تحالف لإسقاط آبي أحمد يوسّع القتال شمال إثيوبيا.. معارك في عفر وأمهرة تهدد شريان الإمداد مع جيبوتي

تتسع رقعة المعارك في شمال إثيوبيا بين القوات الفيدرالية وجماعات مسلحة انضوت في تحالف معارض يسعى إلى إطاحة حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد، مع احتدام المواجهات في تيغراي وأمهرة وعفر، وتزايد المخاوف على طرق الإمداد التي تربط البلاد بجيبوتي.

ويضع القتال على جبهات متعددة الحكومة الإثيوبية أمام ضغوط عسكرية واقتصادية متزامنة، فيما تتعطل خدمات الاتصالات وتتوقف رحلات جوية في مناطق النزاع، وتتصاعد التحذيرات من اتساع الحرب وانعكاساتها على دول الجوار، خصوصًا إريتريا.

وتشير التحركات المنقولة عن الجماعات المعارضة إلى محاولة تهديد الطريق الرئيسي بين أديس أبابا وجيبوتي، بهدف إضعاف قدرة الحكومة على تأمين الإمدادات.

جبهتان رئيسيتان وهجمات متزامنة

تتركز المواجهات في محورين رئيسيين؛ الأول في إقليم أمهرة قرب الحدود مع جنوب تيغراي، حيث شنّت قوات تيغراي ومقاتلو «فانو»، الأربعاء 23 سبتمبر/أيلول، هجومًا بريًا على القوات الفيدرالية.

أما المحور الثاني فيمتد على الحدود بين تيغراي وإقليم عفر شرقًا. وبحسب المعلومات الواردة، هاجمت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، في اليوم نفسه، جماعة مسلحة تيغرانية موالية للحكومة الفيدرالية ومعارضة للجبهة.

وزاد المشهد تعقيدًا انضمام جماعة مسلحة عفرية مناوئة للحكومة إلى المواجهات، ومساندتها قوات تيغراي في موقعين على الحدود بين الإقليمين.

وتبدو الهجمات المتزامنة من اتجاهات عدة محاولة مبكرة لتحويل التحالف السياسي الجديد إلى تنسيق عسكري ميداني ضد الحكومة الفيدرالية. وكانت رويترز قد أفادت، الأربعاء، بأن قوات تيغراي تقاتل إلى جانب «فانو» في أمهرة وجماعة مسلحة محلية في عفر.

أبالا بين روايات التراجع والسيطرة

شهد محيط مدينة أبالا، الواقعة في المنطقة الجبلية المحاذية لتيغراي داخل إقليم عفر، معارك عنيفة خلال ساعات الليل.

ونقلت فرانس برس عن مصدر إنساني في المنطقة أن القوات الفيدرالية تصدت لمحاولة قوات تيغراي دخول المدينة، مستخدمة طائرة مسيّرة لدعم عملياتها. وبحسب توقيت تقرير الوكالة المنشور الجمعة 25 سبتمبر/أيلول، وقعت تلك المعارك ليلة الخميس إلى الجمعة.

وامتدت المواجهات إلى منطقة شمال وولو في أمهرة، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة الخميس، شملت مناطق قريبة من لاليبيلا، المشهورة بكنائسها التاريخية الكبيرة المنحوتة في الصخر.

شهادة ميدانية عن ثلاث جبهات وتعبئة في سمرا

نقل الصحفي محمد طه، الموجود على جبهة القتال، أن معارك عنيفة اندلعت صباحًا على ثلاث جبهات، واستمرت حتى وقت إفادته.

وعرض الصحفي مشاهد قال إنها تُظهر آلاف الجنود الإثيوبيين في طريقهم إلى مواقع القتال، إلى جانب جنود يفرّون من الجبهات.

وأضاف أن مدينة سمرا، عاصمة إقليم عفر، تعيش أجواء حرب وتعبئة عسكرية، واتهم الإدارة المحلية الموالية لآبي أحمد بإجبار شبان على الالتحاق بالقتال والدفاع عن مناطق الإقليم.

لماذا تركز المعارضة على عفر وطريق جيبوتي؟

يكتسب إقليم عفر أهمية استراتيجية بسبب مرور طرق رئيسية عبره تربط إثيوبيا بجيبوتي، وتؤمّن جانبًا أساسيًا من حركة التجارة والإمدادات إلى الدولة التي لا تملك منفذًا بحريًا.

وتركز الجماعات المعارضة على عفر باعتباره محاولة لقطع شريان اقتصادي رئيسي، وتعطيل وصول الإمدادات التي تعتمد عليها الحكومة الإثيوبية.

