تحالف جديد في إثيوبيا.. سبع قوى تعلن جبهة مشتركة ضد حكومة أبي أحمد
دخل المشهد السياسي والأمني في إثيوبيا مرحلة جديدة، مع إعلان سبع قوى معارضة ومسلحة تشكيل تحالف مشترك يهدف إلى إزاحة حكومة رئيس الوزراء أبي أحمد وفتح الطريق أمام إدارة انتقالية. ويجمع التحالف قوى تنتمي إلى مناطق ومكونات مختلفة من البلاد، في خطوة قد تعيد رسم خريطة المعارضة الإثيوبية بعد سنوات من الصراعات الداخلية.
ويضم التحالف الجديد حركة فانو الوطنية الأمهرية، جبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF)، جيش تحرير أورومو (OLA)، جبهة تحرير أوغادين الوطنية (ONLF)، جبهة عفار الثورية الديمقراطية للوحدة (ARDUF)، حركة تحرير شعب بني شنقول، وحركة شعب غوموز الديمقراطية. وأُعلن عن التحالف تحت اسم يشير إلى «التعاون من أجل البقاء»، فيما عُرف أيضًا باسم تحالف البقاء.
وبحسب ما نقلته وكالة فرانس برس عن نائب رئيس جبهة تحرير شعب تيغراي، أمانويل أسفا، فإن الهدف المعلن للتحالف هو إزالة الحكومة الحالية وتسهيل تشكيل حكومة انتقالية. وقال إن الأطراف المنضوية فيه أجرت اتصالات على مدى أكثر من عام قبل الإعلان عن التحالف.
خصوم الأمس يجتمعون ضد المركز
أبرز ما يلفت في التشكيلة الجديدة هو أنها تجمع قوى كانت لها مسارات وخلافات مختلفة، بل إن بعضها ارتبط بصراعات حادة مع أطراف أخرى داخل التحالف.
فجبهة تحرير شعب تيغراي كانت القوة السياسية والعسكرية الرئيسية في إقليم تيغراي قبل اندلاع الحرب مع الحكومة الفيدرالية عام 2020، بينما تخوض فانو منذ 2023 مواجهة مسلحة مع الحكومة في إقليم أمهرة. أما جيش تحرير أورومو، فيرتبط بتمرد مستمر في أوروميا، أكبر أقاليم إثيوبيا من حيث عدد السكان. وتشير دراسة لمعهد العلاقات الدولية الفرنسي إلى استمرار الصراعات المسلحة في أمهرة وأوروميا، إلى جانب حالة من التجزؤ السياسي والأمني في تيغراي.
ومن هنا تبرز دلالة التحالف: فالقوى التي كانت تتحرك في ساحات إقليمية مختلفة تحاول الآن صياغة إطار سياسي مشترك على المستوى الوطني.
أزمة تتجاوز الخلاف السياسي
في بيان التأسيس، قدمت القوى السبع صورة قاتمة للوضع الداخلي، متحدثة عن أزمة سياسية وأمنية واقتصادية عميقة. لكن أهمية الإعلان لا ترتبط بالبيان وحده؛ فإثيوبيا تواجه بالفعل نزاعات مسلحة في عدة مناطق، فيما لا تزال تداعيات الحرب التي اندلعت في تيغراي حاضرة في المشهد السياسي والأمني.
وتزداد حساسية الوضع في الشمال تحديدًا. فقد أفادت تقارير حديثة بأن الحكومة الفيدرالية وجبهة تحرير شعب تيغراي حشدتا قوات قرب حدود الإقليم خلال الأشهر الأخيرة، وهو ما أثار مخاوف من عودة القتال الواسع الذي خلّف، وفق تقديرات أوردتها فرانس برس نقلًا عن مصادر أممية وأفريقية، مئات الآلاف من القتلى.
من تحالفات متفرقة إلى مشروع سياسي؟
السؤال الأهم الذي يطرحه الإعلان ليس فقط قدرة القوى السبع على التنسيق، وإنما هل تستطيع تحويل تحالفها من تجمع لقوى معارضة مختلفة إلى مشروع سياسي وطني قادر على تقديم بديل للحكومة الفيدرالية؟
فالقوى المنضوية تحت التحالف لا تتحرك وفق رؤية سياسية واحدة بالضرورة، كما أن لها قواعد اجتماعية ومطالب إقليمية مختلفة. ولذلك فإن الاتفاق على معارضة حكومة أبي أحمد لا يعني تلقائيًا الاتفاق على شكل الدولة الإثيوبية أو طبيعة النظام السياسي الذي سيأتي بعدها.
