أزمة ديون إثيوبيا.. كيف قادت عقود من الاقتراض البلاد إلى حافة الإفلاس؟
توصلت إثيوبيا في 29 يونيو/حزيران 2026 إلى اتفاق مبدئي مع لجنة تمثل نحو 45% من حاملي سنداتها الدولية المتعثرة، في خطوة تُعد محطة مهمة على طريق الخروج من أزمة التخلف عن سداد الديون، لكنها لا تعني نهاية الأزمة، إذ لا يزال الاتفاق بحاجة إلى استكمال الإجراءات القانونية والحصول على موافقة بقية الدائنين.
ويقضي الاتفاق بخفض القيمة الأصلية لسندات اليوروبوند البالغة مليار دولار بنسبة 12%، مع دفع ما يقارب 100 مليون دولار من فوائد السندات المتأخرة، إضافة إلى منح المستثمرين حقًا يتيح لهم المشاركة في أي إصدار دولي مستقبلي للسندات الإثيوبية.
بداية الأزمة
تعود جذور الأزمة إلى ديسمبر/كانون الأول 2023، عندما سمحت الحكومة الإثيوبية بانتهاء مهلة سماح مدتها 14 يومًا دون سداد دفعة فوائد بقيمة 33 مليون دولار على سنداتها الدولية، لتصبح بذلك أول دولة إفريقية تتخلف عن سداد ديونها السيادية في ظل الإطار المشترك لمجموعة العشرين لإعادة هيكلة الديون.
ورغم أن كثيرين اعتبروا التعثر نتيجة مباشرة لسياسات الاقتراض المفرط، يرى الباحث الإثيوبي ميبراتو كيليشا أن الأزمة أكثر تعقيدًا، إذ جاءت نتيجة تراكم سياسات مالية واقتصادية امتدت لعقود، تعاقبت خلالها أنظمة حكم مختلفة اعتمد كل منها على الديون الخارجية لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية أو تنموية، دون بناء قاعدة اقتصادية قادرة على توفير العملات الأجنبية اللازمة لسداد تلك الالتزامات.
تاريخ طويل من الاعتماد على الديون
يستعرض الباحث تطور سياسة الاقتراض في إثيوبيا منذ عهد الإمبراطور منليك الثاني، الذي لجأ إلى التمويل الأجنبي لإنشاء خط السكة الحديد الرابط بين أديس أبابا وجيبوتي، ثم تأسيس بنك الحبشة بمشاركة رؤوس أموال أجنبية.
وخلال حكم نظام “الدرغ” بعد عام 1974، تحول الاقتراض إلى أداة لتمويل الدولة العسكرية، مع اعتماد كبير على الدعم السوفيتي لشراء الأسلحة وخوض الحروب الداخلية والخارجية. وعند سقوط النظام بقيت البلاد مثقلة بديون خارجية ضخمة قُدرت بنحو 10 مليارات دولار.
وفي عهد الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية، حصلت البلاد عام 2004 على إعفاءات واسعة ضمن مبادرة الدول الفقيرة المثقلة بالديون، ما أتاح إطلاق برنامج ضخم للاستثمار في البنية التحتية، شمل بناء الطرق والسكك الحديدية ومحطات الكهرباء والسدود والمناطق الصناعية.
وسجل الاقتصاد الإثيوبي خلال العقدين الأولين من القرن الحالي معدلات نمو مرتفعة، وانخفضت نسبة الفقر من 44% عام 2000 إلى نحو 24% عام 2016، إلا أن هذا النمو اعتمد بدرجة كبيرة على التمويل الخارجي.
الاستثمار لم يتحول إلى عائدات دولارية
ورغم توسع مشاريع البنية التحتية، لم تتمكن إثيوبيا من زيادة صادراتها بالقدر الكافي لتوفير العملات الأجنبية اللازمة لخدمة الديون.
فقد احتاج خط السكك الحديدية بين أديس أبابا وجيبوتي إلى قرض صيني ضخم، بينما لم تحقق المناطق الصناعية سوى صادرات محدودة مقارنة بحجم الاستثمارات. كما واجهت مشروعات السكر الحكومية تأخيرات كبيرة وتجاوزات في التكاليف وضعفًا في الإنتاج.
