يمنيون يفرّون إلى جيبوتي ومهاجرون أفارقة يواصلون الوصول إلى اليمن رغم تصاعد الحرب
مع تصاعد القتال في اليمن خلال سبتمبر/أيلول 2026، تتخذ حركة النزوح في المنطقة مسارًا لافتًا يعكس تعقيدات الأزمة الإنسانية؛ ففي الوقت الذي يعبر فيه آلاف اليمنيين البحر باتجاه جيبوتي بحثًا عن الأمان، يواصل مهاجرون من إثيوبيا والصومال الرحلة المعاكسة نحو اليمن، رغم استمرار الحرب وتدهور الأوضاع الإنسانية.
ووفق بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وصل عدد الوافدين الجدد من اليمن إلى جيبوتي إلى 3,601 شخصًا حتى 18 سبتمبر/أيلول، بعد موجة التصعيد الأخيرة. ويضاف هؤلاء إلى آلاف اليمنيين الذين سبق أن لجأوا إلى دول الجوار، بينهم نحو 4 آلاف في جيبوتي ونحو 8 آلاف في الصومال.
وتشير المادة إلى أن التصعيد الأخير أدى، وفق تقديراتها، إلى نزوح نحو 128 ألف شخص داخل اليمن، فوق أكثر من 5.2 مليون نازح داخليًا يعيشون أصلًا في ظروف النزوح منذ سنوات.
جيبوتي.. ملاذ قريب لليمنيين
لطالما شكلت جيبوتي وجهة رئيسية لسكان الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر، مستفيدة من قربها الجغرافي وسهولة الوصول إليها مقارنة بدول الخليج التي يصعب على كثير من اليمنيين دخولها بسبب متطلبات التأشيرات وتكاليفها.
ويقول عبد الله محمد، وهو يمني مقيم في جيبوتي منذ عام 2017، إن دخوله إلى البلاد كان بسيطًا في ذلك الوقت، إذ حصل على التأشيرة عند الوصول، كما تمكن من الاستقرار والعمل وإعالة أسرته في اليمن. ويصف علاقته بالمجتمع الجيبوتي بأنها جعلته يشعر بأنه يعيش في بلده.
لكن الظروف الاقتصادية في جيبوتي تغيرت، ما يجعل وصول موجات جديدة من اللاجئين أكثر صعوبة. فالوافدون الجدد، بحسب المادة، يقيمون في مخيمات ولا يستطيعون التحرك بحرية بحثًا عن فرص عمل، في وقت يعاني فيه أصلًا يمنيون مقيمون في جيبوتي من البطالة.
وقد وصلت مجموعات من اللاجئين اليمنيين إلى نقاط متفرقة على الساحل قرب مدينة أوبوك، حيث يقيمون حاليًا في مخيمات وسط ظروف إنسانية متزايدة الصعوبة، فيما دعت السلطات الجيبوتية المنظمات الإنسانية إلى التدخل لمساعدتهم.
المفارقة: الرحلة المعاكسة مستمرة
في الجهة الأخرى من البحر الأحمر، تستمر حركة الهجرة من القرن الأفريقي باتجاه اليمن.
فبحسب المنظمة الدولية للهجرة، دخل 11,397 مهاجرًا إلى اليمن خلال أغسطس/آب 2026، بانخفاض نسبته 17% عن يوليو/تموز، عندما جرى تسجيل 13,687 مهاجرًا. وظلت جيبوتي نقطة الانطلاق الرئيسية لهذه الرحلات.
وخلال عام 2025، سجلت المنظمة وصول 110,144 مهاجرًا إلى اليمن، كان 97% منهم من الإثيوبيين و3% من الصوماليين، ما يؤكد استمرار اليمن كمحطة رئيسية على طريق الهجرة من القرن الأفريقي باتجاه شبه الجزيرة العربية.
واللافت أن هذه الحركة لم تتوقف مع التصعيد العسكري الأخير، إذ استمر المهاجرون في الوصول إلى اليمن خلال سبتمبر/أيلول، رغم المخاطر الأمنية والإنسانية التي تحيط بالبلاد.
مهاجرون بلا مأوى في بلد يواجه أزمته الخاصة
لا تنتهي معاناة المهاجرين بمجرد وصولهم إلى الأراضي اليمنية. فالمادة ترصد أوضاعًا إنسانية صعبة يعيشها كثير منهم، إذ ينام بعضهم في الشوارع ويعتمدون على مساعدات المارة للحصول على الطعام، بينما يتمكن آخرون من العثور على أعمال منخفضة الأجر.
وتزداد صعوبة المشهد عندما نضع هذه الأوضاع في سياق الأزمة اليمنية نفسها؛ إذ يحتاج 22.3 مليون شخص في اليمن إلى نوع من المساعدة الإنسانية أو الحماية خلال عام 2026، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية.
