نفط وغاز الصومال الغربي في قلب خطط إثيوبيا.. مشاريع بمليارات الدولارات وممر عبر جيبوتي وتساؤلات عن نهب الثروات وإقصاء السكان

تتوسع إثيوبيا في مشاريع استغلال النفط والغاز الطبيعي المكتشفين في الصومال الغربي، عبر منشآت لإنتاج الغاز وتسييله، ومصانع للأسمدة، وخطط لمد أنابيب نحو جيبوتي، بشراكة مع شركات صينية ومجموعة «دانغوتي» النيجيرية. وفي وقت تقدم فيه أديس أبابا هذه المشاريع باعتبارها دعامة لأمن الطاقة، يثير المشروع الذي وضع آبي أحمد وإسماعيل عمر جيله حجر أساسه مؤخرا تساؤلات بشأن غايته الحقيقية وصلته بتصدير ثروات الصومال الغربي، وسط حديث عن إخفاء تفاصيل هذه المشاريع عن السكان وحرمانهم من عائداتها.

مشروع دميرجوغ.. ما وراء الرواية المعلنة؟

ما الذي يعرف عن الخطة التي أعدتها إثيوبيا لنهب النفط والغاز الطبيعي المكتشفين في أرض الصومال الغربي؟ وما الغرض الحقيقي من مشروع قدم إلى المجتمع بصورة مضللة، ووضع آبي أحمد وإسماعيل عمر جيله حجر أساسه معا مؤخرا؟

وضع رئيس وزراء الحكومة الحبشية الإثيوبية، آبي أحمد، والرئيس الجيبوتي، إسماعيل عمر جيله، ورجل الأعمال النيجيري أليكو دانغوتي، مؤخرا، حجر الأساس لمشروع ضخم يقوم على ثروات الصومال الغربي، لكن غايته أخفيت عن عموم المجتمع الصومالي.

وجرى وضع حجر أساس هذا المشروع رسميا في الرابع والعشرين من سبتمبر الماضي، عام 2026، بالمنطقة الصناعية في دميرجوغ، جنوب مدينة جيبوتي، بالقرب من ساحل خليج عدن، من جهة الحدود المصطنعة مع الصومال. وقيل إن الخطة تشمل إنشاء منشآت لتخزين الوقود على جانبي الحدود.

وبحسب ما أكدته إثيوبيا وجيبوتي، فإن المشروع عبارة عن خط أنابيب مخصص للطاقة، سيربط مدينة دميرجوغ في إقليم عرتا بمدينة دوانلي الواقعة على الحدود المصطنعة، والتابعة لإقليم سيتي، أحد أقاليم الصومال الغربي الخاضع للاستعمار الحبشي الإثيوبي. وتبلغ المسافة بين المدينتين 120 كيلومترا.

ووصفت إثيوبيا المشروع، الذي ستتعاون في تنفيذه شركتا «إثيوبيان إنفستمنت هولدينغز» و«دانغوتي غروب»، بأنه جزء من خطة تعزيز أمن الوقود والطاقة لديها، ورفع كفاءة الممر التجاري بين البلدين.

كما قيل إن الغرض الرئيسي من هذا الخط هو نقل الوقود المكرر مباشرة إلى إثيوبيا، بما يتوقع أن يقلل التكاليف والتأخيرات الناجمة عن وسائل نقل الوقود المستخدمة حاليا.

لكن غموضا كبيرا يحيط بالتفسير الذي قدمته أديس أبابا لهذا الخط الرابط بين جيبوتي وأرض الصومال الغربي التي تسيطر عليها إثيوبيا بالقوة. ووصف محللون هذا التفسير بأنه تضليل يستهدف المجتمع الصومالي في جيبوتي والصومال الغربي.

وذكرت وسائل إعلام  أن المشروع قد تكون له صلة مباشرة بخطة تسعى من خلالها الحكومة الإثيوبية إلى نقل الغاز والنفط المكتشفين في الصومال الغربي عبر جيبوتي.

كما توصلت وكالة شهادة، بعد تحقيق ومتابعة إضافيين، إلى وجود خطة وضعتها إثيوبيا قبل عدة سنوات، تقضي بإنشاء خط أنابيب لنقل الغاز والنفط المكتشفين في الصومال الغربي إلى جيبوتي، لتصديرهما من هناك.

