الدور التركي البراغماتي: بين الاستقلال الاستراتيجي والتكامل الغربي
يستمر التدخل التركي في الساحات الإقليمية، كما تجلى في البيان الأخير لمجلس الأمن القومي التركي الذي أكد التزام أنقرة بأمن سوريا، وغزة، والصومال . وبعيدا عن التفسيرات السطحية للسياسة الخارجية التركية، لنتحدث قليلا عن البراغماتية السياسية التي تحركها، وكيف أن هذا الدور، الذي يبدو في ظاهره مستقلاً أو حتى مناهضاً للغرب في بعض الأحيان، يخدم في جوهره استراتيجية تكميلية للأهداف الغربية والأمريكية في المناطق التي يعجز فيها الحضور المباشر للقوى الكبرى.
تعتمد السياسة الخارجية التركية، خاصة في عهد الرئيس رجب طيب أردوغان، على مبدأ “الغموض الاستراتيجي”، حيث تسعى لتحقيق الاستقلال الاستراتيجي عبر الموازنة بين علاقاتها مع حلف الناتو، وتقاربها مع قوى مثل روسيا والصين . هذه الموازنة ليست هدفاً بحد ذاتها، بل أداة لتعظيم المكاسب الإقليمية والدولية.
البراغماتية التركية: استراتيجية بلا عقيدة
توصف السياسة الخارجية التركية بأنها سياسة براغماتية بامتياز، تستثمر الأزمات الدولية والإقليمية لتقوية مكانتها وتعزيز نفوذها . هي استراتيجية “بلا عقيدة متماسكة”، تُحركها المصالح قصيرة الأجل، والانتهازية الأيديولوجية، والاعتبارات الشعبوية الداخلية .
|
سمة البراغماتية التركية
|
الوصف والهدف
|
|
الانتهازية الجيوسياسية
|
استغلال الفراغات الأمنية والسياسية الناتجة عن تراجع أو تردد القوى الكبرى (الولايات المتحدة وأوروبا) للتدخل وملء الفراغ ومنع انهيار النظام لصالح الهيمنة الغربية.
|
|
تعدد الأدوات
|
استخدام مزيج من القوة العسكرية (الطائرات المسيرة)، والمساعدات الإنسانية (تيكا)، والاستثمارات الاقتصادية، والدبلوماسية .
|
|
المصالح الداخلية
|
ربط النجاحات الخارجية بالبقاء السياسي للنظام الحاكم، وتوفير منافذ اقتصادية جديدة لدعم الاقتصاد التركي .
|
|
الاستقلال الاستراتيجي
|
السعي لتقليل الاعتماد على الغرب مع الحفاظ على عضوية الناتو، مما يمنحها قوة تفاوضية أكبر .
|
الدور التكميلي: تركيا كـ “قناة استراتيجية” للغرب
إن التدخل التركي المستمر في مناطق النزاع لا يتعارض بالضرورة مع الأهداف الغربية، بل غالباً ما يكون مكملاً لها، خاصة في المناطق التي يفضل فيها الغرب تجنب التورط المباشر أو العسكري.
-
الساحل الإفريقي والصومال: مكافحة الإرهاب والاحتواء
في منطقة الساحل الإفريقي والقرن الإفريقي، حيث تتزايد المخاوف الغربية من تمدد النفوذ الروسي والصيني وتصاعد النفوذ الجهادي، يبرز الدور التركي كـ “قناة استراتيجية” للغرب .
- الصومال: قدمت تركيا نموذجاً فريداً للتدخل في الصومال، يجمع بين بناء البنية التحتية، والمساعدات الإنسانية، وتدريب الجيش الصومالي . هذا الدور يخدم بشكل مباشر الأهداف الغربية في منع إقامة نظام حكم إسلامي مستقل (حركة الشباب المجاهدين) ومنع انهيار الدولة العميلة للغرب، وهو ما يصب في مصلحة الأمن الإقليمي والدولي الذي يسعى إليه الغرب .
- الساحل: يوفر الحضور العسكري التركي (عبر بيع الطائرات المسيرة والتدريب) للغرب وسيلة لإعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية دون الحاجة إلى وجود عسكري مباشر مكلف ومثير للجدل .
- آسيا الوسطى والقوقاز: احتواء النفوذ الروسي والصيني، حيث تتفق المصالح التركية مع الأهداف الأمريكية والغربية في احتواء النفوذ الروسي والصيني . وتُعتبر تركيا قوة إقليمية صاعدة قادرة على موازنة النفوذ الروسي والإيراني والصيني في هذه المناطق . وعبر روابط اللغة والثقافة والتاريخ، تسعى تركيا لتعزيز التعاون مع دول آسيا الوسطى، مما يفتح جبهة ناعمة للغرب في مناطق نفوذ تقليدية لموسكو وبكين .
– سوريا: إدارة الصراع وتثبيت الحدود
في سوريا، وعلى الرغم من التوترات الظاهرة مع واشنطن، فإن الوجود التركي يخدم هدفين غربيين رئيسيين:
1.احتواء التمدد الإيراني: الوجود التركي في الشمال السوري يمثل حاجزاً أمام التمدد الإيراني، وهو هدف استراتيجي للولايات المتحدة وما يسمى “إسرائيل.”
2.إدارة أزمة اللاجئين: يساهم الوجود التركي في تثبيت مناطق آمنة نسبياً، مما يقلل من تدفق اللاجئين نحو أوروبا، وهو مصلحة أوروبية عليا.
أهداف البراغماتية التركية: المكاسب مقابل الخدمة
إن الدور التكميلي الذي تلعبه تركيا ليس مجانياً، بل هو جزء من صفقة براغماتية معلنة وغير معلنة. تسعى أنقرة من خلال تدخلاتها إلى تحقيق أهدافها الخاصة:
1.تعزيز القوة الإقليمية: تثبيت مكانتها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية مستقبلية، سواء في سوريا أو ليبيا أو القرن الإفريقي .
2.الضغط على الناتو: استخدام نفوذها الإقليمي كأداة ضغط على حلفائها في الناتو للحصول على تنازلات سياسية أو عسكرية (مثل الحصول على تكنولوجيا عسكرية أو دعم في ملفات مثل مكافحة حزب العمال الكردستاني).
3.المكاسب الاقتصادية: فتح أسواق جديدة للمنتجات التركية، خاصة الصناعات الدفاعية (الطائرات المسيرة)، والحصول على عقود بناء واستثمار في البنية التحتية .
الخلاصة
تظهر المتابعة أن الدور التركي في الساحات الإقليمية، رغم خطابه الاستقلالي، هو دور براغماتي بامتياز، يهدف إلى تحقيق مصالح تركيا العليا عبر استغلال الفراغات الجيوسياسية. إن هذا الدور، الذي يتسم بـ “الغموض الاستراتيجي”، يتكامل بشكل فعال مع الأهداف الغربية والأمريكية في مناطق النزاع، حيث تعمل تركيا كـ “وكيل” أو “شريك تكميلي” يقوم بمهام لا تستطيع القوى الغربية القيام بها مباشرة. هذا التناغم المعقد هو ما يجعل تركيا، بالنسبة للغرب، “القوة الإقليمية الضرورية” ، حتى مع استمرار التوترات الظاهرة بين الطرفين. ويفسر جزئيا عدم إهانة الرئيس الأمريكي ترامب لتركيا ورئيسها كما يفعل مع بقية حلفائه.
ساجد العمري