مقديشو وهرجيسا في نيويورك.. تنافس دبلوماسي على الاعتراف والشرعية أمام الأمم المتحدة
شهدت نيويورك خلال أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة تحركًا دبلوماسيًا متزامنًا من الصومال وصوماليلاند، في مشهد عكس استمرار الخلاف السياسي حول وضع صوماليلاند ومستقبل العلاقة بينها وبين الحكومة الفيدرالية الصومالية.
ولم يأخذ الخلاف شكل مواجهة مباشرة أو مشادة علنية بين الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود ورئيس صوماليلاند عبد الرحمن محمد عبد الله «عِرّو» داخل قاعة الجمعية العامة، وإنما ظهر بصورة أكبر في تحركات دبلوماسية متوازية، واجتماعات مع مسؤولين دوليين وأمريكيين، ورسائل سياسية متعارضة حول مسألة السيادة والاعتراف.
وصل الرئيس حسن شيخ محمود إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، حيث ألقى في 24 سبتمبر خطاب حكومة الصومال أمام الدورة الـ81، متحدثًا عن الأمن، والإصلاحات السياسية، والانتخابات، والتنمية، ودور الأمم المتحدة في البلاد. كما دعا إلى استمرار دعم الصومال خلال انتقال المسؤوليات الأمنية، وطالب بأن يكون التعاون الدولي أكثر ارتباطًا بالمؤسسات الصومالية وأولويات الحكومة.
وفي المقابل، جاء حضور رئيس صوماليلاند عبد الرحمن «عِرّو» في سياق مختلف؛ إذ ركزت تحركاته على تعزيز العلاقات الخارجية والسعي إلى الحصول على مزيد من الاعتراف الدولي، خصوصًا من الولايات المتحدة، بعد اعتراف الاحتلال الإسرائيلي بصوماليلاند في ديسمبر 2025، وفق التقارير التي تناولت تحركاته الأخيرة.
وكانت واشنطن إحدى أبرز ساحات هذا التنافس. فخلال زيارة «عِرّو» للولايات المتحدة، عقد وفد صوماليلاند لقاءات مع مسؤولين وشخصيات سياسية أمريكية، من بينهم أعضاء في الكونغرس، لبحث قضايا الأمن والاستقرار البحري والتجارة، بينما عملت مقديشو بالتوازي على تعزيز اتصالاتها الرسمية مع المؤسسات الأمريكية. ووصفت تقارير هذا التزامن بأنه جزء من منافسة أوسع على النفوذ والدعم الأمريكي.
أما داخل نيويورك نفسها، فقد ظهرت قضية صوماليلاند بصورة أكثر وضوحًا من خلال نشاط مؤيديها خارج مقر الأمم المتحدة. ففي 23 سبتمبر تجمع مسؤولون من صوماليلاند وأفراد من الجالية في محيط مقر الأمم المتحدة للمطالبة بالاعتراف الدولي، وحمل المشاركون أعلام صوماليلاند ولافتات تدعو إلى دعم مشروعها السياسي.
وفي الوقت نفسه، عقد «عِرّو» اجتماعات دبلوماسية على هامش اجتماعات الجمعية العامة، من بينها لقاء مع السفير الإسرائيلي لدى الأمم المتحدة داني دانون، تناول التعاون في مجالات الأمن والتجارة والتكنولوجيا والزراعة والاستثمار. وأكدت وزارة خارجية صوماليلاند أن اللقاء جاء ضمن جهودها لتطوير العلاقات الدولية.
في الجهة الأخرى، حمل خطاب الرئيس الصومالي رسالة مختلفة تقوم على التأكيد على مؤسسات الدولة الصومالية، وسيادتها، ودورها في إدارة شؤون البلاد. كما ركز حسن شيخ محمود في كلمته أمام الجمعية العامة على الإصلاح السياسي والانتقال نحو انتخابات مباشرة، وعلى ضرورة أن يكون الدعم الدولي للعملية السياسية والأمنية منسجمًا مع قيادة المؤسسات الصومالية. على حد زعمه.
وبذلك بدا المشهد في نيويورك وكأنه مساران دبلوماسيان متوازيان: مقديشو تستخدم حضورها الرسمي في الأمم المتحدة وعلاقاتها الحكومية الدولية للتأكيد على موقفها بشأن وحدة الأراضي الصومالية، بينما تسعى هرجيسا إلى استثمار وجودها في الولايات المتحدة والأمم المتحدة لتوسيع دائرة الدول والشخصيات التي تتعامل معها كطرف سياسي مستقل، ودفع قضية الاعتراف بها إلى الواجهة.
وتأتي هذه التحركات في وقت أصبحت فيه قضية صوماليلاند أكثر حساسية إقليميًا ودوليًا، خصوصًا بعد اعتراف تل أبيب بها، وهو ما جعل مسألة الاعتراف الدولي بها محورًا جديدًا في التحركات الدبلوماسية لهرجيسا، في حين تواصل مقديشو التأكيد على موقفها الرافض لأي خطوات تمس وحدة الأراضي الصومالية.
وعليه، فإن ما شهدته نيويورك يمكن وصفه بأنه سباق دبلوماسي على الحضور والتأثير والاعتراف أكثر من كونه مواجهة مباشرة بين وفدي الصومال وصوماليلاند داخل الأمم المتحدة؛ فمقديشو تحاول تثبيت حضورها بوصفها الحكومة المعترف بها دوليًا، بينما تعمل هرجيسا على تحويل حضورها الخارجي إلى دعم سياسي أكبر لمطلب الاعتراف بها.
وأثارت زيارة رئيس صوماليلاند «عِرّو» إلى الولايات المتحدة جدلًا بشأن وضعه الدبلوماسي، ولا سيما مع تداول تقارير عن وجود إشكالات في الحصول على التأشيرة في البداية، قبل أن يتمكن من دخول الأراضي الأمريكية والمشاركة في لقاءات وتحركات سياسية خلال سبتمبر/أيلول 2026.
وتكتسب هذه المسألة حساسية خاصة لأن واشنطن لا تعترف بصوماليلاند دولة مستقلة، في وقت تسعى فيه هرجيسا إلى حشد دعم أمريكي لمطلب الاعتراف بها. ومع ذلك، فإن السماح للرئيس بزيارة الولايات المتحدة لا يُعد اعترافًا بصوماليلاند، كما أن الإدارة الأمريكية أكدت أن سياستها تجاه وضع الإقليم لم تتغير. وبذلك عكست قضية التأشيرة البراغماتية التي تتعامل بها واشنطن مع هرجيسا: السماح بالاتصالات واللقاءات السياسية، مع الإبقاء على الموقف الرسمي بشأن عدم الاعتراف باستقلال صوماليلاند.
وقد انتشرت مواقع على مواقع التواصل لناشطين مناصرين لقضية فلسطين يكيلون التهم بالخيانة لممثلين لصومالي لاند بسبب انحيازهم للاحتلال الإسرائيلي.
وتكشف هذه التحركات أن الخلاف بين الطرفين لم يعد محصورًا في الساحة الصومالية، بل أصبح جزءًا من منافسة دبلوماسية أوسع تمتد إلى واشنطن والأمم المتحدة وعواصم أخرى، حيث يسعى كل طرف إلى كسب مزيد من الدعم الدولي لرؤيته لمستقبل الصومال وصوماليلاند.