ويشير الباحث إلى أن المشكلة الأساسية لم تكن ارتفاع حجم الدين فقط، بل ضعف احتياطيات النقد الأجنبي واعتماد الاقتصاد على صادرات أولية منخفضة القيمة، الأمر الذي أدى إلى نقص العملات الأجنبية وارتفاع السوق الموازية للعملة.
الحرب زادت الأزمة تعقيدًا
أدى اندلاع الحرب في إقليم تيغراي عام 2020، ثم استمرار الاضطرابات في أمهرة وأوروميا، إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية، مع تراجع الاستثمارات الأجنبية، وتضرر الإنتاج، وارتفاع الإنفاق العسكري والإنساني، في وقت انخفض فيه الدعم الخارجي.
وفي عام 2024 اعتمدت الحكومة نظامًا أكثر مرونة لسعر الصرف ضمن برنامج إصلاح مدعوم من صندوق النقد الدولي، ما ساهم في تحسين الصادرات وزيادة احتياطيات النقد الأجنبي، لكنه أدى أيضًا إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة والوقود والدواء.
هيكل الديون الحالي
وبحسب وزارة المالية الإثيوبية، بلغ إجمالي الدين الخارجي للقطاع العام حتى نهاية سبتمبر/أيلول 2024 نحو 31 مليار دولار، منها 28.6 مليار دولار ديون مضمونة من الحكومة.
وتوزعت الديون بين المؤسسات المالية الدولية بنسبة 53.8%، والدائنين الرسميين من خارج نادي باريس بنسبة 26.5%، والدائنين التجاريين بنسبة 16.3%، بينما لم تتجاوز حصة دول نادي باريس 3.4%.
ورغم أن الصين تُعد أكبر دائن ثنائي لإثيوبيا، فإنها لا تستحوذ على غالبية الدين الخارجي، خلافًا لما يُشاع أحيانًا.
اتفاق إعادة الهيكلة
في عام 2025 وافقت لجنة الدائنين الرسميين، برئاسة مشتركة من الصين وفرنسا، على إعادة جدولة الديون المستحقة حتى عامي 2038 و2039، مع تمديد آجال السداد وخفض الفوائد دون شطب أصل الدين.
أما الاتفاق المبدئي مع حاملي السندات في يونيو/حزيران 2026، فيتضمن خفضًا بنسبة 12% من القيمة الاسمية للسندات، مع سداد الفوائد المتأخرة بالكامل ومنح المستثمرين أدوات مالية مرتبطة بإمكانية عودة إثيوبيا إلى أسواق المال الدولية مستقبلًا.
تكلفة الإصلاح الاقتصادي
ويرى الباحث أن إعادة هيكلة الديون وحدها لن تكون كافية إذا لم تترافق مع إصلاحات اقتصادية وسياسية عميقة.
فقد أدى التضخم المرتفع خلال السنوات الأخيرة إلى تآكل دخول المواطنين، بينما تسبب خفض قيمة العملة في ارتفاع أسعار السلع الأساسية.
كما ساهمت الحرب في خروج ملايين الأطفال من المدارس، وتراجع الخدمات الصحية، واندلاع إضرابات واسعة للعاملين في القطاع الصحي بسبب تدني الأجور وسوء ظروف العمل.
الطريق إلى التعافي
ويخلص الباحث إلى أن الدرس الأبرز من التجربة الإثيوبية يتمثل في أن الاقتراض الخارجي ليس مشكلة بحد ذاته، وإنما تكمن المشكلة في كيفية إدارته وتوجيهه نحو مشاريع قادرة على توليد الصادرات والعملات الأجنبية.
ويوصي بزيادة الشفافية في إدارة الديون، ونشر بيانات تفصيلية عن جميع القروض الحكومية، وتعزيز الرقابة البرلمانية، وتركيز الاستثمارات على القطاعات المنتجة والصادرات بدل المشاريع ذات الطابع السياسي أو الرمزي، إلى جانب حماية الإنفاق على الصحة والتعليم والبرامج الاجتماعية خلال تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية.
ويؤكد الباحث أن خروج إثيوبيا من التعثر المالي لن يتحقق بمجرد إعادة هيكلة الديون، بل يتطلب أيضًا تحقيق الاستقرار السياسي، وإنهاء النزاعات المسلحة، وبناء اقتصاد أكثر قدرة على تحقيق النمو المستدام وتوفير العملات الأجنبية اللازمة لتجنب تكرار الأزمة مستقبلًا.