بين «الحرب النووية المحدودة» وذاكرة ناغازاكي: هل يتراجع العالم أمام عتبة نووية جديدة؟

في الوقت الذي كانت فيه مدينة ناغازاكي اليابانية تحيي الذكرى الـ81 للقصف النووي الذي تعرضت له عام 1945، كانت الولايات المتحدة تتحرك باتجاه مراجعة جديدة لاستراتيجيتها النووية، تثير مخاوف متجددة بشأن مستقبل الردع النووي وإمكانية الانتقال من التهديد باستخدام السلاح النووي إلى التفكير في توظيفه ضمن صراعات إقليمية محدودة.

فبحسب تقرير نشرته NBC News، يعمل البنتاغون على إعداد استراتيجية نووية جديدة يُتوقع أن تمنح الرئيس الأمريكي خيارات أوسع لاستخدام الأسلحة النووية التكتيكية في حال اندلاع صراع نووي محتمل، خصوصًا في مواجهة أزمات إقليمية مرتبطة بقوى كبرى مثل روسيا والصين. ويتولى إعداد هذه الاستراتيجية إلبريدج كولبي، وكيل وزارة الدفاع الأمريكي للسياسات، المعروف منذ سنوات بدعوته إلى تطوير القدرات اللازمة لخوض ما يُسمى بـ«الحرب النووية المحدودة».

 

من الردع الاستراتيجي إلى «الخيارات» المحدودة

يمثل التوجه المطروح تحولًا مهمًا في التفكير النووي الأمريكي. فبدل أن تتركز الاستراتيجية بصورة أساسية على الأسلحة النووية الاستراتيجية القادرة على إحداث دمار واسع ضد الخصم، يبرز توجه يمنح صانع القرار خيارات لاستخدام أسلحة نووية منخفضة القوة في ساحات صراع محددة.

ويقوم المنطق الذي يقدمه أنصار هذا التوجه على أن الردع لا يكون مقنعًا إذا اقتصر على خيارين متطرفين: عدم الرد، أو الدخول في حرب نووية شاملة. ولذلك يرون أن امتلاك أسلحة أصغر وأكثر قابلية للاستخدام قد يجعل التهديد بالردع أكثر مصداقية، ويمنح القيادة السياسية خيارات إضافية في حال نشوب مواجهة مع خصم نووي.

وقد دافع كولبي عن هذا التصور منذ سنوات. ففي دراسة نشرها عام 2015، دعا إلى تطوير المنصات والأسلحة والعقيدة والتخطيط اللازم لخوض حرب نووية محدودة بصورة أكثر فاعلية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على القدرة على التصعيد إلى حرب شاملة إذا اقتضى الأمر.

وفي مقال نشرته Foreign Affairs عام 2018، ذهب كولبي إلى أن الولايات المتحدة تحتاج، إلى جانب القوة التقليدية، إلى استراتيجية وقدرات نووية تسمح لها بخوض حرب نووية محدودة وتحقيق أهدافها فيها.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية: ما يُطرح باعتباره وسيلة لمنع الحرب قد يصبح، في نظر خصومه، عاملًا يزيد احتمال اندلاعها.

 

مخاوف من جعل السلاح النووي «أكثر قابلية للاستخدام»

تحذر جماعات الحد من التسلح من أن زيادة عدد الخيارات النووية أو تطوير أسلحة منخفضة القوة قد تخفض الحاجز السياسي والنفسي أمام استخدامها.

وقالت جمعية الحد من الأسلحة (Arms Control Association) إنها تعارض بشدة قرار الإدارة الأمريكية تطوير مزيد من الأسلحة النووية التكتيكية، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل قدرات نووية منخفضة القوة، من بينها قنابل B61-12 المنتشرة في أوروبا والرأس الحربي W76-2 منخفض القوة المستخدم مع صواريخ تُطلق من الغواصات.

كما أشارت الجمعية إلى أن البحرية الأمريكية تعمل على تطوير صاروخ كروز نووي يُطلق من البحر، يمكن أن يصبح متاحًا في نهاية العقد، مع احتمال استخدامه في صراع محتمل مع الصين.

المشكلة، وفق هذا المنظور، لا تتعلق فقط بحجم السلاح النووي، وإنما بكيفية تغير الحسابات السياسية والعسكرية عندما يصبح استخدام السلاح النووي خيارًا مطروحًا في نزاع إقليمي.

فإذا كان السلاح النووي الاستراتيجي مرتبطًا في الوعي السياسي باحتمال الدمار الشامل، فإن السلاح التكتيكي منخفض القوة قد يُنظر إليه باعتباره أداة أكثر محدودية. لكن هذا التصور يواجه سؤالًا جوهريًا: هل يمكن بالفعل ضمان بقاء الاستخدام النووي «محدودًا»؟

فالطرف الآخر قد لا يتعامل مع الضربة باعتبارها خطوة منفصلة ومحدودة، بل قد يفسرها باعتبارها بداية لتصعيد أكبر، فيرد بطريقة أوسع، لتدخل المواجهة في سلسلة من التصعيد يصعب التحكم بمسارها.

 

ناغازاكي: ذاكرة التاريخ في مواجهة منطق الردع

وفي اليوم نفسه الذي برزت فيه هذه النقاشات، كانت ناغازاكي تستعيد ذكرى الكارثة التي جعلتها واحدة من أبرز رموز الخطر النووي في العالم.