حقلا كالوب وهيلالا.. ثروات في صميم الطموح الاقتصادي الإثيوبي

فلنعد إلى ما آلت إليه آبار النفط والغاز الطبيعي المكتشفة في أرض الصومال الغربي، ولا سيما في إقليمي قورحي وشبيلي، والتي كثفت الحكومة الإثيوبية جهودها خلال السنوات الأخيرة للاستفادة منها.

وتشكل هذه الآبار، المعروفة باسم كالوب وهيلالا، مشروعا كبيرا للغاز الطبيعي، يتوقع أن يصبح محور طموح الحكومة الإثيوبية إلى إيجاد مصدر جديد للدخل، بحسب صحيفة «ذا ريبورتر».

ومنذ عشرينيات القرن الماضي، قيل إن شركات دولية من دول بينها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وأستراليا والصين كانت ترسل خبراء إلى الصومال الغربي للتنقيب عن النفط. وسجل أول اكتشاف لاحتياطيات نفطية في سبعينيات القرن الماضي.

وفي عام 2013، منحت إثيوبيا شركتين صينيتين تعملان تحت اسم «بولي جي سي إل بتروليوم غروب هولدينغ ليميتد» ترخيص استخراج الغاز الطبيعي والنفط الخام من آبار كالوب في مديرية شيلابو بإقليم قورحي، ومديرية هيلالا بإقليم شبيلي.

وقال أحد العاملين في الشركة، طلب عدم ذكر اسمه، لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، إن المواقع التي اكتشف فيها النفط تقع في خمس مديريات، هي شيلابو، وطوبوين، وهيغلولي، وعيل أوغادين في إقليم قورحي، ومديرية هيلالا في إقليم شبيلي.

وأظهرت معلومات حصلت عليها هيئة الإذاعة البريطانية من خبراء ومن شركة «بولي جي سي إل»، التي تتولى إدارة هذه الآبار، كيفية توزيعها في بعض المديريات، ومن ذلك:

تضم مديرية هيلالا في إقليم شبيلي نحو 19 بئرا نفطية، بينما توجد في منطقة جيحدين التابعة لمديرية شيلابو/طوبوين في إقليم قورحي 15 بئرا نفطية، وفي مديرية إيليلي/طوهار بإقليم شبيلي 13 بئرا نفطية.

أما الآبار المتبقية، فتتوزع، بحسب المعلومات، على مناطق هيغلولي وعيل أوغادين ومحيطهما. وقد تأكد وجود أكثر من 60 بئرا للنفط والغاز الطبيعي في هذه المناطق إجمالا.

سبعة تريليونات قدم مكعبة.. من تجارب الاستخراج إلى تسييل الغاز

أجرت الشركة تجارب ناجحة لاستخراج النفط والغاز عام 2018. لكن خلافا نشب في سبتمبر 2022 بين إحدى الشركتين المكلفتين بالمشروع والحكومة الإثيوبية، قبل أن يحل لاحقا.

وقبل شهر من ظهور الخلاف بين الشركة وإدارة آبي أحمد إلى العلن، أكدت شركة أمريكية تدعى «نيذرلاند، سويل آند أسوشيتس» أن حقلي الغاز كالوب وهيلالا يحتويان على سبعة تريليونات قدم مكعبة من الغاز الطبيعي.

وفي أكتوبر من العام الماضي، 2025، ظهر فجأة خبر افتتاح رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، المرحلة الأولى من مشروع الغاز الطبيعي في الصومال الغربي، والمخصص لتحويل الغاز الطبيعي إلى الغاز الطبيعي المسال المعروف اختصارا بـ«LNG»، لتسهيل تخزينه وتصديره.

وخلال حفل افتتاح هذا المشروع الضخم، الذي أخفي عن مجتمع الصومال الغربي، أعلن مسؤولون في الحكومة الحبشية الإثيوبية أن إنتاج مرحلته الأولى سيبلغ 111 مليون لتر سنويا، على أن ترتفع الطاقة الإنتاجية في المرحلة الثانية إلى 1.33 مليار لتر سنويا.

مصنع غودي للأسمدة.. ثلاثة ملايين طن سنويا بوقود من الصومال الغربي

من جهة أخرى، بدأ في مدينة غودي إنشاء مصنع لإنتاج الأسمدة الكيميائية الزراعية المستخدمة لتغذية التربة، بالتعاون بين مجموعة «دانغوتي» النيجيرية ومؤسسة الاستثمار التابعة للحكومة الإثيوبية.

