أضرار خط أنابيب سعودي تعيد إشعال مخاوف أسواق النفط العالمية
تعود أسواق النفط العالمية إلى دائرة القلق مع تجدد الاضطرابات التي تضرب البنية التحتية للطاقة في الشرق الأوسط، بعدما أدى هجوم استهدف خط أنابيب النفط السعودي الممتد من الشرق إلى الغرب إلى تعطيل جزء من قدرته التشغيلية، ودفع الرياض إلى تأجيل أو إلغاء شحنات من الخام المخصصة لمصافي التكرير الأوروبية، مع احتمال امتداد التأجيل إلى أكتوبر أو نوفمبر.
وتحمّل السعودية طائرات مسيّرة انطلقت من العراق مسؤولية الهجوم على خط الأنابيب، فيما تشير تقارير إلى أن الرياض كانت تأمل في إعادة نحو نصف طاقته التشغيلية خلال أيام، بينما قد يستغرق استعادة كامل قدرته ما يصل إلى ستة أسابيع، في حال عدم وقوع هجمات جديدة. ويكتسب هذا الخط أهمية خاصة باعتباره أحد المسارات التي تسمح للسعودية بتصدير النفط إلى البحر الأحمر بعيدًا عن مضيق هرمز.
وتزامن تعطل الخط مع تطورات ميدانية في اليمن، حيث باتت سيطرة الحوثيين على مدينة المخا وجزر قبالة باب المندب عاملًا إضافيًا يزيد المخاطر على حركة الملاحة في البحر الأحمر. ويضاعف اجتماع هذه التطورات الضغوط على طرق تصدير النفط، خصوصًا مع استمرار الاضطرابات في مضيق هرمز، الذي كانت تمر عبره قبل الحرب نحو 20% من إمدادات النفط العالمية.
وبحسب التقرير، كان خط الأنابيب السعودي ينقل ما يقدّر بنحو 4 إلى 5 ملايين برميل من النفط يوميًا، ولذلك فإن تضرره لا يمثل مشكلة سعودية محلية فحسب، بل يضيف عاملًا جديدًا إلى سوق يعاني أصلًا من تقلص هوامش الأمان المتاحة أمام أي صدمة إضافية في الإمدادات. وارتفع سعر خام برنت إلى أكثر من 105 دولارات للبرميل وقت إعداد التقرير، مقارنة بنحو 80 دولارًا في 4 أغسطس.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على النفط الخام؛ إذ شهدت أسعار الديزل ارتفاعًا حادًا، مع تجاوز سعر الغالون في الولايات المتحدة ستة دولارات، بينما تراجعت صادرات المنتجات النفطية المكررة المنقولة بحرًا من روسيا والشرق الأوسط، وفق تقدير نقله التقرير عن بن كاهيل من المجلس الأطلسي، من نحو 8 ملايين برميل يوميًا إلى قرابة 4 ملايين منذ فبراير 2026.
وفي الولايات المتحدة، أثارت أسعار الديزل المرتفعة نقاشًا حول كيفية التعامل مع نقص الإمدادات. وظهرت مقترحات لتقييد صادرات الديزل، بينما ركزت وزارة الطاقة على زيادة المعروض، رغم أن المصافي الأمريكية تعمل أصلًا عند مستويات مرتفعة جدًا من الطاقة التشغيلية. ويشير التقرير إلى أن ارتفاع تكلفة الوقود بدأ يضغط أيضًا على قطاعات الإنتاج الزراعي والنقل.
لكن التأثير الأشد، بحسب التحليل، قد يقع خارج الاقتصادات الغنية، ولا سيما في دول الجنوب العالمي التي تعتمد بصورة كبيرة على الديزل لتشغيل الشاحنات والحافلات والمعدات الزراعية والمولدات. كما أدت اضطرابات مضيق هرمز إلى زيادة اعتماد عدد من الدول الآسيوية على النفط القادم عبر موانئ البحر الأحمر السعودية؛ إذ يشير التقرير إلى أن الهند تحصل على نحو 51% من نفطها من تلك المنطقة، مقابل 37% للفلبين و36% لباكستان.
وتتجاوز التداعيات قطاع الطاقة إلى الزراعة، مع ارتفاع أسعار الأسمدة المرتبطة باضطرابات إمدادات المنطقة. وبينما أمكن تعويض بعض النقص في اليوريا عبر زيادة الإنتاج في مصر ونيجيريا، بقيت أسعار الفوسفات مرتفعة بسبب ارتباط إنتاجه بالكبريت القادم من منطقة الخليج، وهو ما قد يدفع بعض المزارعين إلى تقليص استخدام الأسمدة، بما يضيف ضغطًا جديدًا على الأمن الغذائي العالمي في 2027.
وتشير الصورة التي يرسمها التقرير إلى أن الأضرار التي لحقت بخط الأنابيب السعودي جاءت في توقيت شديد الحساسية لأسواق الطاقة، إذ تتزامن مع اضطرابات الملاحة في هرمز والبحر الأحمر وتراجع بعض احتياطيات الطوارئ، ما يجعل أي هجوم جديد على منشآت الطاقة أو طرق التصدير قادرًا على إحداث موجة إضافية من الاضطراب في الأسعار.
وفي المحصلة، لا تبدو أزمة خط الأنابيب مجرد حادث منفصل، بل جزءًا من سلسلة متشابكة من المخاطر التي باتت تربط أمن الطاقة بالحرب في الشرق الأوسط. ومع اتساع نطاق الاضطرابات من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر والمنشآت النفطية السعودية، تصبح تكلفة الصراع أكثر اتساعًا، بحيث لا تتوقف تداعياته عند الدول المتحاربة، بل تمتد إلى أسعار الوقود والنقل والغذاء والأسمدة في مناطق بعيدة عن ساحات القتال.