الاحتجاجات في إيران مستمرة يرافقها ارتفاع كبير في عدد القتلى والترقب الأمريكي
لا تزال الاحتجاجات التي اشتعلت في إيران منذ نهاية ديسمبر 2025 مستمرة. وكانت قد بدأت كتظاهرات احتجاجية على الأزمة الاقتصادية الخانقة، لكنها تحولت سريعاً إلى حركة مطالبة بتغيير النظام السياسي. تزامن هذا مع تصريحات أمريكية حادة من الرئيس دونالد ترامب، الذي هدد بتدخل عسكري مباشر إذا استمر القمع الدموي للمتظاهرين . ورافق هذه التصريحات تحركات عسكرية مريبة.
وبدأت موجة الاحتجاجات الحالية في 28 ديسمبر 2025 عندما انفجرت الغضب الشعبي الواسع ضد التضخم الجامح والعملة المنهارة والأزمة الاقتصادية الحادة . سرعان ما انتشرت الاحتجاجات من طهران إلى مدن أخرى عديدة في جميع أنحاء البلاد، مما أدى إلى تحول سريع من مظاهرات احتجاجية على تكاليف المعيشة إلى حركة احتجاجية واسعة تطالب بتغيير النظام .
حجم الخسائر
أدى القمع الحكومي الشديد إلى خسائر فادحة. وفقاً لتقارير مختلفة، قُتل ما بين 5,000 و16,500 إيراني في الاحتجاجات. كما أُصيب أكثر من 3,700 شرطي في الاشتباكات، وتم اعتقال 24,348 متظاهراً . كما قُتل حوالي 500 من عناصر الأمن والشرطة. هذه الأرقام تعكس حجم الأزمة الحقيقي والقمع الشديد الذي تمارسه السلطات الإيرانية.
الإجراءات الأمنية
في 8 يناير 2026، فرضت السلطات الإيرانية إغلاقاً شبه كاملاً للإنترنت والاتصالات الهاتفية، مما قطع معظم الاتصالات العالمية
. كان الهدف من هذا الإجراء هو قمع التواصل بين المتظاهرين، إخفاء حجم الاحتجاجات الحقيقي، وكبح التقارير الإعلامية المستقلة. استمر هذا الإغلاق لعدة أيام، قبل أن يتم استعادة الوصول الجزئي للإنترنت في 19 يناير، لكن مع تصفية ثقيلة للمحتوى.
تصريحات ترامب
منذ بداية الاحتجاجات، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تصريحات حادة وتهديدات مباشرة ضد إيران. في 2 يناير 2026، كتب ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي:
“إذا قتلت إيران بعنف المتظاهرين السلميين، وهذا عادتهم، فإن الولايات المتحدة الأمريكية ستأتي لإنقاذهم. نحن مستعدون وجاهزون للعمل”.
كرر ترامب هذا التهديد عدة مرات على مدى أسبوعين، وحث المتظاهرين على “الاستيلاء على مؤسساتكم”، وأخبرهم أن “المساعدة في الطريق”. كما دعا المتظاهرين إلى الاستمرار في احتجاجاتهم، مما أثار تكهنات حول احتمالية تدخل عسكري أمريكي وشيك.
لكن في منتصف الأسبوع الماضي، بدأ ترامب بتغيير موقفه. في الأربعاء، قدم ترامب رواية طهران للأحداث – أن المتظاهرين المسلحين كانوا يستهدفون قوات الأمن. قال ترامب:“قالوا أن الناس كانوا يطلقون الرصاص عليهم بالبنادق، وكانوا يردون الرصاص. وأنت تعرف، إنها أحد تلك الأمور، لكنهم أخبروني أنه لن تكون هناك عمليات إعدام، وآمل أن يكون ذلك صحيحاً”.
بعد يومين، عبر ترامب عن “احترامه” وامتنانه لإيران لإلغائها ما قال إنها 800 عملية إعدام كانت مقررة . كما أفادت تقارير أن الولايات المتحدة كانت قريبة جداً من شن ضربات عسكرية يوم الأربعاء، لكن ترامب اختار التراجع بسبب الضغوط الإقليمية والدبلوماسية .
