواجهة حركة الشباب المجاهدين.

ووفقاً للمعلومات المنشورة، حافظت الولايات المتحدة على وجود في القاعدة منذ عام 2012، واستخدمتها لتدريب قوات «دنب» الصومالية الخاصة، فضلاً عن دورها في الأنشطة الاستخباراتية والدعم العملياتي.

وتبرز أهمية القاعدة أيضاً من موقعها في ولاية شبيلي السفلى، بالقرب من طرق ومناطق شهدت عمليات عسكرية متكررة. ولذلك، فإن أي تغيير في طبيعة الوجود الأمريكي فيها يستدعي توضيحاً بشأن مستقبل التدريب والدعم اللوجستي والتنسيق الأمني.

وكان تقرير نشرته صحيفة Stars and Stripes في مايو 2025 قد تحدث عن أعمال تطوير وتعزيز للحماية والبنية التحتية في القاعدة، في إطار دعم العمليات الأمريكية هناك. ويزيد هذا السياق من أهمية التحقق من طبيعة التحول الحالي، وما إذا كان انسحاباً فعلياً أم إعادة تنظيم للانتشار العسكري.

نقل معدات إلى بربرة وإحراق مركبات.. ماذا تكشف المعلومات؟

من أبرز التفاصيل التي أوردها تقرير Horn Observer أن الولايات المتحدة استعانت، بحسب مصادره، بشركات متخصصة في الخدمات اللوجستية لنقل معدات من قاعدة بليدوكلي إلى مدينة بربرة. كما تحدث التقرير عن إحراق مركبات عسكرية أمريكية قبل مغادرة القاعدة.

وإذا تأكدت هذه التفاصيل، فستكون مهمة في تحديد طبيعة العملية، ولا سيما ما إذا كانت تتضمن إخلاء تجهيزات أو إعادة توزيعها على مواقع أخرى. لكن نقل المعدات إلى وجهة معينة لا يكفي وحده لإثبات أن الولايات المتحدة أنهت وجودها العسكري في الصومال أو نقلت عملياتها بالكامل إلى مكان آخر.

وأشار التقرير كذلك إلى اهتمام تركي محتمل بتولي استخدام القاعدة، نقلاً عن مصادر مطلعة، من دون توفر تأكيد رسمي مستقل بشأن وجود اتفاق أو قرار نهائي في هذا الشأن.

الانسحاب الأمريكي يتزامن مع خسائر عسكرية قرب جامعيو وليغو

تكتسب الأنباء عن مغادرة القوات الأمريكية قاعدة بليدوكلي الجوية أهمية إضافية في ضوء التطورات العسكرية الأخيرة التي شهدتها المناطق المحيطة بالقاعدة في جنوب الصومال.

فقد شهدت مناطق قرب جامعيو وليغو مواجهات وهجمات استهدفت القوات الحكومية الصومالية. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة نظرًا إلى وقوعها في محيط قاعدة بليدوكلي، التي تمثل إحدى النقاط المهمة في الوجود العسكري الأمريكي الداعم للعمليات الأمنية في الصومال.

ونقلت وكالة أسوشيتد برس عن ضابط صومالي نجا من الهجوم أن ما لا يقل عن 20 جندياً صومالياً قُتلوا في كمين قرب جامعيو. وفي المقابل، أعلنت حركة الشباب المجاهدين مقتل أكثر من 413 جنديا وإصابة وأسر عدد أكثر.

لكن تزامن هذه المواجهات مع التقارير عن مغادرة القوات الأمريكية للقاعدة يسلط الضوء على تحدٍ مهم أمام الحكومة الصومالية: الحفاظ على استمرارية العمليات العسكرية وتوفير الدعم اللوجستي والاستخباراتي للقوات الوطنية، في ظل استمرار التهديدات المسلحة.

هل تعيد واشنطن ترتيب وجودها العسكري في الصومال؟

تفتح هذه التطورات الباب أمام ثلاثة احتمالات رئيسية، لا يمكن الجزم بأي منها استناداً إلى المعلومات الحالية وحدها.

أولاً: إعادة الانتشار العسكري. قد تكون مغادرة بليدوكلي جزءاً من إعادة توزيع القوات والمعدات الأمريكية على مواقع أخرى، من دون إنهاء المهمة العسكرية في الصومال.

ثانياً: تقليص الوجود في القاعدة. قد تعكس الخطوة تغييراً في حجم القوات أو طبيعة الأنشطة التي كانت تنفذها من الموقع، مع استمرار أشكال أخرى من التعاون الأمني مع الحكومة الصومالية.

ثالثاً: تغيير أوسع في ترتيبات الدعم. إذا تأكد أن الانسحاب جزء من تحول استراتيجي أوسع، فستبرز أسئلة بشأن مستقبل التدريب والدعم الاستخباراتي واللوجستي والعمليات المشتركة ضد حركة الشباب المجاهدين.

وتظل هذه احتمالات تحليلية وليست قرارات أمريكية معلنة. ولا يمكن تحديد الاتجاه الفعلي قبل صدور توضيحات رسمية أو ظهور أدلة إضافية على طبيعة التحركات.