القرن الأفريقي على حافة الانفجار: صراع الممرات والمياه يهدد بحرب إقليمية
دخلت منطقة القرن الأفريقي مرحلة دقيقة من التوتر المتصاعد، في ظل احتدام الخلاف بين إثيوبيا من جهة، والصومال ومصر من جهة أخرى، فيما بات يُعرف بـ”أزمة الممر الكبير”. هذه الأزمة، التي بدأت كخلاف تقني حول سد النهضة، تحولت تدريجياً إلى صراع جيوسياسي معقد يمس قضايا السيادة والموارد الحيوية، ويهدد بإعادة رسم خريطة التحالفات في القارة الأفريقية.
الممر البحري… طموح إثيوبي يصطدم بالسيادة الصومالية
تشكل قضية الوصول إلى البحر جوهر التصعيد الحالي. فإثيوبيا، الدولة الحبيسة التي يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة، وقعت مذكرة تفاهم مثيرة للجدل مع إقليم “أرض الصومال”، تتيح لها استخدام شريط ساحلي بطول 20 كيلومتراً على البحر الأحمر، مع إمكانية إنشاء قاعدة عسكرية في منطقة بربرة لمدة تصل إلى 50 عاماً.
في المقابل، اعتبرت الحكومة الصومالية هذه الخطوة انتهاكاً صارخاً لسيادتها ووحدة أراضيها، وأعلنت بطلان الاتفاق قانونياً، محذّرة من أن أي وجود عسكري إثيوبي سيُعامل كقوة احتلال.
أما أديس أبابا، فتتمسك بموقفها، حيث يرى رئيس الوزراء آبي أحمد أن حصول بلاده على منفذ بحري لم يعد خياراً، بل “ضرورة وجودية”، في ظل التحديات الاقتصادية والاستراتيجية المتزايدة.
سد النهضة… أزمة مستمرة ومخاوف جديدة
بالتوازي مع التصعيد الساحلي، لا تزال أزمة سد النهضة تراوح مكانها، في ظل تعثر المفاوضات بين إثيوبيا ومصر والسودان.
تؤكد القاهرة أن أمنها المائي “خط أحمر”، وتطالب باتفاق قانوني ملزم ينظم عمليات ملء وتشغيل السد، خاصة خلال فترات الجفاف. وفي تطور لافت، أثارت تقارير بحثية حديثة مخاوف بشأن وجود تسربات مائية محدودة وهبوط أرضي في محيط السد، ما زاد من قلق دول المصب.
في المقابل، ترفض إثيوبيا هذه التقارير، وتصفها بأنها “حملات مضللة”، مؤكدة سلامة السد واستمراره في العمل وفق الخطط المعلنة.
تقارب مصري–صومالي… ضغط متصاعد
شهدت الفترة الأخيرة تقارباً ملحوظاً بين مصر والصومال، تُرجم إلى اتفاقيات تعاون عسكري وأمني، إضافة إلى إرسال مساعدات ودعم لوجستي مصري إلى مقديشو.
ويرى مراقبون أن هذا التقارب يهدف إلى تشكيل محور ضغط على إثيوبيا، عبر تعزيز الحضور في منطقة البحر الأحمر وخليج عدن، بما يشبه “كماشة استراتيجية” تدفع أديس أبابا لإعادة حساباتها، سواء في ملف الممر البحري أو مفاوضات السد. لكن لم تتبين جدواه، خصوصا مع فساد وهشاشة الحكومة الصومالية التي أساسا لا تسيطر على كل البلاد.
وساطات دولية… سباق مع الزمن لاحتواء الأزمة
في ظل هذا التصعيد، تتحرك قوى إقليمية ودولية لمحاولة احتواء الموقف:
- تركيا تسعى للعب دور الوسيط، عبر طرح حلول توازن بين احتياجات إثيوبيا الاقتصادية واحترام سيادة الصومال، مع التركيز على تسهيلات تجارية بدلاً من ترتيبات سياسية مثيرة للجدل.
- الولايات المتحدة أبدت اهتماماً متجدداً بالوساطة، مع حديث عن “صفقة شاملة” قد تربط بين تسوية أزمة السد ومشاريع استثمارية كبرى، دون وضوح كامل حول ملامحها.
منطقة على صفيح ساخن
لم تعد أزمة القرن الأفريقي مجرد نزاع حدودي أو مائي، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لتوازنات القوة في المنطقة. ومع اقتراب موسم الجفاف وارتفاع منسوب التوتر، تزداد المخاوف من أن يؤدي أي خطأ في الحسابات إلى انزلاق نحو مواجهة إقليمية واسعة.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تنجح الدبلوماسية في احتواء الأزمة، أم أن المنطقة مقبلة على فصل جديد من الصراع؟