السياسة الإعلامية للإمارات ودورها في خدمة المشاريع الجيوسياسية الإسرائيلية
تعتمد الإمارات استراتيجية متكاملة لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي، لا تقتصر على الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية التقليدية، ولا العسكرية والاستخباراتية والأمنية فحسب، بل تمتد لتشمل سياسة إعلامية هجومية ودفاعية معقدة.
الأبعاد الاستراتيجية للسياسة الإعلامية الإماراتية
تتسم السياسة الإعلامية الإماراتية بالازدواجية، حيث تجمع بين تعزيز القوة الناعمة على المستوى العالمي، واستخدام القوة الخشنة الرقمية في الفضاء السيبراني الإقليمي.
-
القوة الناعمة وتعزيز الصورة العالمية
تستثمر الإمارات بشكل كبير في بناء صورة دولية إيجابية كمركز للتسامح، الابتكار، والاستقرار الاقتصادي. يتم ذلك عبر:
- الاستثمار في الإعلام الدولي: امتلاك أو التأثير على مؤسسات إعلامية كبرى، واستضافة فروع لوسائل إعلام عالمية، مما يضمن تغطية إيجابية أو محايدة لسياساتها.
- اللوبيات والعلاقات العامة: تُعد شبكة اللوبيات الإماراتية في عواصم القرار الغربية، خاصة واشنطن ولندن، من بين الأقوى عالمياً. تعمل هذه الشبكات عبر شركات علاقات عامة ومراكز أبحاث على توجيه النقاشات السياسية والإعلامية بما يخدم الأجندة الإماراتية، بما في ذلك الضغط لتصنيف خصومها ككيانات مزعزعة للاستقرار.
-
الذباب الإلكتروني كأداة للتدخل الرقمي
يُشير مصطلح “الذباب الإلكتروني” إلى شبكات من الحسابات الوهمية أو الحسابات المدارة من قبل أشخاص مأجورين، تعمل بشكل منسق على منصات التواصل الاجتماعي. وتُتهم الإمارات، وفقاً لتقارير دولية، باستخدام هذه الأداة كجزء من عمليات التأثير الرقمي الموجهة .
“تُظهر التقارير أن دولاً مثل الإمارات ومصر والمملكة العربية السعودية وتركيا متورطة في عمليات معلوماتية تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لتشكيل التصورات حول الأحداث الإقليمية.”
أهداف الذباب الإلكتروني الإماراتي:
- تلميع الصورة: نشر محتوى إيجابي ومضلل حول الإنجازات والسياسات الإماراتية.
- مهاجمة الخصوم: شن حملات تشويه منظمة ضد الحكومات أو الشخصيات أو التيارات التي تعتبرها الإمارات معادية لمصالحها (مثل جماعات الإسلام السياسي، أو الحكومات التي تعارض تدخلاتها) أو جماعات المقاومة والجهاد.
- توجيه الرأي العام: تضخيم وسوم (هاشتاغات) معينة لإيهام الرأي العام بوجود تأييد شعبي واسع لسياسة ما، أو لتشتيت الانتباه عن قضايا حساسة.
دراسة حالة: صومالي لاند والاعتراف الإسرائيلي
تُعد حالة صومالي لاند (التي أعلنت استقلالها من جانب واحد عن الصومال عام 1991) مثالاً واضحاً على كيفية تقاطع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية الإماراتية مع الأهداف الأمنية الإسرائيلية، وكيف يتم استخدام الأدوات الإعلامية والسياسية لخدمة هذا التقاطع.
-
المصالح الإماراتية في القرن الأفريقي
ترتكز المصالح الإماراتية في صومالي لاند على موقعها الاستراتيجي المطل على خليج عدن وباب المندب، وهو ممر مائي حيوي للتجارة العالمية.
- السيطرة على الموانئ: استثمرت شركة موانئ دبي العالمية مئات الملايين من الدولارات في تطوير ميناء بربرة، مما يمنح الإمارات سيطرة فعلية على نقطة بحرية حيوية. هذا الاستثمار يضمن موطئ قدم استراتيجي بعيداً عن سيطرة الحكومة المركزية في مقديشو، التي عارضت الصفقة.
- تطويق النفوذ الإقليمي: يهدف التواجد الإماراتي إلى مواجهة النفوذ التركي والقطري في الصومال، واللذين يدعمان الحكومة المركزية في مقديشو. وعرقلة الصعود الجهادي الإسلامي الذي يستقوي في جنوب ووسط الصومال ويتمدد شمالا.
