ما بعد UNSOS يربك أديس أبابا.. أزمة تمويل AUSSOM تهدد القوات الإثيوبية وتنذر بفراغ أمني تستثمره حركة الشباب المجاهدين

تتسع دائرة التحذيرات في أديس أبابا من التداعيات الأمنية المباشرة لأزمة تمويل بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال «AUSSOM»، وسط مخاوف من أن يؤدي توقف الإسناد اللوجستي الأممي إلى إضعاف القوات الإفريقية، وفتح ثغرات أمنية واسعة على الحدود الصومالية مع إثيوبيا وكينيا.
وقالت مجلة The Reporter Magazine الإثيوبية، التي تتخذ من أديس أبابا مقرًا لها، إن الأزمة المالية التي تواجه بعثة AUSSOM لم تعد تهدد مستقبل المهمة داخل الصومال فحسب، بل باتت تمثل خطرًا مباشرًا على القوات الإثيوبية وعلى منظومة الأمن الحدودي لدول المنطقة.
وحذرت المجلة من أن وقف التمويل الأمريكي المخصص للإسناد اللوجستي الذي يقدمه مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال UNSOS، والمتوقع بحلول 31 ديسمبر/كانون الأول 2026، قد يُحدث فراغًا أمنيًا واسعًا ينعكس على الحكومة الصومالية والقوات الإثيوبية والكينية المنتشرة قرب الحدود.

تحذيرات من انهيار منظومة الإسناد

جاءت هذه التحذيرات خلال ندوة نظمها معهد الدراسات الأمنية ISS، الخميس الماضي في أديس أبابا، لمناقشة المخاطر التي قد تواجه أمن القرن الإفريقي واستقراره مع تقلص الدعم الدولي للعمليات العسكرية في الصومال.
وأجمع محللون شاركوا في الندوة على أن فقدان AUSSOM خدمات النقل الجوي والبري والإمدادات والخدمات التشغيلية اليومية التي يوفرها مكتب UNSOS قد يؤدي سريعًا إلى ظهور ثغرات أمنية على امتداد الحدود الصومالية مع إثيوبيا وكينيا.
وتشمل خدمات المكتب الأممي نقل القوات والإمدادات، والإجلاء الطبي، وتوفير الوقود والغذاء والمعدات، فضلًا عن صيانة خطوط الإمداد التي تعتمد عليها القوات الإفريقية في مواقع انتشارها داخل الصومال.
وبحسب النقاشات التي شهدتها الندوة، فإن توقف هذه المنظومة من دون بديل جاهز قد يحد بشدة من قدرة القوات الإثيوبية والكينية على التحرك والإمداد والاحتفاظ بقواعدها، كما قد يضعف قدرتها على مراقبة المناطق الحدودية والتعامل مع التهديدات العابرة للحدود.

إثيوبيا أمام عبء الدفاع منفردة

وأعرب أحمد عبدي، عضو البرلمان الصومالي وأمين سر لجنة الدفاع، خلال مشاركته في الندوة، عن قلقه من التداعيات المحتملة لإنهاء دعم UNSOS بصورة غير منسقة.
وحذّر من أن انسحاب الإسناد اللوجستي قبل إيجاد بديل قابل للعمل قد يقود إلى اضطراب أمني إقليمي، ويجبر إثيوبيا على تحمل العبء الأكبر في حماية حدودها مع الصومال بصورة منفردة.
وأكد أن الأزمة لن تتوقف آثارها عند الداخل الصومالي؛ لأن تقليص تمويل العملية وما قد يعقبه من تدهور أمني سينعكسان مباشرة على الدول المجاورة، ولا سيما إثيوبيا وكينيا.
ويكشف هذا الموقف أن المخاوف الإثيوبية لم تعد مرتبطة فقط بمستقبل القوات المشاركة في AUSSOM، بل باتت تشمل احتمال اضطرار أديس أبابا إلى توسيع انتشارها الحدودي وتحمل تكاليف عسكرية وأمنية إضافية إذا تعطلت المهمة الإفريقية.

