اليمن أمام منعطف خطير: ترامب يتراجع عن ضربات أميركية والحوثيون يوسّعون مكاسبهم

دخل التصعيد في اليمن مرحلة جديدة، مع تصاعد العمليات العسكرية السعودية وتوسع مكاسب الحوثيين المدعومين من إيران على الأرض، بالتزامن مع تقرير أفاد بأن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمر وزارة الدفاع الأميركية بالاستعداد لتنفيذ ضربات في اليمن، قبل أن يتراجع عن القرار في اللحظة الأخيرة.

وبحسب تقرير نشرته نيويورك تايمز، جاء توجيه ترامب بالاستعداد للعمل العسكري عقب اتصال مع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي طلب من واشنطن دعم الرياض في مواجهة التقدم الميداني السريع للحوثيين. ووفق الرواية نفسها، كانت القوات الأميركية قد حددت أهدافًا وجرى تجهيز طائرات بالقنابل، قبل أن يصدر ترامب توجيهًا بتأجيل الضربات.

ولا يعني هذا التراجع خروج الولايات المتحدة من المشهد اليمني؛ إذ تشير التقارير إلى استمرار تقديم واشنطن معلومات استخباراتية وبيانات استهداف للسعودية، فيما يوجد مستشارون عسكريون أميركيون في المملكة للمساعدة في الحملة الجوية. وفي المقابل، قال ترامب إن التواصل مع الحوثيين مستمر، وإن هناك تفاهمًا بينهم وبين واشنطن على عدم استهداف الولايات المتحدة، في وقت تحدثت فيه تقارير حديثة عن اتصالات بين مسؤولين أميركيين والحوثيين في مسقط.

تصعيد سعودي ومكاسب ميدانية للحوثيين

على الأرض، تتجه المعارك نحو مناطق أكثر حساسية. وقال المتحدث العسكري باسم الحوثيين إن أربع محافظات يمنية، هي الجوف وتعز وصعدة ومأرب، تعرضت لما وصفه بـ”تصعيد كبير”، متحدثًا عن 157 غارة وضربة صاروخية خلال فترة التصعيد الأخيرة، بينما أفادت مصادر مرتبطة بالحوثيين بمقتل مدني في تعز.

وفي الوقت نفسه، تدور معارك حول جبال كهبوب في محافظتي تعز ولحج، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية لكونها تفصل الساحل الغربي للبحر الأحمر عن مناطق أخرى تسيطر عليها القوات المدعومة من السعودية. وتقول رويترز إن الحوثيين حققوا منذ الثالث من سبتمبر تقدمًا سريعًا على الساحل الغربي ووصلوا إلى مواقع قريبة من مضيق باب المندب.

وتكتسب هذه التطورات أهمية تتجاوز الجغرافيا اليمنية؛ فباب المندب يمثل أحد أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن، وأي اتساع للقتال حوله يرفع مخاطر اضطراب حركة التجارة والطاقة.

واشنطن بين دعم السعودية وتجنب حرب جديدة

التردد الأميركي في تنفيذ الضربات المباشرة يعكس تعقيد الحسابات المحيطة بالحرب. فمن جهة، تتعرض السعودية لهجمات صاروخية وطائرات مسيّرة من الحوثيين، ومن جهة أخرى تبدو الإدارة الأميركية حريصة على تجنب فتح جبهة عسكرية أميركية مباشرة جديدة في اليمن.

وتزامن ذلك مع تحركات دولية لمساندة السعودية دفاعيًا؛ فقد أعلنت بريطانيا في 21 سبتمبر موافقتها على تقديم دعم جوي دفاعي للتزود بالوقود لصالح السعودية، عبر طائرة واحدة من طراز “فوييجر” لفترة محدودة، في أعقاب طلب سعودي رسمي.

كما أن التصعيد لا يقتصر على اليمن والسعودية؛ إذ جاء وسط أزمة إقليمية أوسع، فيما بات أمن مضيقي باب المندب وهرمز موضع اهتمام دولي متزايد بسبب تأثيرهما المباشر في حركة النفط والتجارة العالمية. وفي 22 سبتمبر، شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وولي العهد السعودي على أهمية ضمان المرور البحري الآمن وغير المعوق عبر المضيقين.

الكلفة الإنسانية تتسع

لكن التطور الأكثر إلحاحًا بالنسبة للسكان اليمنيين هو اتساع موجة النزوح.

وقالت الأمم المتحدة إن مكتب مفوضية حقوق الإنسان وثّق 110 ضحايا مدنيين منذ تصاعد الأعمال القتالية، بينهم 28 قتيلًا، مشيرة إلى أن الرقم لا يمثل بالضرورة الحصيلة الكاملة بسبب صعوبة الوصول والتحقق من المعلومات.

أما منظمة الهجرة الدولية، فقد سجلت حتى 20 سبتمبر نحو 128,382 نازحًا نتيجة التصعيد منذ الأول من أغسطس، فيما بلغ العدد التراكمي منذ بدء التصعيد في يونيو نحو 129,438 شخصًا وفق بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة. وتتركز أعداد كبيرة من النازحين في محافظتي تعز ولحج.

ولم يبق النزوح داخل اليمن وحده؛ فقد عبر أكثر من 3,000 شخص البحر إلى جيبوتي، وسط تحذيرات أممية من إمكانية ارتفاع أعداد الفارين إذا استمرت المعارك. وأفادت رويترز في 22 سبتمبر بأن أكثر من 130 ألف شخص نزحوا بالفعل خلال الشهر، مع توقعات بنزوح أعداد إضافية خلال الأشهر المقبلة إذا استمر التصعيد.

باب المندب في قلب المعادلة

المعادلة اليمنية الجديدة ترتبط بصورة متزايدة بموقع البلاد على أحد أهم طرق الملاحة العالمية. فسيطرة الحوثيين على أجزاء واسعة من الساحل الغربي واقتراب القتال من المناطق المطلة على باب المندب يضيف بُعدًا دوليًا إلى الصراع.

وقد أظهرت الهجمات الأخيرة على السعودية أن المواجهة لم تعد محصورة داخل الأراضي اليمنية. ففي 19 سبتمبر، أعلنت السعودية اعتراض صاروخ باليستي أطلق باتجاه الرياض، بينما قال الحوثيون إنهم استهدفوا مواقع وصفوها بالحساسة داخل العاصمة السعودية ومنشأة تابعة لأرامكو في ينبع.

وفي ظل هذه التطورات، تبدو المنطقة أمام معادلة شديدة الحساسية: استمرار التقدم الميداني للحوثيين قد يدفع السعودية إلى تكثيف عملياتها، بينما قد يؤدي أي تدخل أميركي مباشر إلى توسيع دائرة المواجهة، في حين أن اتساع العمليات حول الساحل الغربي وباب المندب يحمل مخاطر على الملاحة والطاقة، فضلًا عن تفاقم الأزمة الإنسانية.

وهكذا، فإن قرار واشنطن بالتراجع عن الضربات المباشرة لا يعني انتهاء خطر التصعيد، بل يعكس مرحلة من إعادة حساب الخيارات. فالحرب تتسع على الأرض، والنزوح يتزايد، والممرات البحرية الحيوية تدخل بصورة أكبر في الحسابات العسكرية والسياسية، بينما يبقى المدنيون اليمنيون في قلب الكلفة المتصاعدة للصراع.