وبحسب التحليلات عن فرانس برس، تبدو الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وكأنها تعيد استخدام استراتيجية اتبعتها خلال حرب 2020–2022، عبر التقدم جنوبًا داخل أمهرة باتجاه العاصمة أديس أبابا، بالتوازي مع شن هجمات في عفر لتهديد الإمدادات القادمة من جيبوتي.

وتمر عبر جيبوتي الغالبية الساحقة من شحنات التجارة الدولية الإثيوبية، بما فيها الوقود، ما يجعل أي تعطيل لهذا الممر مصدر ضغط يتجاوز الجبهات العسكرية إلى الاقتصاد والخدمات الأساسية.

ورجّح المحلل إدوارد باخ، المختص في إحدى شركات الاستشارات، أن يحاول التحالف السيطرة على بلدات تقع بمحاذاة طرق البنية التحتية الحيوية، لإضعاف قدرة الحكومة الفيدرالية على تأمين الإمدادات.

تنبيه أمريكي للرعايا

من جهتها، أصدرت السفارة الأمريكية في أديس أبابا، الجمعة 25 سبتمبر/أيلول، تحذيرًا أمنيًا بشأن أقاليم أمهرة وتيغراي وعفر، في ظل تقارير عن قتال قرب لاليبيلا.

وبحسب التفاصيل، دعت السفارة المواطنين الأمريكيين الموجودين في شمال إثيوبيا إلى مغادرة المناطق المتأثرة أو البقاء في أماكن إقامتهم إلى حين تحسن الظروف، وحذّرت من السفر إلى الأقاليم الثلاثة.

كما أشارت إلى أن السفارة أبلغت عن تعليق رحلات الخطوط الجوية الإثيوبية إلى لاليبيلا، وانقطاع خدمات الإنترنت والهاتف في تيغراي.

قطع الاتصالات.. اتهامات للجبهة ونفي من مصدر قريب منها

تزامن التصعيد العسكري مع اضطراب خدمات الهاتف والإنترنت في تيغراي، وسط خلاف بشأن الجهة المسؤولة عن تعطيلها.

ونقلت رويترز أن أربعة أشخاص مطلعين، بينهم مصدر دبلوماسي، قالوا إن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي أمرت شركتي «سفاريكوم» الخاصة و«إثيو تيليكوم» الحكومية بإيقاف خدمات الهاتف والإنترنت في الإقليم.

وكان أحد المصادر قد رجّح أن تكون القيود على الاتصالات المحمولة جزءًا من استراتيجية للحد من تفوق القوات الحكومية في استخدام الطائرات المسيّرة، من خلال تقييد الوصول إلى شبكة الهاتف المحمول.

ولم ترد الجبهة على طلب رويترز التعليق. غير أن مصدرًا قريبًا منها، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، نفى مسؤوليتها عن قطع الخدمات، وحمّل حكومة آبي أحمد المسؤولية.

كذلك لم يستجب المتحدثون باسم مكتب رئيس الوزراء و«إثيو تيليكوم» وفرع «سفاريكوم» في إثيوبيا لطلبات الوكالة الحصول على تعليق.

وقال سكان في تيغراي إن خدمات «إثيو تيليكوم» توقفت في وقت متأخر من الخميس، ما عطّل خدمات أساسية، من بينها التحويلات المالية عبر الهاتف.

وأظهر تقرير رويترز أن الاتصال بأرقام الشركة الحكومية تعذّر الجمعة، بينما ظلت اتصالات محدودة متاحة لمشتركي «سفاريكوم»؛ لذلك لا يمكن وصف الوضع بأنه انقطاع كامل لدى جميع المشغلين.

مخاوف من دخول إريتريا واتّهامات بدعم التحالف

يحمل اتساع القتال مخاطر إقليمية، إذ نقلت فرانس برس أن الحرب قد تستدرج إريتريا إلى تدخل مباشر، على خلفية مخاوف أسمرة من أن تسعى إثيوبيا إلى مهاجمة موانئها للحصول على منفذ إلى البحر.

وفي المقابل، ذكرت مجموعة الأزمات الدولية أن أديس أبابا تتهم أسمرة بأداء دور محوري في تنسيق التحالف المعارض للحكومة الإثيوبية.

وقالت المتحدثة باسم آبي أحمد، بيلين سيوم، لرويترز، الاثنين، إن الجماعات المنضوية في التحالف تتعاون منذ فترة بدعم مالي من إريتريا. وتنفي الحكومة الإريترية مرارًا دعم الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا.

وتأتي هذه الاتهامات في ظل تدهور العلاقات بين البلدين، بعدما قاتلت قواتهما جنبًا إلى جنب ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي خلال الحرب السابقة.

