اعتراف موسيفيني: وجود أوغندا في الصومال كان تضامنًا مع إثيوبيا

بعد نحو عقدين من الوجود العسكري الأوغندي في الصومال، أثارت تصريحات الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني جدلًا واسعًا، بعدما قال إن قرار بلاده التدخل عسكريًا في الصومال لم يكن مرتبطًا بحدود أو مصلحة مباشرة في الصومال بقدر ما كان جزءًا من استراتيجية إقليمية، وخصوصًا تعبيرًا عن التضامن مع إثيوبيا.

وجاءت تصريحات موسيفيني خلال القمة الاستثنائية للدول المساهمة بقوات في بعثة الاتحاد الإفريقي (AUSSOM)، التي استضافتها العاصمة الأوغندية كمبالا في أواخر يوليو/تموز 2026، بمشاركة أوغندا وإثيوبيا وكينيا وجيبوتي ومصر وبوروندي، إلى جانب الصومال.

وقال موسيفيني إن أوغندا لا تشترك في حدود مع الصومال، وإن قرارها الانخراط في البلاد جاء، بحسب روايته، لأسباب مبدئية واستراتيجية. وحدد عاملين رئيسيين: مواجهة الجماعات الإسلامية التي وصفها بالمتطرفة التي تهدد المنطقة، والتضامن مع دول الجوار التي تواجه تهديدات أمنية، مشيرًا بصورة خاصة إلى إثيوبيا وما تعرضت له من تهديدات مرتبطة بالصراع الإقليمي.

لكن أهمية التصريح لا تكمن في كونه تبريرًا جديدًا للوجود الأوغندي فحسب، بل في أنه يعيد فتح السؤال حول الدوافع الإقليمية التي وقفت خلف التدخل العسكري الإفريقي في الصومال منذ دخول بعثة الاتحاد الإفريقي إلى البلاد عام 2007.

 

إثيوبيا في قلب المعادلة

يشير حديث موسيفيني إلى أن الأمن الصومالي لم يكن منفصلًا، في نظر بعض القوى الإقليمية، عن حساباتها الأمنية الخاصة. فقد جاءت التدخلات العسكرية في سياق إقليمي شديد التعقيد، كان الغزو الإثيوبي للصومال عام 2006 أحد أبرز تحولاته.

وبالنسبة إلى الصوماليين، ما زالت تلك المرحلة موضع جدل عميق؛ إذ يرى منتقدون أن التدخل الإثيوبي لم يكن مجرد عملية لمكافحة ما يسمى الإرهاب، وإنما أدى إلى تفاقم الصراع الداخلي وساهم في إيجاد بيئة سياسية وأمنية صعدت على إثرها الجماعات الجهادية.

ومن هنا، فإن حديث موسيفيني عن التضامن مع إثيوبيا يضع الرواية الأمنية التقليدية للتدخل الإفريقي في الصومال أمام سؤال حساس: هل كانت الأولوية دائمًا لاستقرار الصومال، أم أن أمن دول الجوار ومصالحها الاستراتيجية كان جزءًا أساسيًا من الحسابات؟

 

مهمة تواجه أزمة جديدة

تأتي تصريحات موسيفيني في وقت تواجه فيه بعثة AUSSOM أزمة تمويل واستدامة خطيرة.

فالاتحاد الإفريقي نفسه أكد في قراراته الحاجة الملحة إلى تمويل يمكن التنبؤ به ومستدام ومرن للبعثة، مع استمرار المساعي للحصول على دعم دولي.

وفي القمة الأخيرة، حذر قائد قوات الدفاع الأوغندية الجنرال موهوزي كاينيروغابا من الظروف الصعبة التي تواجه المهمة، ودعا الدول الإفريقية إلى الإسراع في إعداد ترتيبات بديلة تقودها إفريقيا، خصوصًا مع استعداد مكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال (UNSOS) لإنهاء عملياته في 31 ديسمبر/كانون الأول 2026.

وهذا يعني أن مستقبل الوجود العسكري الإفريقي في الصومال بات مرتبطًا ليس فقط بالتطورات الأمنية على الأرض، وإنما أيضًا بقدرة الدول الإفريقية على تحمل تكلفة المهمة في ظل تراجع أو تغير الدعم الخارجي.

 

بين التضامن والسيادة

المفارقة أن موسيفيني تحدث في الوقت نفسه عن ضرورة أن يحقق الصومال السلام والاستقرار ويمضي نحو تقرير مصيره، بينما تكشف تصريحاته عن أن أحد دوافع الوجود الأوغندي كان التضامن مع إثيوبيا ومواجهة تهديدات إقليمية أوسع.

وهنا تبرز قضية السيادة الصومالية باعتبارها جوهر النقاش: فمساعدة الصومال في بناء مؤسساته الأمنية شيء، وتحويل أراضيه إلى ساحة لتصفية حسابات أو حماية مصالح دول الجوار شيء آخر.

لكن التصريح يظل مهمًا لأنه يأتي من رئيس دولة شاركت قواته في المهمة منذ بدايتها تقريبًا، ويقدم قراءة مباشرة من أحد أبرز صناع القرار الإقليميين لطبيعة الحسابات التي دفعت أوغندا إلى التدخل.

ما الذي يكشفه تصريح موسيفيني؟

بعد قرابة عشرين عامًا من العمليات العسكرية، يبدو أن السؤال لم يعد فقط: هل تستطيع القوات الإفريقية البقاء في الصومال؟

بل أصبح أيضًا: أي نموذج من الوجود العسكري تحتاجه الصومال مستقبلًا؟

فإذا كان الهدف هو تمكين المؤسسات الصومالية من تولي مسؤولية أمن البلاد، فإن استمرار الاعتماد على قوات أجنبية دون استراتيجية واضحة للانتقال الكامل إلى قيادة صومالية يظل إشكالية قائمة.

أما إذا كانت حسابات دول المنطقة الأمنية والسياسية ستظل حاضرة بقوة في تحديد شكل التدخل العسكري، فإن الصومال سيبقى معرضًا لأن يكون جزءًا من معادلات أمنية تتجاوز حدوده ومصالحه الوطنية.

وبينما يستعد المجتمع الدولي والاتحاد الإفريقي لمرحلة جديدة من مهمة AUSSOM، قد تكون تصريحات موسيفيني فرصة لإعادة تقييم تجربة ما يقرب من عقدين: ماذا حققت التدخلات العسكرية الإفريقية للصومال؟ ومن كانت تخدم استراتيجيًا؟ وهل اقترب الوقت فعلًا لكي يصبح الأمن الصومالي مسؤولية صومالية خالصة؟

المؤكد أن أزمة التمويل الحالية، إلى جانب التحولات السياسية والأمنية في القرن الإفريقي، تجعل هذه الأسئلة أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.