أزمة التمويل تُعجّل خروج القوات الإفريقية من الصومال.. فهل تبدأ مرحلة الحل السياسي؟

تدخل مهمة الاتحاد الإفريقي في الصومال مرحلة جديدة، بعدما دفعت أزمة التمويل المتفاقمة الدول المساهمة بقوات إلى إعادة النظر في مستقبل الوجود العسكري الإفريقي، والتوافق على التحضير لخروج منظم ومتدرج للقوات قبل الموعد الذي كان مقررًا لها.

وبحسب تقرير نشرته صحيفة The EastAfrican في 8 أغسطس/آب 2026، اتفقت الدول المساهمة بقوات في قمة استثنائية عُقدت في أوغندا في 31 يوليو/تموز على أن يبدأ الاتحاد الإفريقي التخطيط لـ«خروج منظم ومنسق ومتدرج» لبعثة الاتحاد الإفريقي AUSSOM. ويأتي ذلك في ظل أزمة مالية ارتبطت بقرار الولايات المتحدة إنهاء دعمها لمكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال UNSOS، الذي يمثل العمود اللوجستي لعمليات البعثات الإفريقية المتعاقبة في البلاد. 

 

انسحاب قبل الموعد

كانت مهمة AUSSOM قد أُطلقت في يناير/كانون الثاني 2025، وكان من المفترض أن يستمر تفويضها لخمس سنوات حتى نهاية عام 2029. لكن القمة الإقليمية اقترحت الإبقاء على الدعم اللوجستي الأممي لمدة تتراوح بين 18 و24 شهرًا فقط، ما يعني تقليص الفترة المتوقعة للمهمة بما يتراوح بين عام و18 شهرًا. 

ولا تبدو المسألة مجرد إعادة ترتيب فني لجدول الانسحاب؛ فالمغادرة المبكرة تضع الصومال أمام اختبار أمني وسياسي بالغ الحساسية: هل تستطيع المؤسسات الأمنية الصومالية تولي مسؤولية البلاد في ظل استمرار التحديات الأمنية، وفي ظل عدم اكتمال التوافق السياسي بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء؟

وتأتي هذه التطورات بعد مسار طويل من البعثات الإفريقية في الصومال. فقد بدأت مهمة الاتحاد الإفريقي في البلاد عام 2007 تحت اسم AMISOM، قبل أن تتحول إلى ATMIS عام 2022، ثم إلى AUSSOM في 2025، في محاولة متواصلة لنقل المسؤولية الأمنية تدريجيًا إلى القوات الصومالية. 

 

التمويل.. الحلقة الأضعف

تظل الأزمة المالية العامل الأكثر إلحاحًا في تحديد مستقبل المهمة. فالبعثات الإفريقية في الصومال اعتمدت على منظومة دعم دولية وفرت التمويل والخدمات اللوجستية التي سمحت للقوات بالعمل على الأرض، ولذلك فإن تراجع التمويل لا يعني بالضرورة مجرد تقليص النفقات، بل قد يؤثر بصورة مباشرة في قدرة القوات على الانتشار والإمداد والاستمرار.

ويشير تقرير The EastAfrican إلى أن القمة ربطت المرحلة المقبلة بتعزيز المؤسسات الأمنية الصومالية ونقل المسؤوليات إليها تدريجيًا، بالتوازي مع تكثيف الجهود ضد حركة الشباب المجاهدين قبل انتهاء الدعم اللوجستي الدولي. كما دعت القيادة الإقليمية الحكومة الصومالية إلى تسريع تشكيل قوات محلية قادرة على الاحتفاظ بالمناطق التي تستعيدها القوات الحكومية. 

وتكمن المخاوف في أن يؤدي انسحاب القوات الإفريقية قبل اكتمال جاهزية القوات الصومالية إلى فراغ أمني، خصوصًا أن تجربة الانسحابات السابقة أظهرت صعوبة الحفاظ على بعض المناطق بعد مغادرة القوات الأجنبية. وقد حذرت تحليلات سابقة من أن أزمة تمويل AUSSOM يمكن أن تتحول إلى أزمة لوجستية تهدد قدرة البعثة على مواصلة عملياتها. 

 

من الحل العسكري إلى السؤال السياسي

لكن التطور الأبرز في القمة الأخيرة لا يتعلق بموعد الانسحاب وحده، وإنما بالاعتراف المتزايد بأن المقاربة العسكرية وحدها لم تعد كافية لتحقيق استقرار دائم في الصومال.