اتفاق بريتوريا.. ملفات عالقة قادت إلى التصعيد

كانت الحرب السابقة قد توقفت بعد توقيع الحكومة الفيدرالية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي اتفاقًا في بريتوريا بجنوب أفريقيا، في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، بوساطة الاتحاد الأفريقي.

ونص الاتفاق على نزع سلاح قوات تيغراي وعودة السلطة الفيدرالية إلى الإقليم، إلى جانب استئناف المساعدات الإنسانية والخدمات الأساسية. وشُكّلت لاحقًا إدارة مؤقتة لتسيير شؤون الإقليم إلى حين إجراء انتخابات.

لكن خلافات جوهرية بقيت عالقة، أبرزها الأراضي التي يطالب بها كل من تيغراي وأمهرة، وآليات إعادة النازحين إلى مناطقهم. كما لم تكن إريتريا، التي شاركت قواتها في الحرب إلى جانب الجيش الفيدرالي، طرفًا في الاتفاق.

وقال الباحث الإثيوبي المتخصص في الشؤون الجيوسياسية، سورافيل غيتاهون، لشبكة «سي إن إن»، إن الاتفاق لم ينهَر بين ليلة وضحاها، بل جرى إفراغه تدريجيًا من مضمونه خلال ثلاث سنوات.

وحمّل غيتاهون الطرفين مسؤولية تقويضه؛ فاتهم الحكومة الفيدرالية بعدم تنفيذ بنود أساسية، والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بخرقه عبر استعادة السيطرة على إدارة الإقليم وإعادة بناء قواتها العسكرية.

صراع داخل جبهة تيغراي أضعف مسار السلام

إلى جانب الخلاف مع الحكومة الفيدرالية، شهدت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي صراعًا داخليًا على السلطة، أسهم في إضعاف مسار السلام.

وتشكّل جناحان متنافسان؛ أحدهما بقيادة رئيس الجبهة ديبريتسيون غبريميكائيل، والآخر مرتبط بغيتاتشو ريدا، الذي ترأس الإدارة المؤقتة لتيغراي، وكان من كبار قادة الجبهة.

وطرد جناح غبريميكائيل غيتاتشو ريدا من الحزب، فيما عيّن آبي أحمد رئيسًا جديدًا للإدارة المؤقتة في أبريل/نيسان 2025.

وبحسب تقرير «سي إن إن»، استعاد جناح غبريميكائيل السيطرة على إدارة تيغراي بعد شهر، وأعاد البرلمان الإقليمي الذي كان قائمًا قبل الحرب، ونصّب غبريميكائيل رئيسًا للإقليم.

سبع جماعات لإسقاط الحكومة.. وخصوم الأمس في صف واحد

أعلنت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، الأحد 20 سبتمبر/أيلول، انضمامها إلى ست جماعات مسلحة أخرى لتشكيل تحالف يسعى إلى إسقاط حكومة آبي أحمد وإقامة إدارة انتقالية.

ويجمع التحالف أطرافًا كانت في معسكرات متقابلة خلال الحرب السابقة، ما يمثل تحولًا لافتًا في اصطفافات الصراع الإثيوبي.

وقال المتحدث باسم الجبهة، مايكل أسغيدوم، لوكالة أسوشيتد برس، إن الجماعات ستتعاون سياسيًا وعسكريًا. وعندما سُئل عما إذا كان الانضمام إلى التحالف يخالف اتفاق بريتوريا، اعتبر أن الاتفاق لم يعد ساريًا، في تعبير عن موقف الجبهة منه.

وكانت حركة «فانو» الأمهرية قد قاتلت إلى جانب الحكومة الفيدرالية ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي خلال حرب 2020–2022، قبل أن تدخل في مواجهة مع الحكومة عام 2023.

ويضم التحالف أيضًا جيش تحرير أورومو، الذي يخوض صراعًا طويلًا مع حكومة آبي أحمد، إلى جانب جماعات مسلحة أخرى تسعى إلى تغيير السلطة الفيدرالية.

هل يصمد التحالف أمام خلافات أعضائه؟

رغم اتفاق الجماعات على مواجهة حكومة آبي أحمد، تبقى قدرتها على الحفاظ على التحالف موضع شك، في ظل خلافات لم تُحل بشأن الأراضي وشكل الترتيبات السياسية المستقبلية.

وأشار غيتاهون إلى استمرار النزاع بين الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي و«فانو» بشأن مناطق متنازع عليها، خصوصًا غرب تيغراي، فضلًا عن اختلاف الأهداف السياسية والعسكرية بين مكونات التحالف.

واعتبر أن ما يجمع هذه الجماعات هو تقاطع مؤقت للمصالح في مواجهة خصم مشترك، أكثر من كونه اتفاقًا سياسيًا قابلًا للاستمرار على المدى الطويل.