عودة القرصنة الصومالية إلى الواجهة.. الحرب على إيران تفتح نافذة جديدة أمام القراصنة وتهدد الملاحة الدولية
وفي تقرير نشرته شبكة CNN، الخميس 29 أكتوبر/تشرين الأول 2026، رصدت الشبكة عودة القراصنة الصوماليين إلى استهداف السفن التجارية وناقلات الوقود، سعياً للحصول على فديات مالية بملايين الدولارات، مستفيدين من انشغال القوات البحرية الأمريكية والدولية بتطورات الحرب في الخليج العربي والبحر الأحمر.
الحرب على إيران تعيد تشكيل المشهد البحري
بحسب التقرير، أسهمت الحرب على إيران في إيجاد ظروف أكثر ملاءمة لنشاط القرصنة الصومالية، بعدما اتجه جزء من الاهتمام والانتشار العسكري البحري الأمريكي نحو الخليج العربي ومضيق باب المندب، على حساب الوجود الأمني قبالة السواحل الصومالية.
كما أدت هجمات جماعة الحوثيين على حركة الملاحة إلى تغيير مسارات عدد من السفن التجارية، خصوصاً ناقلات النفط، الأمر الذي زاد من حركة السفن في مناطق بحرية قريبة من السواحل الصومالية، ورفع مستوى تعرض بعضها للمخاطر.
وتواجه شركات الشحن معادلة اقتصادية وأمنية صعبة؛ فالسفن الكبرى والشركات ذات الإمكانات المالية المرتفعة باتت تفضل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح لتجنب المخاطر، رغم ما يترتب على ذلك من زيادة في مدة الرحلات وتكاليف الوقود والتأمين. في المقابل، تواصل شركات أصغر استخدام المسارات البحرية الأكثر خطورة لتجنب النفقات الإضافية، ما يجعل سفنها أكثر عرضة للاستهداف.
وأشار التقرير إلى أن ارتفاع أسعار النفط والوقود، بالتزامن مع زيادة تكاليف التأمين البحري، جعل ناقلات الوقود أهدافاً أكثر جاذبية للقراصنة، بالنظر إلى القيمة الاقتصادية لشحناتها وإمكانية استخدامها في عمليات الابتزاز وطلب الفديات.
ناقلة «Honour 25».. خمسة أشهر من الاحتجاز ونهاية مأساوية
سلط تقرير CNN الضوء على حادثة اختطاف ناقلة الديزل «Honour 25»، التي أصبحت إحدى أبرز الوقائع الدالة على عودة القرصنة قبالة الصومال.
ففي 21 أبريل/نيسان 2026، تعرضت الناقلة، التي كانت تنقل نحو 2700 طن من الديزل من سلطنة عُمان إلى الصومال، لهجوم من مجموعة قراصنة تمكنوا من السيطرة عليها خلال دقائق، واحتجزوا أفراد طاقمها البالغ عددهم 17 شخصاً.
وظل معظم أفراد الطاقم محتجزين لأكثر من خمسة أشهر، في ظروف قاسية وتحت الحراسة المسلحة، بينما طالبت المجموعة في البداية بفدية بلغت سبعة ملايين دولار، قبل أن تخفض مطالبها لاحقاً إلى مليون دولار، وفقاً لشهادات ناجين نقلتها الشبكة.
ورغم الحديث عن التوصل إلى اتفاق للإفراج عن الطاقم مقابل دفع الفدية، انتهت عملية الاحتجاز بمأساة في أواخر سبتمبر/أيلول، عندما تدخلت قوات الشرطة البحرية في بونتلاند لتحرير الناقلة.
ووفقاً لما نقلته CNN، قُتل خمسة من أفراد الطاقم خلال المواجهة، بعدما استخدم القراصنة بعض البحارة دروعاً بشرية، فيما نجا آخرون وأصيب بعضهم. وكانت السلطات في بونتلاند قد أكدت مقتل خمسة من أفراد الطاقم قبل استعادة الناقلة، وفق ما نقلته وكالة رويترز في 29 سبتمبر/أيلول.
أزمة اقتصادية تغذي عودة الظاهرة
لا تقتصر أسباب عودة القرصنة على الفراغ الأمني النسبي في المياه المحيطة بالصومال، إذ يربط التقرير الظاهرة أيضاً بتدهور الظروف الاقتصادية والمعيشية داخل البلاد.
فقد أدت الحرب والاضطرابات التجارية إلى ارتفاع تكاليف الوقود والغذاء، في وقت يعاني فيه الصومال أصلاً من تداعيات الجفاف والهشاشة الاقتصادية والاعتماد على الواردات، بما فيها السلع القادمة من دول الخليج.
وتوفر الفديات المالية المحتملة حافزاً إضافياً للشبكات الإجرامية، خصوصاً مع ارتفاع قيمة الشحنات المستهدفة، الأمر الذي يجعل القرصنة نشاطاً مغرياً للمجموعات التي تستغل تراجع الرقابة البحرية والضغوط الاقتصادية.
كما حذر خبراء أمن الملاحة الذين تحدثوا إلى CNN من أن استمرار انشغال القوى البحرية الدولية بالتهديدات المرتبطة بإيران والحوثيين قد يمنح القراصنة مساحة أوسع للتحرك. ونقل التقرير عن ماثيو رايزنر، المستشار البارز في مركز الاستراتيجية البحرية، أن استمرار التهديدات للملاحة من جانب إيران والحوثيين سيبقي الولايات المتحدة وشركاءها الإقليميين مركزين على تلك التهديدات، بما يتيح للقرصنة مجالاً أكبر للنشاط.
تهديد يتجاوز السواحل الصومالية
تمثل عودة القرصنة الصومالية تحدياً يتجاوز الأمن البحري المحلي، لتطال تداعياتها التجارة الدولية وسلاسل إمداد الطاقة والسلع. فارتفاع مخاطر العبور في خليج عدن والمحيط الهندي ينعكس مباشرة على تكاليف التأمين والشحن، وقد يدفع مزيداً من الشركات إلى تغيير مساراتها البحرية، بما يزيد مدة نقل البضائع وأسعارها.
وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية بالنظر إلى الموقع الجغرافي للصومال المطل على واحد من أهم الممرات البحرية التي تربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس. وأي تراجع في أمن هذه المنطقة يضيف ضغوطاً جديدة على حركة التجارة العالمية، التي تواجه بالفعل اضطرابات متزامنة في الخليج العربي والبحر الأحمر.
وتكشف عودة القرصنة عن مفارقة أمنية لافتة؛ فبينما تتركز الجهود العسكرية الدولية على احتواء تداعيات الحرب في الشرق الأوسط وحماية الممرات البحرية من الهجمات، تتراجع القدرة على مراقبة مناطق أخرى كانت قد شهدت تحسناً أمنياً خلال السنوات الماضية.
وبذلك، لا تبدو عودة القرصنة الصومالية مجرد ظاهرة إجرامية منفصلة، بل انعكاساً لتشابك الأزمات الإقليمية والاقتصادية، وللهشاشة التي تصيب منظومة الأمن البحري عندما تنشغل القوى الدولية بجبهات متعددة في وقت واحد.