الضغوط الإقليمية
وفقاً لتقارير إعلامية، حذر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ترامب من أن “إسرائيل” لم تكن مستعدة للرد الإيراني وشكك في فعالية الضربة الأمريكية .كما حث ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ترامب على ممارسة ضبط النفس، مشيراً إلى المخاطر على الاستقرار الإقليمي . وقال مسؤول أمريكي لوسيلة إعلامية: “كان الأمر قريباً جداً”، وأضاف أن أمر الضربة لم يصدر أبداً .
الموقف الإيراني
رد الزعيم الأعلى الإيراني آية الله علي خامنئي على التهديدات الأمريكية بتحذيرات خاصة به. في خطاب ألقاه يوم الخميس، اعترف خامنئي للمرة الأولى بأن آلاف الأشخاص قد قُتلوا “بطريقة غير إنسانية وبربرية” ، لكنه ألقى باللوم على الولايات المتحدة على الخسائر، وسب ترامب واصفاً إياه بـ “المجرم” لدعمه للمتظاهرين، وطالب بمعاقبة صارمة للمتظاهرين .
وحذر الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان في 18 يناير من أن أي هجوم على الزعيم الأعلى للبلاد سيكون بمثابة إعلان حرب شامل ضد الأمة الإيرانية. قال بيزشكيان في منشور على منصة إكس:”الهجوم على زعيم بلادنا العظيم يعادل حرباً شاملة مع الأمة الإيرانية” .
جاء هذا التحذير في رد على تكهنات حول أن ترامب قد يفكر في محاولة اغتيال أو إزاحة خامنئي. كما ألقى بيزشكيان باللوم على الولايات المتحدة على الاحتجاجات والأزمة الاقتصادية، قائلاً:
“إذا كانت هناك مشقة وقيود في حياة شعب إيران الحبيب، فإن أحد الأسباب الرئيسية هو العداء طويل الأمد والعقوبات اللاإنسانية التي فرضتها حكومة الولايات المتحدة وحلفاؤها” .
استراتيجية ترامب: “الاستسلام الاستراتيجي”
وفقاً لتحليل معمق من مركز تشاتام هاوس، فإن الهدف الحقيقي لترامب ليس تغيير النظام بالمعنى الكلاسيكي، بل ما يسمى “الاستسلام الاستراتيجي” . هذا يعني إجبار قيادة إيران على قبول قيود دائمة على طموحاتها النووية، وتضييق دورها الإقليمي، والاعتراف بأن الولايات المتحدة مستعدة للتصعيد الفوري إذا تم تجاوز خطوطها الحمراء .
تستخدم إدارة ترامب عدة آليات للضغط على إيران. أولاً، ربط القمع الداخلي بالعواقب الخارجية- حيث حذر ترامب إيران بشكل متكرر من أن الإعدامات الجماعية ستثير عواقب، بما في ذلك احتمالية استخدام القوة .
ثانياً، الضغط الاقتصادي المتزايد – اقترحت الإدارة فرض رسم جمركي بنسبة 25 في المائة على أي دولة أو شركة تتعامل مع إيران، مما يشير إلى تحول من الضغط المالي إلى العقوبات التجارية .
ثالثاً، الإشارات العسكرية – هناك تقارير عن أن حاملة الطائرات الأمريكية يو إس إس لينكولن في طريقها إلى المنطقة .
الإشارات الدبلوماسية
رغم الضغط المتزايد، ترك ترامب الباب مفتوحاً أمام نتيجة مفاوضة. إشاراته إلى رغبته في التوصل إلى اتفاق وإلى “جعل إيران عظيمة مرة أخرى” هي إشارات معاملات موجهة للقيادة وليس للشعب الإيراني .في هذا الإطار، يبقى الإغاثة الاقتصادية وإعادة الاندماج ممكنة، لكن فقط بعد أن تقبل إيران قيوداً دائمة وقابلة للتحقق على برامجها النووية والصاروخية إلى جانب تحولات في سلوكها الإقليمي .
الضعف الإيراني: السياق الاستراتيجي
انهيار محور المقاومة
كانت إيران تعتمد على شبكة من الحلفاء الإقليميين تم بناؤها على مدى عقود، وتُعرف باسم “محور المقاومة”، لكن هذا المحور تفكك بشكل أساسي .تم إضعاف حماس وحزب الله بشكل كبير من خلال الحرب الإسرائيلية على غزة وحملة إسرائيل المدمرة في لبنان عام 2024. كما سقط الرئيس السابق بشار الأسد في سوريا على يد مقاتلي المعارضة المسلحة المعادين لطهران، الذين استولوا على السلطة لاحقاً . حتى في فنزويلا، فقدت إيران أحد آخر حلفائها الباقين عندما تم احتجاز مادورو .
