ترامب: “الصومال ليست حتى دولة” و”لا تملك أي شيء يشبه الدولة”
أثارت تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة، التي أدلى بها في البيت الأبيض، موجة واسعة من الجدل والاستنكار على الصعيدين المحلي والدولي. وتركزت التصريحات على استهداف الصومال والجالية الصومالية في الولايات المتحدة، حيث قال ترامب بأن “الصومال ليست حتى دولة” وأنها “لا تملك أي شيء يشبه الدولة” .
وجاءت هذه التصريحات في سياق خطاب مناهض للمهاجرين، إذ يكرر ترامب مزاعمه العنصرية الكاذبة بأن دولاً ترسل من وصفهم بـ “مجرمين أجانب غير شرعيين” و”قتلة ومعاقين عقلياً” إلى الولايات المتحدة، مشيراً بشكل خاص إلى الاعتقالات التي تقوم بها إدارته في مينيسوتا وأماكن أخرى .
تأتي تصريحات ترامب الأخيرة كجزء من استراتيجية أوسع لإثارة المخاوف بشأن الهجرة غير الشرعية وتصوير الجالية الصومالية في مينيسوتا كتهديد .
الجالية الصومالية في مينيسوتا
تعد ولاية مينيسوتا موطناً لأكبر جالية صومالية في الولايات المتحدة، والتي استقرت هناك على مدى العقود الثلاثة الماضية، وتحولت من مجتمع لاجئين إلى قوة سياسية واقتصادية . وقد شهدت الجالية نجاحات سياسية بارزة، أبرزها انتخاب النائبة إلهان عمر، وهي أول صومالية أمريكية وعضو في الكونغرس . هذا التواجد القوي والمؤثر للجالية الصومالية جعلها هدفاً متكرراً لخطاب ترامب المناهض للمهاجرين .
وتزامن خطاب ترامب مع تصاعد الاهتمام بقضية احتيال كبرى في مينيسوتا، حيث تم توجيه اتهامات لشبكة من الأفراد والمنظمات غير الربحية، بعضهم من أصول صومالية، بالاستيلاء على ملايين الدولارات من برنامج فيدرالي لتغذية الأطفال خلال جائحة كوفيد-19، وتحديداً عبر منظمة “Feeding Our Future” . وعلى الرغم من أن هذه القضية لا تمثل الجالية بأكملها، فقد استغلها ترامب لتصوير الجالية الصومالية ككل بأنها “منخفضة الذكاء” ومرتبطة بالجريمة على حد تعبيره.
وفي خطوة ذات صلة، أعلنت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية في وقت سابق من يناير 2026 عن إنهاء وضع الحماية المؤقتة (TPS) للمهاجرين الصوماليين، مما يتطلب من حاملي هذا الوضع مغادرة البلاد بحلول مارس 2026 . وقد ربطت بعض التقارير هذا القرار بالخطاب المتصاعد ضد الصوماليين .
الصومال: “ليست حتى دولة” ولكن؟!
تجاهل ترامب حقيقة أنه يركز سياساته على الصومال ويدعم فيها حكومة هشة وفاسدة، بإعطائها شرعية وقوة عسكرية وأمنية، مستمرة، حكومة على فسادها هي عضو في الأمم المتحدة، بل وتولت مؤخراً الرئاسة الدورية لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 1 يناير 2026.
مما يصنع تساؤلات، لماذا تتدخل الولايات المتحدة في الصومال إن كانت بهذه النظرة المحتقرة في عين ترامب؟ ولماذا الإصرار على سلب الشعب الصومالي حقه في العيش وفق معتقداته ونظامه الإسلامي الذي يريده؟
من جانبها اعتبرت إلهان عمر تصريحات ترامب بشأن الصومال بأنها “تعصب” و”محاولة يائسة لصرف الانتباه” عن فشله . كما نددت بالزيادة في عدد العملاء الفيدراليين في مينيابوليس لاستهداف الصوماليين والمهاجرين الآخرين بعد الكشف عن مخطط الاحتيال .
ويركز ترامب خطابه مؤخرا على الصومال بأسلوب عنصري مقيت، وقد شهدت العلاقات الأمريكية الصومالية توتراً في يناير 2026، حيث علقت الولايات المتحدة المساعدات للحكومة الصومالية وسط اتهامات بـ “الاستيلاء” على المساعدات الأمريكية .
تؤكد تصريحات الرئيس ترامب الأخيرة حول الصومال والمهاجرين استمرار استخدامه لخطاب مناهض للهجرة كأداة سياسية . هذه التصريحات لا تتجاهل فقط حقيقة الصومال كمنطقة تقع في رادار السياسات الأمريكية منذ عقود لإخضاعها ومنع إقامة نظام إسلامي مستقل فيها، وحقيقة أن التدخلات الأمريكية في هذه البلاد هي التي تمنعها الاستقرار والأمن. وأن الإدارة الأمريكية هي التي تصر على فرض حكومة فاسدة وهشة لمنع صعود حكومة إسلامية لا تخضع للهيمنة الأمريكية ولا تعتنق الديمقراطية كنظام حكم. فضلا عن استهدافه بشكل مباشر جالية صومالية أمريكية راسخة ومؤثرة في مينيسوتا.
ومن المفارقات أن الرئيس الأمريكي الذي يتقزز من الصومال، لم يهنأ له العيش بدون أن يدمر مصنعا لتعبئة المياه الصحية في مدينة ساكو جنوب الصومال. واستهدفت القصوفات الأمريكية مدارس ومسجدا وأحياء شعبية وحتى الحمير بشكل متعمد. فما يشغل الأمريكيين ليس استقرار الصومال بل حرمان الصومال فرصه في الاستقرار وإخضاعه لهيمنة غربية محاربة للإسلام.
وقد أدت هذه التصريحات إلى تصعيد التوترات السياسية، وتسببت في ردود فعل قوية من القادة الصوماليين والأمريكيين، مما يسلط الضوء على الانقسام العميق في السياسة الأمريكية حول قضايا الهجرة والهوية .
عبد الغني أحمد