ضربة دولو والنفوذ التركي في الصومال: من الدبلوماسية الإنسانية إلى هندسة النفوذ الاستراتيجي

أعادت الضربة الجوية المبلغ عنها في مدينة دولو بإقليم غدو، والتي استهدفت منزل القائد السابق لقوات السجون الصومالية اللواء مهَد عبد الرحمن شُب، طرح سؤال أكبر بكثير من ملابسات الحادث نفسه: إلى أي مدى وصل النفوذ التركي داخل الصومال، ومتى يتحول التعاون الأمني مع أنقرة من شراكة عسكرية إلى نفوذ قادر على التأثير في موازين القوة داخل البلاد؟

وبحسب التقارير المحلية، نُسبت الضربة من جانب أطراف سياسية صومالية ومصادر محلية إلى طائرات مسيّرة تركية الصنع أو مشغّلة بدعم تركي، وسط حديث عن استخدام طائرات Bayraktar Akıncı التي تسلمت الصومال اثنتين منها في مارس/آذار 2025. إلا أن الحكومة الفيدرالية الصومالية نفت مسؤوليتها عن الضربة، كما لم تكن أنقرة أو الحكومة الفيدرالية قد أعلنتا بصورة علنية مسؤولية محددة عن العملية وقت نشر التقرير. وتشير التقارير الواردة في المصدر إلى أن اللواء شُب نجا بإصابات طفيفة، فيما أصيب أربعة مدنيين، بينهم زوجته.

وهنا تكمن أهمية الحادثة: المسألة لا تتعلق فقط بمن نفذ الضربة، وإنما بمن يمتلك القدرة على استخدام القوة، ومن يملك القرار النهائي بشأن استخدامها، وتحت أي سلطة قانونية وسياسية.

تركيا في الصومال.. علاقة بدأت بالإنسانية وانتهت إلى الأمن والبحر

لم يبدأ الحضور التركي في الصومال من بوابة القوة العسكرية.

فقد شكلت المساعدات الإنسانية والتنموية نقطة الانطلاق الأبرز للعلاقة الحديثة بين البلدين، خصوصًا بعد زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مقديشو عام 2011، في ذروة المجاعة التي كانت تضرب الصومال.

ومنذ ذلك الحين، توسعت العلاقة بصورة لافتة، لتشمل البنية التحتية والتعليم والطيران والمصارف والتجارة والطاقة، إلى جانب التعاون العسكري والأمني.

المساعدات الإنسانية والتنموية التركية للصومال تجاوزت مليار دولار، بينما أصبحت أنقرة لاعبًا حاضرًا في قطاعات متعددة داخل الدولة الصومالية.

لكن نقطة التحول الأساسية كانت في المجال العسكري.

ففي عام 2017 بدأ تشغيل قاعدة TURKSOM في مقديشو، التي أصبحت مركزًا رئيسيًا لتدريب القوات الصومالية، حيث تم تدريب أكثر من خمسة آلاف عنصر أمني صومالي فيها.

وهكذا انتقلت العلاقة تدريجيًا من نموذج المساعدات إلى نموذج أكثر تعقيدًا يجمع بين التدريب العسكري والاستثمار والبنية التحتية والنفوذ السياسي والتعاون البحري والطاقة.

وهذا ما يجعل الحضور التركي أقرب إلى بنية استراتيجية متكاملة، وليس مجرد مجموعة من المشاريع المنفصلة.

لماذا الصومال مهم لأنقرة؟

الإجابة لا توجد في مقديشو وحدها، بل في الخريطة.

يمتلك الصومال أحد أطول السواحل في أفريقيا، ويطل على خليج عدن والمحيط الهندي، ويقع بالقرب من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر.

ولهذا فإن قيمة الصومال لا تقتصر على سوقه المحلية أو احتياجاته التنموية.

إنه يقع في منطقة تتقاطع فيها الموانئ، وخطوط التجارة، والطاقة، والممرات البحرية، والأمن، والاستثمارات الدولية.

ومن هذه الزاوية، فإن التعاون التركي مع الصومال يمنح أنقرة موطئ قدم في منطقة استراتيجية تربط شرق أفريقيا بالبحر الأحمر والمحيط الهندي.

والأمر لا يتوقف عند الصومال؛ فتركيا وسعت حضورها ونشاطها في عدد من المناطق ذات الأهمية الجيوسياسية، من القرن الأفريقي إلى الخليج وليبيا وشرق المتوسط.

لذلك فإن فهم السياسة التركية في الصومال يتطلب النظر إليها ضمن استراتيجية أوسع لزيادة النفوذ الإقليمي والدولي لأنقرة.

من التعاون العسكري إلى القوة البحرية

أحد أهم التحولات في العلاقة التركية الصومالية هو الانتقال التدريجي من التدريب العسكري التقليدي إلى المجال البحري.