وفي مراسم إحياء الذكرى الـ81 للقصف، حذر عمدة المدينة شيرو سوزوكي من تزايد مخاطر الحرب النووية، مؤكدًا أن الأسلحة النووية ليست «شرًا ضروريًا»، وإنما شر مطلق لا يمكن أن يتعايش مع الإنسانية.

كما وصف مفهوم الردع النووي بأنه «خطير وهش للغاية»، في وقت تشهد فيه البيئة الدولية توترات متصاعدة مرتبطة بالحرب الروسية الأوكرانية والصراعات في الشرق الأوسط.

وتأتي هذه الذكرى في ظل استمرار وجود أكثر من 12 ألف رأس نووي حول العالم، بحسب ما أشار إليه سوزوكي، وفي وقت أخفقت فيه الدول المشاركة في المؤتمر الاستعراضي لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية في مايو 2026 في التوصل إلى وثيقة ختامية توافقية، للمرة الثالثة على التوالي.

وحذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن مخاطر سوء الحسابات والتصعيد والصراع تتزايد عامًا بعد عام، معتبرًا أن استمرار البشرية تحت تهديد نووي دائم أمر غير مقبول.

 

عالم يتراجع فيه منطق نزع السلاح

تكشف التطورات الأخيرة عن تناقض صارخ في المشهد النووي العالمي.

فبينما تؤكد القوى النووية أن تطوير قدراتها يهدف إلى الردع ومنع الحرب، فإن سباق تحديث الترسانات وتطوير أسلحة أكثر تنوعًا ومرونة قد يدفع الأطراف الأخرى إلى زيادة اعتمادها هي أيضًا على الردع النووي.

وهكذا يمكن أن تتحول معادلة الردع إلى حلقة مفرغة: دولة توسع قدراتها خوفًا من خصومها، فينظر الخصوم إلى ذلك التوسع باعتباره تهديدًا، فيزيدون بدورهم قدراتهم، فتتسع دائرة الشك والتصعيد.

وقد حذر عمدة ناغازاكي من أن تحديث الترسانات النووية وتعزيزها يؤدي إلى تغذية «حلقة مفرغة» من انعدام الثقة والمواجهة والانقسام، وهو تحذير يتجاوز البعد الرمزي لمدينة عاشت القصف النووي إلى جوهر المعضلة الأمنية المعاصرة.

 

السؤال الأخطر: هل يمكن خوض حرب نووية «محدودة»؟

ربما تكون أهم نقطة في النقاش كله هي مصطلح «الحرب النووية المحدودة» نفسه.

ففكرة أن استخدام سلاح نووي منخفض القوة يمكن أن يبقى محصورًا في نطاق إقليمي تفترض قدرة الأطراف على التحكم بالتصعيد، وعلى قراءة نوايا الخصم بصورة دقيقة، وعلى ضمان ألا يؤدي الاستخدام الأول إلى ردود متتابعة وغير محسوبة.

لكن التاريخ العسكري يوضح أن الأزمات الكبرى لا تسير دائمًا وفق السيناريوهات التي يضعها المخططون. ومع وجود أكثر من قوة نووية، وتعدد ساحات التوتر، وارتفاع مخاطر سوء التقدير، فإن أي استخدام للسلاح النووي قد يخلق ظروفًا لا يمكن ضمان نتائجها.

ومن هنا، فإن الجدل لا يدور فقط حول قوة السلاح، بل حول العتبة التي تفصل بين الحرب التقليدية والحرب النووية. وكلما أصبحت الأسلحة النووية أكثر تنوعًا وأسهل إدراجًا في السيناريوهات العسكرية، يخشى المنتقدون أن تصبح هذه العتبة أقل وضوحًا.

 

من ناغازاكي إلى واشنطن

بعد 81 عامًا من إسقاط القنبلة النووية على ناغازاكي، لا تزال المدينة تذكّر العالم بأن السلاح النووي ليس مجرد أداة في معادلات الردع والاستراتيجيات العسكرية، بل سلاح ذو آثار إنسانية تتجاوز الحسابات السياسية.

وفي المقابل، تعكس الاستراتيجية الأمريكية التي يجري إعدادها استمرار الاعتقاد في دوائر الأمن القومي بواشنطن بأن الردع يحتاج إلى خيارات متعددة، بما في ذلك قدرات نووية منخفضة القوة يمكن استخدامها في ظروف محددة.

وبين الرؤيتين تتشكل معضلة الأمن الدولي الجديدة: هل حماية العالم من الحرب النووية تتطلب امتلاك خيارات أكثر لاستخدامها، أم تقليل الخيارات التي قد تجعل استخدامها أسهل؟

إن الاتجاه نحو «توسيع الخيارات» النووية قد يُنظر إليه من واشنطن باعتباره وسيلة لإقناع الخصوم بأن أي عدوان ستكون له كلفة باهظة. لكن من منظور آخر، قد يؤدي توسيع دائرة السيناريوهات التي يمكن فيها استخدام السلاح النووي إلى تقليص المسافة بين الحرب التقليدية والنووية.

وهنا تأتي رسالة ناغازاكي، بعد أكثر من ثمانية عقود من الكارثة، لتطرح السؤال الذي لا يزال بلا إجابة نهائية: إذا كان الهدف من الردع هو منع استخدام السلاح النووي، فإلى أي حد يمكن توسيع الاستعداد لاستخدامه دون أن يتحول الردع نفسه إلى خطر؟