ومع ذلك، يقول مهاجر إثيوبي يعمل في التنظيف بمدينة تعز إنه لا يشعر بأنه غريب في اليمن، مؤكدًا أن كثيرًا من اليمنيين يعاملون المهاجرين كما يعاملون إخوانهم، وأن هدف كثير من هؤلاء المهاجرين ليس الاستقرار في اليمن، وإنما مواصلة الطريق نحو السعودية.
المساعدة تتجاوز الجنسية
وسط هذه الأزمة، تبرز مبادرات فردية من يمنيين لمساعدة المحتاجين، سواء كانوا من أبناء البلد أو من المهاجرين الأفارقة.
ففي بعض المطاعم في محافظتي عدن ولحج، يوزع أصحاب المطاعم الطعام مجانًا على المحتاجين، ومن بينهم المهاجرون الأفارقة، باعتبار ذلك من أعمال الصدقة.
ويقول عمر، وهو شريك في مطعم بمحافظة لحج، إنه يوزع الأرز بصورة شبه يومية على نحو 40 شخصًا محتاجًا، دون التمييز بين اليمنيين والأفارقة. ويؤكد أن تقديم الطعام بالنسبة إليه ليس مرتبطًا بجنسية المحتاج، بل بحاجته.
وتكشف هذه المبادرات عن جانب اجتماعي من الأزمة لا يظهر دائمًا في الأرقام والتقارير الإنسانية؛ فبالرغم من أن اليمن نفسه يعيش أزمة اقتصادية وإنسانية واسعة، يستمر بعض السكان في تقديم ما يستطيعون للمهاجرين والنازحين.
تاريخ طويل من الروابط بين اليمن والقرن الأفريقي
ولا تبدو العلاقات بين اليمن وإثيوبيا جديدة أو مرتبطة بأزمة الهجرة الحالية فقط.
ويشير أحمد عبد الواحد، المعروف باسم “العم أحمد”، إلى أن الروابط بين اليمن وإثيوبيا تمتد لسنوات طويلة، إذ عاش هو نفسه أكثر من عقدين في إثيوبيا، بعدما وُلد هناك لأم إثيوبية وأب يمني.
ويقول إن اليمنيين والإثيوبيين اعتادوا الانتقال بين البلدين بحثًا عن العمل والاستقرار، وإن العلاقات بين المجتمعين تجاوزت المصالح التجارية إلى روابط اجتماعية وإنسانية عميقة.
كما شهدت العقود الماضية انتقال يمنيين إلى إثيوبيا للعمل، في حين جاء إثيوبيون إلى اليمن، واستقر بعضهم فيها لسنوات. ويشير العم أحمد إلى وجود تجار يمنيين أسسوا أعمالًا في إثيوبيا في مجالات التجارة والسيارات والأخشاب ومواد البناء.
وبالنسبة إليه، فإن تغير الظروف السياسية لا يلغي هذه الروابط التاريخية؛ فالعلاقات بين المجتمعات، كما يصفها، ظلت قائمة رغم تغير الحكومات والأوضاع الاقتصادية والسياسية.
البحر الأحمر.. طريق للنزوح والهجرة في آن واحد
تكشف حركة البشر بين اليمن وجيبوتي عن مفارقة إنسانية واضحة: البحر الأحمر الذي يستخدمه يمنيون للفرار من الحرب هو نفسه الطريق الذي يعبره مهاجرون أفارقة للوصول إلى اليمن، ومنه إلى وجهات أخرى في المنطقة.
فبينما يبحث اليمنيون عن منطقة أكثر أمانًا بعيدًا عن التصعيد، يغامر مهاجرون من القرن الأفريقي بالوصول إلى بلد يعيش واحدة من أكثر أزماته الإنسانية تعقيدًا، على أمل مواصلة الرحلة نحو السعودية.
وفي كلا الاتجاهين، تبدو الحاجة الاقتصادية والأمنية عاملًا رئيسيًا في حركة البشر؛ اليمني يبحث عن ملاذ من الحرب، والمهاجر الأفريقي يبحث عن فرصة للعمل أو عن طريق إلى وجهة أخرى.
ومع استمرار القتال وتزايد أعداد النازحين، يواجه اليمنيون الوافدون إلى جيبوتي والمهاجرون الأفارقة الوافدون إلى اليمن واقعًا إنسانيًا هشًا، فيما تستمر المجتمعات المحلية في سد بعض الفجوات عبر المساعدات الفردية والتكافل الاجتماعي.
وتشير هذه الصورة إلى أن أزمة البحر الأحمر لا يمكن فهمها فقط باعتبارها أزمة حرب داخل اليمن، بل أيضًا باعتبارها أزمة نزوح وهجرة متشابكة تمتد آثارها إلى القرن الأفريقي، وتدفع سكان المنطقة إلى عبور الحدود والبحار بحثًا عن الأمان والعمل والاستقرار.