فالتعاون لم يعد يقتصر على بناء قدرات القوات البرية، بل امتد إلى الأمن البحري وتطوير القدرات البحرية الصومالية وحماية المياه الإقليمية، بالتوازي مع مصالح مرتبطة بالطاقة والاستكشاف البحري.

وهنا تتشابك المصالح. فحماية الملاحة البحرية تخدم الاقتصاد، وحماية الاستثمارات تزيد الحاجة إلى الأمن، والطاقة البحرية ترفع قيمة الساحل، بينما تمنح القدرات العسكرية تركيا حضورًا أكبر في المنطقة.

وبالتالي يصبح التعاون الأمني جزءًا من شبكة اقتصادية وجيوسياسية أوسع.

هل تساعد تركيا الصومال أم تبني نفوذها؟

هذا السؤال لا ينبغي التعامل معه بمنطق «إما هذا أو ذاك».

فمن الواضح أن الصومال استفاد من التعاون التركي في عدد من المجالات.

المستشفيات والمشاريع التنموية تخدم المجتمع، والتدريب العسكري يرفع قدرات المؤسسات الأمنية، والاستثمارات يمكن أن توفر فرصًا اقتصادية، والتعاون في الطيران والبنية التحتية يعزز الاتصال بالعالم الخارجي.

لكن استفادة الصومال من مشروع ما لا تعني بالضرورة أن الدافع التركي وراء المشروع خالٍ من المصالح.

الدول تتحرك وفق حساباتها الاستراتيجية، وتركيا ليست استثناءً. فأنقرة لديها مصالح في النفوذ الجيوسياسي، والأمن، والاستثمارات، والوصول المؤسسي، والتجارة، والمجال البحري، وتعزيز موقعها كقوة إقليمية.

ولهذا فإن السؤال الأكثر واقعية ليس: هل تركيا صديقة للصومال أم لا؟ بل: هل تتطور العلاقة باعتبارها شراكة متوازنة، أم أن الصومال يتجه تدريجيًا نحو الاعتماد على طرف خارجي في قطاعات استراتيجية؟

المشكلة ليست في الطائرة المسيّرة وحدها

حادثة دولو تفتح نقاشًا أوسع حول طبيعة الاعتماد العسكري.

فامتلاك طائرة مسيّرة متقدمة لا يعني امتلاك القدرة الكاملة على تشغيلها بصورة مستقلة.

القدرات العسكرية الحديثة تعتمد على منظومة واسعة تشمل الاستخبارات والمراقبة والاتصالات والتدريب والصيانة واللوجستيات والاستهداف والقيادة والسيطرة.

ومن ثم فإن مسألة السيادة لا تتعلق فقط بمن يمتلك الطائرة. بل بالسؤال الأهم: من يملك منظومة القرار المحيطة بها؟ من يحدد الهدف؟ من يتحقق من المعلومات؟ من يأذن بالعملية؟ من يضع قواعد الاشتباك؟ من يراجع النتائج؟ ومن يتحمل المسؤولية القانونية والسياسية إذا أصيب مدنيون؟

هذه الأسئلة هي جوهر ما يمكن تسميته «سؤال أقينجي» في الحالة الصومالية: ليس من صنع الطائرة، وإنما من يسيطر على القدرة التي تمنحها الطائرة؟

دولو.. عندما يلتقي النفوذ الخارجي بالصراع الداخلي

تكمن حساسية حادثة دولو في أنها جاءت في بيئة سياسية صومالية شديدة التعقيد.

فالعلاقة بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات شهدت خلال السنوات الماضية خلافات متكررة حول الصلاحيات الدستورية والانتخابات والأمن والموارد والعلاقات الخارجية.

وفي إقليم غدو، تداخلت هذه الخلافات مع التنافس بين مقديشو وجوبالاند. ووفق المصدر، اتهمت سلطات جوبالاند الحكومة الفيدرالية وشركاءها الخارجيين بالانحياز في الأزمة السياسية القائمة.

وهنا يصبح استخدام القدرات العسكرية الأجنبية في بيئة سياسية داخلية مسألة شديدة الحساسية.

فاستخدام القوة ضد أطراف سياسية أو عسكرية مرتبطة بنزاع داخلي شيء يدعو للتفكر في عقلية العصابات التي تتعامل بها هذه الحكومات، فلم تعد شماعة حركة الشباب المجاهدين السبب الوحيد للقصف وتصفية من يختلف معهم.

وحين يثبت أن قدرات مدعومة أو مزودة من الخارج استُخدمت في صراع سياسي داخلي، فإن القضية لن تعود مجرد ملف أمني، بل ستصبح قضية تتعلق بقانون الغاب الذي يحكم هؤلاء.

لماذا تدخل أرض الصومال في الحسابات؟

لا يمكن فصل التحليل عن أرض الصومال وميناء بربرة. فموقع بربرة على خليج عدن، وقربه من باب المندب، يجعله جزءًا من المنافسة المتزايدة على الموانئ والممرات البحرية واللوجستيات في القرن الأفريقي.