فقد دفعت أوغندا باتجاه وضع خارطة طريق لحوار سياسي شامل بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء، باعتبار أن معالجة الانقسامات السياسية الداخلية شرط أساسي لنجاح الانتقال الأمني.

ونقلت الصحيفة عن وزير الدفاع الأوغندي كيرووا كيوانُوكا تأكيده أن «السؤال السياسي» لا بد من حسمه من أجل استدامة الاستقرار، وأن الحوار والتعاون بين الحكومة الفيدرالية والولايات الأعضاء أمر حتمي. 

وهنا تتجاوز القضية مسألة القوات الأجنبية إلى سؤال أعمق: ما الذي سيبقى بعد رحيلها؟

فإذا كان الانسحاب سيترك وراءه مؤسسات أمنية صومالية أكثر قدرة، وتوافقًا سياسيًا أوسع، ونظامًا واضحًا لتوزيع المسؤوليات بين الحكومة الفيدرالية والولايات، فقد يمثل فرصة حقيقية لانتقال الصومال إلى مرحلة جديدة من الاعتماد على مؤسساته الوطنية.

أما إذا حدث الانسحاب في ظل استمرار الانقسامات السياسية وضعف التنسيق الأمني، فقد يتحول تقليص الوجود الإفريقي إلى عامل يزيد هشاشة الوضع بدل أن يكون خطوة نحو الاستقرار.

 

عقدة العلاقة بين مقديشو والولايات

ويكشف التركيز الإقليمي المتزايد على الحوار بين مقديشو والولايات الفيدرالية عن أن الأمن والسياسة في الصومال أصبحا ملفين متداخلين بصورة يصعب الفصل بينهما.

فالقوات الحكومية تحتاج إلى بيئة سياسية موحدة حتى تتمكن من بناء منظومة أمن وطنية متماسكة، بينما يتطلب نجاح أي انتقال أمني وجود تفاهم بين الأطراف الصومالية حول من يملك مسؤولية الأمن، وكيف تُدار المناطق المحررة، ومن يتحمل تكلفة تثبيت الاستقرار فيها.

ولهذا فإن تقليص الدور الإفريقي يضع الحكومة الصومالية أمام مسؤولية أكبر بكثير من مجرد استلام القواعد والمهام العسكرية؛ إذ يتطلب بناء توافق سياسي قادر على منع عودة الخلافات الداخلية إلى تعطيل الجهود الأمنية.

 

هل تتغير المعادلة؟

على مدى قرابة عقدين، انتقلت مهمة الاتحاد الإفريقي في الصومال من AMISOM إلى ATMIS ثم AUSSOM، لكن السؤال الأساسي ظل حاضرًا: متى تصبح الدولة الصومالية قادرة على تولي مسؤولية أمنها بصورة كاملة؟

اليوم، يبدو أن أزمة التمويل فرضت إجابة أسرع من المخطط لها.

فالانسحاب الذي كان يُفترض أن يكون نتيجة لتطور تدريجي في قدرات الدولة الصومالية بات مرتبطًا بصورة متزايدة بالقدرة على تمويل المهمة الدولية واستمرار الدعم اللوجستي. وهذا يجعل المرحلة المقبلة سباقًا مع الزمن بين بناء مؤسسات أمنية وسياسية أكثر تماسكًا وبين احتمال ظهور فراغ تستفيد منه حركة الشباب المجاهدين.

وبذلك، فإن مستقبل الصومال لن تحدده فقط قدرة القوات الحكومية على مواجهة التحديات الأمنية، بل كذلك قدرة النخبة السياسية الصومالية على الوصول إلى صيغة توافقية تتجاوز الخلافات بين المركز والولايات بحسب التقرير.

وقد تكون الرسالة الأبرز التي حملتها قمة أوغندا هي أن الوجود العسكري الإفريقي لا يمكن أن يكون بديلًا دائمًا عن بناء دولة مستقرة سياسيًا. ومع اقتراب موعد الانسحاب، يصبح السؤال الحقيقي ليس فقط: متى سترحل القوات الإفريقية؟ بل: ماذا ستترك وراءها، وهل ستكون الدولة الصومالية مستعدة لحمل المسؤولية؟ أم ستشهد الصومال صعود حكم إسلامي طال انتظاره؟