وهذه النقطة تبدو مهمة خصوصًا أن الإعلان يتحدث عن مرحلة انتقالية، بينما لم تتضح بعد بصورة كاملة تفاصيل آلياتها أو شكل المؤسسات التي ستدير البلاد خلالها. وتفيد تقارير محلية بأن بعض الأطراف تنظر إلى التحالف باعتباره إطارًا لفتح المجال السياسي، وليس بالضرورة قيادة عسكرية موحدة لجميع أعضائه.
تيغراي في قلب المعادلة مجددًا
تمنح مشاركة جبهة تحرير شعب تيغراي للتحالف وزنًا سياسيًا خاصًا، في ظل تاريخ الجبهة الطويل داخل الدولة الإثيوبية، والحرب التي انتهت باتفاق بريتوريا للسلام عام 2022.
لكن الوضع في تيغراي نفسه لا يخلو من الانقسامات. فقد شهد الإقليم خلال 2026 تجاذبات بين الحكومة الفيدرالية وقيادة الجبهة، إلى جانب خلافات حول الإدارة الإقليمية وتنفيذ اتفاق السلام. وفي سبتمبر/أيلول الجاري، تحدث رئيس الجبهة ديبريسيون غبرميكائيل عن تحول التحالفات التي تضم قوى تيغراية وغيرها إلى ترتيبات أكثر رسوخًا، في وقت أكدت الجبهة في تصريحات أخرى تمسكها بالحوار مع الحكومة الفيدرالية.
اختبار صعب لحكومة أبي أحمد
بالنسبة إلى الحكومة الفيدرالية، يعني ظهور إطار يجمع قوى من تيغراي وأمهرة وأوروميا ومناطق أخرى أن المعارضة لم تعد محصورة في نزاع إقليمي واحد.
وفي المقابل، فإن مجرد تشكيل تحالف لا يعني تلقائيًا تغير ميزان القوى داخل البلاد. فنجاحه السياسي سيتوقف على قدرته على الحفاظ على تماسك أعضائه، وصياغة برنامج مشترك، والتعامل مع اختلاف أجنداتهم المحلية، فضلًا عن موقف المجتمع الدولي والدول المجاورة.
وكان أبي أحمد قد وصف في تصريحات سابقة التحالفات بين جماعات مسلحة معارضة بأنها تعكس، من وجهة نظر حكومته، ضعف هذه الجماعات وعدم قدرتها على مواجهة الدولة منفردة، وهي قراءة تختلف بطبيعة الحال عن الرواية التي تقدمها القوى المعارضة عن دوافع تحالفها.
إثيوبيا أمام مرحلة أكثر تعقيدًا
إعلان «تحالف البقاء» يضيف طبقة جديدة إلى أزمة سياسية وأمنية معقدة أصلًا. فبدل أن تبقى النزاعات موزعة بين أقاليم منفصلة، ظهرت محاولة لجمع عدد من القوى تحت مظلة واحدة وبخطاب يتجاوز المطالب المحلية نحو تغيير السلطة في أديس أبابا وتشكيل مرحلة انتقالية.
لكن بين الإعلان والقدرة على ترجمة هذا المشروع إلى واقع سياسي مسافة كبيرة. وستكون قدرة التحالف على تجاوز الخلافات التاريخية بين مكوناته، وتقديم رؤية مشتركة لمستقبل الدولة الإثيوبية، من أبرز الاختبارات التي ستحدد ما إذا كان الإعلان سيبقى إطارًا سياسيًا عابرًا أم يتحول إلى عامل رئيسي في إعادة تشكيل المشهد الإثيوبي.
وفي بلد يضم أكثر من مئة مليون نسمة، وتتشابك أزماته الداخلية مع حسابات إريتريا والسودان والقرن الإفريقي، فإن تطور هذا التحالف لا يهم إثيوبيا وحدها؛ بل قد تكون له انعكاسات أوسع على توازنات القرن الإفريقي وأمن المنطقة.