توثيق رحلات دعم عسكري من الإمارات إلى صومالي لاند بعد إعلان الاحتلال الإسرائيلي الاعتراف باستقلال الإقليم
-
الدور الإماراتي في تعزيز الاعتراف الإسرائيلي
في ديسمبر 2025، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاعتراف الرسمي بـ “صومالي لاند” كدولة مستقلة، لتصبح “إسرائيل” أول دولة في العالم تقدم على هذه الخطوة . تشير تقارير استخباراتية وإعلامية إلى أن هذا الاعتراف لم يكن بمعزل عن التنسيق الإماراتي.
- الوساطة والتمويل: أكدت تقارير إسرائيلية وغربية أن الإمارات لعبت دور الوسيط في المحادثات بين تل أبيب وهرجيسا (عاصمة صومالي لاند)، بل وقامت بتمويل جزئي لمشروع إنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية محتملة في المنطقة .
- الهدف الأمني المشترك: يخدم الاعتراف الإسرائيلي هدفاً أمنياً مشتركاً مع الإمارات، وهو تأمين الملاحة في البحر الأحمر ومراقبة مضيق باب المندب، خاصة في ظل التهديدات المتزايدة على المشروع الإسرائيلي المستفز للعالم الإسلامي.
-
توظيف الذباب الإلكتروني في قضية صومالي لاند
على الرغم من أن الإمارات لم تعلن رسمياً اعترافها بصومالي لاند، إلا أن سياساتها الإعلامية غير الرسمية كانت داعمة بشكل واضح.
- الحملات الموجهة: تم رصد حملات إلكترونية منسقة، يُعتقد أنها مرتبطة بالذباب الإلكتروني الإماراتي، تروج لفكرة أن استقلال صومالي لاند هو الحل للاستقرار الإقليمي، وتهاجم كل من يعارض الاستقلال وتروج لمشاهد شاذة جدا في المجتمع الصومالي لمناصرين للاحتلال يستجدون اليهود بصفاقة. وإن كان هذا الواقع معروفا عن سلطات صومالي لاند فهو لا يمثل الشعب الصومالي.
- ربط الاستقلال بالتحالف: عملت هذه الحملات على ربط الاعتراف الإسرائيلي بصومالي لاند بمنافع اقتصادية وأمنية، وتصويره كجزء من توسيع نطاق اتفاقيات أبراهام ليشمل القرن الأفريقي.
يوضح الجدول التالي تقاطع المصالح في حالة صومالي لاند:
| الجهة | المصلحة الرئيسية | الدور الإماراتي | الأداة الإعلامية/الرقمية | |
| الإمارات
|
السيطرة على ميناء بربرة وتأمين النفوذ في القرن الأفريقي. | الاستثمار في البنية التحتية، الوساطة مع “إسرائيل”، التمويل. | الذباب الإلكتروني لتشويه كل من يعارض صومالي لاند أو الإمارات أو “إسرائيل”
والترويج للاستقلال. |
|
| “إسرائيل” | إنشاء موطئ قدم أمني لمواجهة الحوثيين وتأمين البحر الأحمر وعرقلة أي صعود جهادي نحو البحر | الحصول على التمويل والتنسيق اللوجستي من الإمارات. | الاعتراف الرسمي لخدمة الأهداف الجيوسياسية المشتركة | |
| صومالي لاند | الحصول على اعتراف دولي وتدفق الاستثمارات. | الحصول على دعم اقتصادي وسياسي غير مباشر من محور أبوظبي-تل أبيب. | الترويج للتحالفات الجديدة عبر منصات التواصل الاجتماعي | |
وفي الختام
تُظهر السياسة الإعلامية للإمارات أنها أداة استراتيجية متعددة الأوجه، تتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية. من خلال توظيف الذباب الإلكتروني واللوبيات القوية، تسعى الإمارات إلى تشكيل الرأي العام وصناعة القرار الدولي لخدمة تدخلاتها ومشاريعها الجيوسياسية المتصلة بالمشروع الإسرائيلي الأكبر. وتُعد حالة صومالي لاند، وما صاحبها من تنسيق إماراتي-إسرائيلي لتعزيز الاعتراف، دليلاً ملموساً على كيفية استخدام هذه الأدوات الإعلامية والرقمية لصناعة وقائع سياسية وأمنية جديدة في مناطق النفوذ الحيوية، خاصة في الممرات المائية الاستراتيجية مثل البحر الأحمر.
ويبقى التعويل على صناعة وعي إعلامي مستقل وحر، مضاد للسياسات الإماراتية وفضحها وتمزيق أي مصداقية مضللة تدعيها.
عبد الغني أحمد