ومن المخطط أن يستخدم المصنع الغاز الطبيعي المستخرج من حقلي كالوب وهيلالا، والذي سينقل إلى مدينة غودي عبر خط أنابيب بطول 108 كيلومترات. ويتوقع أن يوفر المشروع لإثيوبيا مبالغ كبيرة كانت تنفقها على استيراد الأسمدة الكيميائية من الخارج.

ومن المقرر أن ينتج هذا المصنع الضخم ثلاثة ملايين طن من الأسمدة الزراعية سنويا، ما يجعله أحد أكبر مصانع الأسمدة الزراعية في العالم من حيث حجم الإنتاج في موقع واحد، بحسب صحيفة «ذا ريبورتر» الإثيوبية.

ويقع المصنع، المتوقع أن يبدأ العمل عام 2029، على بعد نحو 100 كيلومتر من موقع مصنع الغاز الطبيعي، الذي أنجز معظم بنائه، بحسب «ذا ريبورتر»، التي زار بعض صحفييها الموقع قبل بضعة أشهر.

وقدم الدكتور صادق محمد طاهر حاجي نوري، وهو أحد المثقفين المنحدرين من الصومال الغربي، تفاصيل عن المشاريع الضخمة الجاري تنفيذها في هذه الأرض، وكيف أخفيت عن المجتمع الصومالي، وقد افتتح رئيس الوزراء آبي أحمد مؤخرا أجزاء منها.

اتفاق غاز بـ4.2 مليار دولار.. ودانغوتي يتصدر قائمة المشترين

في مارس، وقعت مجموعتا «دانغوتي» و«جي سي إل» اتفاقا لتوريد الغاز الطبيعي مدته 25 عاما، بقيمة 4.2 مليار دولار.

وبحسب «ذا ريبورتر»، اكتمل أيضا مصنع الغاز الطبيعي، وأجرت مجموعة «جي سي إل» مؤخرا تجارب إنتاج. وقد منحت الشركة ترخيص استخراج الغاز ومعالجته، فضلا عن إيصاله إلى الأسواق العالمية.

أما داخل إثيوبيا، فمن المخطط أن يكون مصنع الأسمدة التابع لرجل الأعمال النيجيري أليكو دانغوتي أكبر مشتر للغاز الذي تنتجه الشركة، فيما ستشمل قائمة المشترين الآخرين مصانع إثيوبية أخرى.

وبدأت شركات النقل الحكومية، مثل شركة حافلات العاصمة أديس أبابا «أنبيسا سيتي باص سيرفيس إنتربرايز»، بالفعل تحويل مركباتها للعمل بالغاز الطبيعي المسال، باستخدام محركات جديدة مستوردة.

وقال ليليسا دابا، وهو مهندس ومستشار يعمل مع وزير المعادن الإثيوبي: «قبل بضعة أشهر، أنشئت محطات للتزود بالغاز الطبيعي المسال في أديس أبابا وأداما وديرداوا وجيجيغا. وقد اكتملت بالفعل المحطات الموجودة في أديس أبابا…».

غاز قورحي لتشغيل حافلات أديس أبابا.. تحويل أكثر من ألفي حافلة

ذكرت صحيفة «تشاينا ديلي» قبل بضعة أشهر أن مشروع استبدال المحركات يهدف إلى تعديل أكثر من ألفي حافلة تعمل في أديس أبابا خلال ثمانية أشهر، لتعمل بالغاز المكتشف في أرض الصومال الغربي.

وقالت صحيفة «ذا ريبورتر» أيضا إن استعدادات مكثفة تجري داخل إثيوبيا لاستبدال محركات عدد كبير من حافلات «مرسيدس بنز» المملوكة للدولة، بهدف تشغيلها بالغاز الطبيعي المستخرج من إقليم قورحي.

ويأتي مشروع تحويل المركبات من الوقود إلى الغاز الطبيعي عقب اتفاق وقعه في أكتوبر من العام الماضي، 2025، رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، ورئيس مجموعة «جي سي إل»، تشو غونغشان.

وبحسب «ذا ريبورتر»، بلغت المرحلة التجريبية الأولى من المشروع محطة مهمة في 12 مايو من هذا العام، 2026، بعدما اكتمل تحويل أول حافلة للعمل بالغاز الطبيعي المسال، ونجحت الاختبارات التي أجريت عليها.