الضعف العسكري
تم تقويض قدرة إيران على الردع بشكل كبير بعد أن دمرت “إسرائيل” دفاعات البلاد الجوية وأعلنت السيطرة الكاملة على أجواء البلاد في يونيو من العام الماضي . كما تم إلحاق أضرار كبيرة بالبرنامج النووي الإيراني من خلال الضربات الأمريكية (عملية منتصف الليل في يونيو 2025)، وإيران لم تعد تخصب اليورانيوم، رغم أنها تستمر في التأكيد على حقها في التخصيب .
الأزمة الاقتصادية
تفاقمت التحديات الخارجية بسبب انهيار اقتصادي حاد بعد سنوات من العقوبات. فقدت العملة الإيرانية، الريال، أكثر من 90 في المائة من قيمتها، وصلت إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق .هذا يعني أن القوة الشرائية للشعب الإيراني انهارت، مما أدى إلى الأزمة الاقتصادية التي أشعلت الاحتجاجات الحالية.
أزمة الشرعية
الاحتجاجات الحالية والقمع الشديد الذي تمارسه الحكومة تمثل أزمة شرعية حقيقية للنظام . الشراسة التي ردت بها الدولة على الاحتجاجات في الأسبوعين الماضيين تؤكد إحساسها بالضعف العميق، سواء من حيث الشرعية السياسية الداخلية أو موقفها الاستراتيجي في المنطقة وتجاه الولايات المتحدة .
العوامل الحاسمة
دور الاحتجاجات
قد تلعب الاحتجاجات الداخلية دوراً حاسماً في تحديد مسار الأحداث. إذا استمرت الاحتجاجات وتصاعدت، قد تضطر قيادة إيران إلى الاختيار بين مزيد من القمع (الذي قد يثير تدخلاً أمريكياً) أو التنازل عن بعض المطالب (الذي قد يضعف موقفها). إذا انحسرت الاحتجاجات، قد تشعر القيادة الإيرانية بأنها استعادت السيطرة وقد تصبح أكثر جرأة في تحديها للضغط الأمريكي.
دور الحلفاء الإقليميين
موقف “إسرائيل” والسعودية سيكون حاسماً. إذا ضغطت إسرائيل على ترامب للقيام بضربات عسكرية، قد يزيد احتمال التصعيد. إذا استمرت السعودية في الدعوة للاعتدال، قد يساعد ذلك في تجنب الحرب الشاملة.
الموقف الاقتصادي العالمي
قد يؤثر الوضع الاقتصادي العالمي على قرارات ترامب. إذا كان الاقتصاد الأمريكي يعاني، قد يكون ترامب أقل رغبة في خوض حرب مكلفة مع إيران. إذا كان الاقتصاد قوياً، قد يكون أكثر ميلاً للمخاطرة.
إيران تمر حالياً بأخطر فترة في تاريخ الجمهورية. الاحتجاجات الداخلية، والضعف الاقتصادي، والضغط الأمريكي المتزايد، وانهيار محور المقاومة الإقليمي – كل هذه العوامل مجتمعة تضع النظام الإيراني في موقف صعب جداً. الولايات المتحدة تحت قيادة ترامب تحاول الاستفادة من هذا الضعف لفرض “استسلام استراتيجي” على إيران، لكن المسار الفعلي للأحداث سيعتمد على قرارات القيادة الإيرانية وكيفية استجابتها للضغط.
في المدى القصير، من المحتمل أن تستمر الاحتجاجات بشكل متقطع، مع استمرار القمع الحكومي. قد تحاول إيران التفاوض مع الولايات المتحدة من موقع ضعيف نسبياً. لكن إذا فشلت المفاوضات أو إذا حدثت حادثة استفزازية، قد يؤدي ذلك إلى تصعيد عسكري سريع. الخطر الحقيقي يكمن في أن كلا الطرفين قد يسوء تقديره للموقف، مما قد يؤدي إلى جر كل المنطقة لحرب لا نهاية لها. وهو ما تحاول السعودية التصدي له.
ساجد العمري