الإمارة الإسلامية في الساحل: ملامح التحول القادم
إن النصر في تاريخ الأمة الإسلامية لم يكن يوما ثمرة قوة مادية مجردة، وإنما كان ثمرة إيمان راسخ، وصبر طويل، وعقيدة صنعت رجالا حملوا راية الإسلام في أحلك الظروف. فكلما ظن أعداء الأمة أن جذوة الإسلام قد انطفأت، عاد الإسلام ليبعث من جديد في ميادين الجهاد والرباط والصبر والثبات، معلنا أن هذه الأمة لا تموت ما دام فيها من يحمل كتاب الله ويؤمن بوعده بالنصر والتمكين.
وفي لحظات التحول الاستراتيجي في أهم مناطق العالم الإسلامي، لا تعود الشعوب إلى البحث عن حلول جزئية داخل الخرائط الموروثة عن الاحتلال الغربي، وإنما تعود إلى سؤالها الأول: من يحكم؟ وبأي شرعية؟ ولأي غاية يحكم؟
وحين تتآكل النماذج المستوردة من الغرب، وتفشل الدول الوظيفية الطاغوتية، وتنهار أسوار الهيمنة التي فُرضت على العالم الإسلامي منذ قرن، يعود الإسلام من جديد بوصفه المرجعية الوحيدة القادرة على إعادة تعريف السلطة والمعنى والغاية.
وتعود الأمة الإسلامية للبحث عن صورتها الأولى، لا في حدود سايكس وبيكو، وإنما في سلطان العقيدة وراية الشريعة وطريق الجهاد والاستشهاد. وليس ذلك مجرد حنين إلى تاريخها المجيد، وإنما استجابة طبيعية لانهيار وفشل نموذج الدول العميلة في عالمنا الإسلامي. وحين تفشل مؤامرات الاحتلال في الصمود أمام جحافل الإسلام، تعود الجغرافيا الإسلامية إلى منطقها الأول: مجال مفتوح توحده العقيدة، وتعيد تشكيله القوة، وتحرسه الشرعية المنبثقة من الإسلام.
ولسان حال قوات نصرة الإسلام والمسلمين:
فكم عقدنا لواء في الدنا خفقا وكم ضربنا فما كلت سواعدنا
ولا رأت خيلنا ذلا ولا رهقا وأينما سرت في كل البقاع ترى
سيفا لنا سلا أو فجرا لنا انبثقا فكيف أرض بذل بعد عزتنا
وكيف يغمد سيف بات ممتشقا وكيف تعلو جباه الكفر شامخة
وأستريح أناوي الورد والعبقا وكيف أرجو من الكفار نصرتنا
وعينهم تنفث الأحقاد والحنقا وكيف أحيا قرير العين هانئها
وأمتي كم تعاني الهدم والغرق لا والذي زلزل الكفار في أحد
لن أستكين وحقي جهرة سرقا سأمضي بدرب العز ممتشقا
سيفي أذيق به أعدائي الحرقا وأرتمي في مهاوي الروع محتسبا
أرنو إلى النصر أسقي الدما غدقا فعزتي علمتني كيف أصنعها
وكيف صارت معاني العزم منطلقا ما دمت أحمل كتاب الله في خلدي
وصدق همي فأنى أشتكي الأرقا فاليوم حق جهادي فليكن بدمي
ولتعلُ ألويتي تملي العدا فرقا لا خير في العيش إن لم ترض أسلحتي
وما يجري اليوم في منطقة الساحل ليس اضطراب أطراف، ولا مجرد تمرد في هوامش إفريقيا الإسلامية، وإنما هو من أوائل بشائر التحول الاستراتيجي الكبير الذي يستعيد فيه الإسلام موضعه في الحكم، وتستعيد فيه الأمة حقها المسلوب في هذه المنطقة الاستراتيجية.
لم تعد منطقة الساحل الإفريقي تعيش موجة اضطراب أمني عابر، ولا تمردا مسلحا يمكن احتواؤه بعمليات عسكرية موسمية، وإنما تبدو اليوم على أعتاب تحول استراتيجي عميق قد يعيد تشكيل بنية السلطة والنفوذ في غرب إفريقيا بأسرها.