ومع توسع العلاقات الخارجية لأرض الصومال، وخصوصًا بعد اعتراف الاحتلال الإسرائيلي بها في ديسمبر/كانون الأول 2025 وفق المصدر، تزداد أهمية المنطقة في الحسابات الإقليمية.

من منظور أنقرة، فإن ظهور شبكة إقليمية بديلة تضم موانئ وممرات واستثمارات وشراكات أمنية حول خليج عدن قد يؤثر في موقع تركيا التي بنت خلال سنوات شبكة واسعة من العلاقات والاستثمارات في الصومال. وهنا تظهر فكرة «قوة الممرات».

فالقوة الجيوسياسية الحديثة لا ترتبط فقط بامتلاك الأرض، بل بالقدرة على التأثير في الموانئ، وسلاسل الإمداد، وطرق التجارة، والطاقة، والبنية التحتية، والممرات البحرية.

والطرف الذي يستطيع ربط هذه العناصر ضمن شبكة واحدة يمتلك نفوذًا يتجاوز بكثير حجم اقتصاده أو قدرته العسكرية المباشرة.

الانتقادات: ماذا يمكن أن يخسره الصومال؟

رغم المكاسب الواضحة من الشراكة التركية، هناك مخاوف لا يمكن تجاهلها.

أولها خطر الاعتماد. فكلما أصبح الجيش أو القطاع البحري أو بعض القدرات التقنية يعتمد على دولة واحدة في التدريب والمعدات والصيانة والخبرات، أصبح من الصعب على الدولة المستفيدة اتخاذ قرارات مستقلة إذا تعارضت مصالحها مع مصالح الشريك.

وثانيها تداخل النفوذ الخارجي مع السياسة الداخلية. فالمساعدة العسكرية تصبح أكثر حساسية عندما تعمل داخل بيئة سياسية منقسمة.

أما الخطر الثالث فهو أن تتحول المؤسسات الصومالية من مستفيد من الخبرة الخارجية إلى مؤسسات يصعب عليها العمل بكفاءة دون استمرار الدعم الخارجي.

وهنا يظهر الفرق بين الشراكة والاعتماد: الشراكة تزيد قدرات الدولة وتحافظ على استقلال قرارها.

أما الاعتماد فيجعل استمرار بعض القدرات الحيوية مرتبطًا بجهة خارجية واحدة.

هل أصبحت تركيا تسيطر على الصومال؟

تركيا لا «تسيطر» على الصومال بالمعنى المباشر، كما أن كل مشروع تركي لا يمثل بالضرورة أداة إكراه أو نفوذ سياسي. لكن الصورة الأكثر دقة هي أن أنقرة أصبحت طرفًا خارجيًا ذا حضور مؤسسي واقتصادي وأمني واسع داخل الصومال.

وهذا النوع من الحضور يمنح الدولة الخارجية قدرة أكبر على التأثير في البيئة التي تُتخذ فيها القرارات.

وهنا تكمن المسألة الحقيقية:  حجم النفوذ مقارنة بقدرة الدولة على الحفاظ على استقلالها الاستراتيجي.  

تكشف حادثة دولو، بصرف النظر عن المسؤولية النهائية عنها، عن مرحلة جديدة في العلاقة بين تركيا والصومال. فالعلاقة التي بدأت بالمساعدات الإنسانية والتنمية أصبحت تشمل الجيش، والبنية التحتية، والاقتصاد، والطيران، والطاقة، والأمن البحري، والاستثمارات، والعلاقات السياسية.

وهذا يمنح الصومال فوائد حقيقية، لكنه يمنح تركيا أيضًا نفوذًا استراتيجيًا حقيقيًا. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل صناع القرار في مقديشو ليس ما إذا كانت تركيا «صديقة» أو «عدوة».

هذه الثنائية لا تكفي لفهم السياسة الدولية. السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا تريد تركيا من الصومال؟ ماذا يكسب الصومال من تركيا؟ وما الذي قد يصبح الصومال معتمدًا عليه في المستقبل؟

فكل اتفاق عسكري يبني علاقة مؤسسية. وكل مشروع بنية تحتية يصنع مصالح طويلة الأمد.

وكل شراكة أمنية توفر حماية، لكنها في الوقت نفسه قد تنتج نوعًا من الاعتماد.

في النهاية، لا تكمن قوة الدولة في عدد حلفائها فقط، بل في قدرتها على أن تقول «نعم» لشريك، و«لا» له عندما تتطلب مصلحتها الوطنية ذلك. وهذا هو الاختبار الحقيقي للسيادة الصومالية في عصر النفوذ التركي المتصاعد. وهو حقيقة ما عجزت عنه حكومة مقديشو المتعلقة بالدعم الأجنبي.