السعودية وإيران بين التصعيد والتهدئة: هل ينجح مشروع “اتفاق عدم اعتداء” في الشرق الأوسط؟
تشهد منطقة الشرق الأوسط تحولات سياسية وعسكرية متسارعة بعد الحرب الأميركية-الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران، حيث بدأت دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، في إعادة تقييم مستقبل الأمن الإقليمي والعلاقات مع طهران. وفي هذا السياق، كشفت تقارير صحفية غربية عن تحركات سعودية لطرح اتفاق “عدم اعتداء” بين دول المنطقة وإيران، في محاولة لتجنب اندلاع مواجهة إقليمية شاملة جديدة.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة فايننشال تايمز، فإن السعودية ناقشت مع حلفائها تصورًا جديدًا للأمن الإقليمي يقوم على تخفيف التوترات مع إيران، مستلهمةً نموذج “اتفاقية هلسنكي” لعام 1975 التي ساهمت في تخفيف حدة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفيتي والغرب. ويأتي هذا التوجه في وقت تشعر فيه دول الخليج بقلق متزايد من احتمال تراجع الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، خاصة بعد تعرض قواعد أميركية لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة إيرانية أدت إلى تدمير أو إلحاق أضرار كبيرة بعدد منها.
ورغم أن السعودية والإمارات شاركتا، وفق تقارير إعلامية، في ضربات عسكرية مباشرة ضد إيران خلال الحرب الأخيرة، إلا أن مواقف البلدين بدأت تبدو مختلفة بشكل واضح. فبينما تتجه أبوظبي نحو موقف أكثر تشددًا تجاه طهران، تبدو الرياض أكثر ميلاً إلى التهدئة واحتواء التصعيد.
وترى السعودية أن استمرار الصراع المفتوح مع إيران قد يهدد استقرار المنطقة بأكملها، خصوصًا مع تصاعد الهجمات المتبادلة وتوسع دائرة الحرب لتشمل العراق والخليج. كما تدرك الرياض أن أي مواجهة طويلة قد تؤثر بشكل خطير على الاقتصاد الإقليمي وأسواق الطاقة العالمية.
في المقابل، من المتوقع أن يواجه أي اتفاق محتمل لعدم الاعتداء معارضة قوية من الاحتلال الإسرائيلي، الذي يعتبر إيران التهديد الأكبر لأمنه القومي، ويسعى إلى بناء تحالف إقليمي مضاد لطهران عبر “اتفاقيات أبراهام” التي وقعها مع الإمارات والبحرين عام 2020. وتشير التقارير إلى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يُحمَّل في العديد من العواصم العربية والإسلامية مسؤولية دفع الولايات المتحدة نحو الحرب مع إيران.
وفي تطور آخر يعكس تعقيد المشهد، كشفت وكالة “رويترز” أن السعودية نفذت غارات جوية ضد فصائل عراقية موالية لإيران خلال فترة الحرب. واستهدفت الضربات مناطق قرب الحدود العراقية-السعودية، قالت الرياض إن الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة انطلقت منها باتجاه أراضيها.
كما أفادت التقارير بأن الولايات المتحدة شنت بدورها غارات مكثفة على قوات “الحشد الشعبي” العراقية، ما أدى إلى مقتل العشرات من المقاتلين، إضافة إلى سقوط جنود من الجيش العراقي. وتزامن ذلك مع هجمات نفذتها جماعات عراقية موالية لإيران ضد قواعد ومصالح أميركية في المنطقة.
هذه التطورات تكشف أن الشرق الأوسط يقف أمام مرحلة جديدة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحسابات الأمنية مع المصالح السياسية والاقتصادية. وبينما تحاول السعودية فتح باب للحوار الإقليمي مع إيران لتجنب حرب طويلة الأمد، تبقى فرص نجاح أي اتفاق مرهونة بقدرة الأطراف المختلفة على تجاوز حالة انعدام الثقة، إضافة إلى موقف إسرائيل والولايات المتحدة من أي تسوية قد تمنح طهران دورًا أكبر في المنطقة.
وفي ظل استمرار التوتر، يبدو أن المنطقة ستظل تعيش على وقع صراع بين خيارين: التصعيد العسكري المفتوح، أو التوجه نحو ترتيبات أمنية جديدة قد تعيد رسم ملامح الشرق الأوسط في السنوات المقبلة.