ويبدو أن الحكومة الإثيوبية قد شمرت عن ساعديها لنهب ثروات الأمة الصومالية، ولا سيما النفط والغاز المكتشفين في أرض الصومال الغربي، اللذين أخفي أمرهما تماما عن سكان هذه المناطق، ولم يسمح لهم بأي نصيب فيهما.

شبكة لتسويق الغاز ومصفاة بطاقة 3.5 مليون طن

أنشأت إثيوبيا شركة جديدة باسم «إثيو غاز ماركتينغ إندستري بي إل سي»، وأسندت إليها مهمة بناء هذه المحطات. ومن جهة أخرى، من المخطط أن تكون المؤسسة الإثيوبية لتوريد البترول «EPSE»، المملوكة للحكومة الإثيوبية، وسيطا بين «جي سي إل» والمشترين، وأن تتولى شراء الغاز الطبيعي الذي تنتجه الشركة.

وقيل إن المسؤولين الإثيوبيين يريدون بدء الإنتاج بمعدل 200 ألف متر مكعب من الغاز يوميا، مع خطة لرفعه في المستقبل القريب إلى نحو 500 ألف متر مكعب يوميا.

كما قيل إن خطة لاستخدام الغاز الطبيعي في المنازل، عبر تحويله إلى الغاز البترولي المسال المعروف اختصارا بـ«LPG»، أدرج إنتاجه أيضا ضمن المراحل اللاحقة للمشروع.

وتعمل مجموعة «جي سي إل» كذلك على إنشاء مصفاة للنفط الخام، مصممة لتكرير 3.5 مليون طن سنويا من النفط الخام المستخرج من آبار هيلالا في منطقة شيلابو.

أما الخطة التي سبق أن وضعتها إثيوبيا لنقل الغاز الطبيعي عبر خط أنابيب إلى جيبوتي، لتصديره من هناك، فقد أكدها لصحيفة «ذا ريبورتر» المهندس ليليسا دابا، مستشار وزير المعادن الإثيوبي.

رفع الاستثمارات إلى أربعة مليارات دولار.. أنابيب وكهرباء ومصانع إضافية

في 17 مايو من هذا العام، 2026، زار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ورجل الأعمال أليكو دانغوتي موقع مشروع مصنع الأسمدة في غودي، وكذلك آبار الغاز والنفط في منطقة شيلابو بإقليم قورحي.

وأعلنا خطة لزيادة الاستثمارات في المشروع إلى أربعة مليارات دولار، بعدما كانت 2.5 مليار دولار، وهو المبلغ الذي تعهدا به العام الماضي.

وبحسب ما أعلن، خصصت الأموال الإضافية لتمويل إنشاء خط أنابيب يربط مصنع الأسمدة بمصفاة «جي سي إل»، ومحطة كهرباء بقدرة 120 ميغاواط، ومصنع لإنتاج البلاستيك المستخدم في صناعة أكياس الأسمدة وغيرها من المستلزمات، ومصنع لخلط بعض أنواع الأسمدة بطاقة إنتاجية تبلغ مليوني طن سنويا.

60% لدانغوتي و40% لإثيوبيا… ماذا بقي لأصحاب الثروة؟

وللدلالة على كيفية تقاسم ثروات الصومال الغربي، يكفي أن مجموعة «دانغوتي» تمتلك 60% من أسهم مصنع الأسمدة، فيما استحوذت الحكومة الإثيوبية على النسبة المتبقية، البالغة 40%، عبر شركة «إثيوبيان إنفستمنت هولدينغز» «EIH».

وما دام الصومال الغربي يخرج خالي الوفاض من عائدات الثروات التي أنعم الله سبحانه وتعالى بها عليه، فما الذي بقي لسكانه ليستفيدوا منه في هذه المشاريع؟ وها هو الدكتور صادق يعود لتقديم مزيد من التفاصيل حول هذه المسألة.

وانتقد فارح معلم، عضو مجلس البرلمان الكيني، أي البرلمان الكيني، بشدة الاستعمار الذي يخضع له الصومال الغربي، وكيفية تبديد ثرواته، مشيرا أيضا إلى خطة يعمل آبي أحمد من خلالها على تعميق الانقسام بين أبناء مجتمع الصومال الغربي.

وفي الختام، يسلط الدكتور صادق الضوء على الوضع الاستعماري المتردي الذي اعتاد عليه مجتمع الصومال الغربي، بعدما حول أفراده جميعا إلى مجرد مصفقين، وأزيلت التنظيمات المطالبة بالحقوق التي ظلت تقاتل في هذه المناطق زمنا طويلا.