حركة الشباب المجاهدين المستفيد الأكبر

ونقلت The Reporter Magazine عن المحللة الأمنية سميرة غيد، التي سبق أن عملت في ملفات أمنية مع الحكومة الصومالية ومؤسسات غربية وبعثة الاتحاد الإفريقي، قولها إن حركة الشباب ستكون المستفيد الأكبر إذا تُركت أزمة تمويل القوات الإفريقية من دون حل.
ووفق تقديرها، فإن تراجع الدعم الدولي وتفكك خطوط الإمداد قد يمنحان الحركة فرصة لاستثمار الفراغ الأمني وتوسيع نطاق عملياتها، مستفيدة من ضعف القوات الحكومية وعدم قدرة بعثة AUSSOM على مواصلة الانتشار بالمستوى نفسه.
كما أشارت إلى أن تقلص الدعم الدولي بدأ يغيّر حسابات بعض القوى المحلية التي كانت متحالفة مع الحكومة الصومالية، وأن أطرافًا منها شرعت في البحث عن تفاهمات أو مصالحات مع حركة الشباب تحسبًا لتحول موازين القوة.
ويمثل هذا التحول، إذا اتسع نطاقه، خطرًا إضافيًا على الحكومة الصومالية؛ إذ إن خسارة الحلفاء المحليين قد تؤدي إلى تآكل شبكات الدعم التي تعتمد عليها في المناطق الريفية والممرات الواقعة بين المدن والقواعد العسكرية.

مخاوف من وصول التداعيات إلى الإقليم الصومالي

ومن جانبه، شدد أبو شريف، الذي قدمته المجلة بوصفه مسؤولًا سياسيًا رفيعًا في إدارة عمليات دعم السلام التابعة للاتحاد الإفريقي، على ضرورة إيجاد تمويل بديل أو إنشاء إطار أمني إقليمي قادر على تعويض الدعم الأممي.
وحذر من أن غياب البديل قد يؤدي إلى مزيد من تدهور الأوضاع، وأن حركة الشباب المجاهدين قد توسع نشاطها باتجاه الإقليم الصومالي الخاضع لإدارة إثيوبيا، مستفيدة من ضعف الرقابة على المناطق الحدودية واتساع الفراغ الذي قد يتركه انكماش القوات الإفريقية.
وتضع هذه المخاوف أديس أبابا أمام احتمالين شديدي الكلفة: إما زيادة انتشار قواتها وتحمل نفقات الدفاع والإمداد منفردة، وإما القبول بتراجع الضغط العسكري على حركة الشباب وما قد يرافقه من ارتفاع مستوى التهديد قرب حدودها.

Horn Review: مستقبل AUSSOM بات مجهولًا

بالتوازي مع تقرير المجلة، أصدر معهد Horn Review الإثيوبي تقريرًا آخر، الأربعاء الماضي، دعا فيه أديس أبابا إلى الاستعداد مبكرًا للمرحلة الانتقالية التي يقترب منها الصومال.
ورأى المعهد أن مصدر القلق الأكبر يتمثل في اقتراب بعثة AUSSOM من مرحلة التعثر أو الانهيار، بعدما واجهت أزمة تمويل حادة تفاقمت إثر إعلان الولايات المتحدة في يوليو/تموز وقف مساهمتها في الإسناد المقدم للبعثة.
وأشار إلى أن الاتحاد الإفريقي والدول المساهمة بالقوات لا تزال تناقش مستقبل العملية، إلا أن استمرار AUSSOM بعد انتهاء الدعم الحالي لم يعد مضمونًا، كما لا يزال شكل المهمة وحجمها ومصادر تمويلها المستقبلية محاطة بالغموض.
وبحسب التقرير، تتفق إثيوبيا والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة رسميًا على ضرورة نقل المسؤولية الأمنية كاملة إلى الميليشيات الحكومية الصومالية، لكنها تشترك في الوقت نفسه في مخاوف عميقة بشأن قدرة تلك القوات على العمل منفردة والاحتفاظ بالمواقع التي تتسلمها.