وما يجري في مالي على وجه الخصوص لم يعد مجرد صراع بين دولة وجماعة مسلحة، وإنما أصبح مؤشرا متقدما على إمكان تشكل نموذج سياسي جديد في المنطقة، عنوانه الأكثر حضورا في عقول كثير من المسلمين: ولادة الإمارة الإسلامية في الساحل.
وهذا التحول لا ينبغي فهمه بوصفه حدثا أمنيا صرفا، ولا مجرد تمدد لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين داخل المجال المالي، وإنما باعتباره مسارا تاريخيا مركبا تتقاطع فيه أزمة الدول العميلة، وفشل النموذج الغربي في إدارة العالم الإسلامي، وتآكل الشرعية السياسية للأنظمة العميلة، وانهيار البنية الأمنية التي صنعتها القوى المحتلة، مع صعود الفاعل الجهادي بوصفه القوة الأكثر تماسكا وقدرة على الحركة والتكيف وتحرير العالم الإسلامي.
ومن هنا فإن الحديث عن الإمارة الإسلامية في الساحل لم يعد مجرد تصور دعائي أو فرضية نظرية بعيدة، وإنما صار احتمالا استراتيجيا تتشكل مقدماته تدريجيا على أرض الواقع.
من انهيار عملاء الاحتلال إلى صعود البديل الإسلامي
ما يجري اليوم في الساحل يمكن اعتباره واحدة من أكبر الهزائم التي يتعرض لها مشروع الهيمنة الغربية في واحدة من أكثر مناطق العالم الإسلامي حساسية وخطورة. كما أن محاولات المجاهدين لإقامة نظام إسلامي في هذه المنطقة تمثل خطوة أولى في طريق الحرية والاستقلال والتمكين واستعادة زمام المبادرة.
لقد تعامل الاحتلال الغربي مع منطقة الساحل لعقود طويلة بوصفها مجالا حيويا تابعا له، وساحة خلفية لإدارة النفوذ، وسرقة الموارد والثروات، وتأمين الممرات، ومنع تشكل أي قوة إسلامية مستقلة في خاصرة إفريقيا الغربية.
ولهذا لم يكن الحضور الغربي في الساحل حضورا إنقاذيا كما روّج له عملاؤه وإعلامه، وإنما كان حضورا وظيفيا هدفه إدارة الهشاشة لا إنهاؤها، وإبقاء المنطقة في حالة ضعف بنيوي دائم يسمح باستمرار التبعية ويمنع تشكل مشروع سيادي مستقل.
وقد عبّر كثير من الرؤساء الفرنسيين عن أهمية إفريقيا بالنسبة لفرنسا، حتى إن بعضهم قال: لا وجود لفرنسا دون إفريقيا.
ويقول الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران عام 1957: «دون إفريقيا، لن تملك فرنسا أي تاريخ في القرن الحادي والعشرين».
كما اعترف الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بأن فرنسا نهبت ثروات إفريقيا، حيث قال: «لكننا نسينا شيئا واحدا فقط؛ وهو أن جزءا كبيرا من الأموال الموجودة في خزائننا يأتي تحديدا من استغلال قارة إفريقيا لقرون طويلة».
ففرنسا لم تدخل مالي بكل قوتها عام 2013، بعد تمدد المجاهدين وسيطرتهم على مناطق واسعة، من أجل حماية الدولة المالية، وإنما لحماية منظومة النفوذ التي بنتها منذ عقود.
كما أن دول الغرب والشرق لم تدعم الجيوش العميلة من أجل بناء الاستقرار، وإنما لإدارة الفوضى وضمان استمرار السيطرة على الثروات والموارد.
ولم تكن التدخلات الدولية مشروعا لإنقاذ منطقة الساحل، وإنما كانت مشروعا لإبقاء الساحل في حالة احتياج دائم للقوى الخارجية.
ولهذا فإن ما ينهار اليوم في مالي ليس مجرد جيش أو حكومة عميلة، وإنما ينهار معه نموذج كامل من الوصاية الغربية التي حكمت الساحل لعقود طويلة.
بقلم: أبو الليث الصومالي