تجربة تسليم القواعد تثير المخاوف

وتناول برنامج The Horn، الذي تصدره مجموعة الأزمات الدولية ICG، الأزمة نفسها من خلال مناقشة مستقبل الانتقال الأمني في الصومال وتداعيات إنهاء مهمة مكتب UNSOS.
وخلال البرنامج، قالت سميرة غيد، التي سبق أن عملت مستشارة أمنية في مكتب رئيس الوزراء الصومالي، إن الدول الغربية لم تعد مستعدة للاستمرار في تمويل العملية بالمستوى السابق، ما يضع خطوط إمداد القوات الإفريقية أمام حالة من الاضطراب وعدم اليقين.
وعند سؤالها عن مصير القواعد التي قد تسلمها القوات الإفريقية إلى القوات الصومالية، استندت غيد إلى تجارب سابقة، مشيرة إلى أن الميليشيات الحكومية لم تتمكن في حالات عديدة من الاحتفاظ بالمواقع التي تسلمتها، وأن حركة الشباب المجاهدين استعادت عددًا منها بعد وقت قصير.
وحذرت من أن تنفيذ عملية انتقال سريعة، من دون ضمان الجاهزية العسكرية والتمويل والإمداد، قد يؤدي إلى تكرار السيناريو نفسه على نطاق أوسع.
كما طرح البرنامج تساؤلًا أساسيًا بشأن قدرة جهات دولية أو إقليمية أخرى على ملء الفراغ الذي سيتركه UNSOS، ولا سيما في خدمات النقل الجوي والإمداد والإجلاء الطبي، وهي وظائف يصعب على الدول الإفريقية المساهمة بالقوات توفيرها بصورة مستقلة.

تحرك أمريكي لتقييم مرحلة ما بعد AUSSOM

وتزامنت هذه التحذيرات مع وصول فرانك غارسيا، المسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية المكلف بملف الشؤون الإفريقية، إلى أديس أبابا يوم الجمعة، ضمن جولة أعلنت واشنطن أنها ستشمل إثيوبيا وكينيا لتقييم تداعيات المرحلة الانتقالية الأمنية في الصومال.
واستقبل مسؤولون إثيوبيون، بينهم وزير الخارجية، المبعوث الأمريكي. ووفق ما أعلنته السفارة الأمريكية في أديس أبابا ووسائل إعلام إثيوبية، تناولت المحادثات أوضاع الأمن الإقليمي وسبل خفض التوترات والصراعات في القرن الإفريقي.
ويعكس توقيت الزيارة حجم القلق الذي أثاره القرار الأمريكي؛ إذ تحاول إثيوبيا وكينيا معرفة الشكل الذي ستتخذه مهمة AUSSOM بعد تقلص الإسناد الأممي، ومدى قدرة الميليشيات الحكومية الصومالية على ملء الفراغ، والخيارات المتاحة لمنع وصول التداعيات الأمنية إلى حدودهما.

أزمة تتجاوز مستقبل البعثة

وبذلك، لم تعد أزمة AUSSOM مجرد خلاف مالي يتعلق بميزانية بعثة إفريقية؛ بل تحولت إلى اختبار لمنظومة الأمن التي بُنيت في الصومال خلال نحو عشرين عامًا من وجود القوات الأجنبية.
فإذا انتهى دعم UNSOS من دون تمويل بديل وخطة انتقال قابلة للتنفيذ، فإن القوات الإفريقية قد تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها التشغيلية، بينما ستُدفع القوات الصومالية إلى تسلم قواعد ومساحات أمنية تفوق جاهزيتها الحالية.
وفي المقابل، تحذر التقارير الإثيوبية والمناقشات الأمنية من أن حركة الشباب المجاهدين ستجد أمامها مساحة أوسع للتحرك واستعادة المواقع وتوسيع نفوذها، بما قد ينقل تداعيات الأزمة من الداخل الصومالي إلى المناطق الحدودية مع إثيوبيا وكينيا.
وتكشف كثافة التحذيرات الصادرة من أديس أبابا، بالتزامن مع التحرك الأمريكي، أن السؤال لم يعد مقتصرًا على ما إذا كانت AUSSOM ستستمر، بل بات يتعلق بما إذا كانت المنظومة الأمنية القائمة في الصومال قادرة على الصمود أصلًا بعد انحسار المظلة اللوجستية التي وفرها UNSOS.