سبتة تعيد فتح ملف «ابتزاز الهجرة».. اتهامات للمغرب واستثمار أميركي وإسرائيلي للأزمة

أعادت موجة الهجرة الجماعية إلى مدينة سبتة الإسبانية، التي شهدت وصول عشرات الآلاف من المهاجرين من المغرب خلال أيام، ملف الهجرة بين الرباط ومدريد إلى الواجهة، وسط تساؤلات حول كيفية تمكن هذا العدد الكبير من عبور الحدود، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى الأبعاد السياسية للأزمة وتداعياتها على العلاقات المغربية الإسبانية.

وبحسب تحليل نشره موقع Responsible Statecraft، فإن تدفق ما يقارب 60 ألف شخص إلى سبتة عبر السباحة أو السير من الأراضي المغربية أثار تساؤلات بشأن طبيعة الإجراءات التي اتخذتها السلطات المغربية لحماية الحدود، خصوصًا مع تقارير عن غياب أو تراجع الوجود الأمني في بعض نقاط العبور، إلى جانب تداول رسائل عبر وسائل التواصل الاجتماعي تشجع على التوجه نحو المدينة.

اتهامات باستخدام الهجرة كورقة ضغط

ويرى محللون نقل عنهم الموقع أن ما حدث قد يندرج ضمن ما يعرف بـ«ابتزاز الهجرة»، أي استخدام تدفقات المهاجرين للضغط على دول أوروبية بهدف تحقيق مكاسب أو تنازلات سياسية.

ولا تعد هذه الاتهامات جديدة بالنسبة إلى المغرب؛ ففي عام 2021 شهدت سبتة دخول نحو 6 آلاف شخص في موجة جماعية، واتهمت إسبانيا آنذاك الرباط بتخفيف الرقابة على الحدود احتجاجًا على مواقف مدريد من قضية الصحراء الغربية.

وفي عام 2022، اتخذت إسبانيا موقفًا أكثر دعمًا لخطة الحكم الذاتي المغربية للصحراء الغربية، بالتزامن مع تحسن العلاقات بين البلدين وتعهد الرباط بمنع تكرار عمليات العبور الجماعي إلى سبتة ومليلية.

كما سبق أن استخدمت قضية الهجرة في العلاقات المغربية الفرنسية كورقة تفاوضية، بحسب التحليل، في وقت قدم فيه الاتحاد الأوروبي مساعدات مالية للمغرب لتعزيز دوره في مراقبة حدوده الجنوبية ومنع وصول المهاجرين إلى أوروبا.

هل تتجاوز القضية ملف الهجرة؟

يثير التطور الأخير تساؤلات إضافية حول مستقبل سبتة ومليلية، وهما مدينتان إسبانيتان تقعان على الساحل الشمالي لأفريقيا وتطالب الرباط بالسيادة عليهما.

ويشير Responsible Statecraft إلى أن بعض الأصوات في الولايات المتحدة وإسرائيل أصبحت أكثر انفتاحًا على الطرح المغربي بشأن المدينتين. كما لفت إلى أن مشروع قانون الاعتمادات في مجلس النواب الأميركي لعام 2027 تضمن تقريرًا يعتبر سبتة ومليلية مدينتين «تديرهما إسبانيا وتقعان في الأراضي المغربية»، ودعا وزارة الخارجية الأميركية إلى تشجيع الحوار حول وضعهما المستقبلي.

كما ظهرت في إسرائيل أصوات سياسية وإعلامية تدعو إلى إعادة النظر في وضع المدينتين، وهو ما يضيف بعدًا جديدًا إلى ملف كان يُنظر إليه أساسًا باعتباره قضية ثنائية بين المغرب وإسبانيا.

التوتر مع حكومة سانشيز

ويربط التحليل بين أزمة سبتة والتوتر المتزايد بين حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

فقد تبنت مدريد خلال السنوات الأخيرة مواقف أكثر انتقادًا لإسرائيل بسبب الحرب في غزة، وفرضت قيودًا على بعض أشكال التعاون العسكري والتجاري، كما رفضت السماح لبعض السفن المرتبطة بالجهود العسكرية الأميركية والإسرائيلية باستخدام الموانئ الإسبانية.

وفي السياق ذاته، رفضت الحكومة الإسبانية استخدام قواعد عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة في عمليات مرتبطة بالحرب مع إيران، وفق ما أورده التقرير.

وتسببت هذه المواقف في توتر مع إسرائيل والولايات المتحدة، في وقت شهدت فيه العلاقات المغربية الإسرائيلية تقاربًا واسعًا منذ انضمام المغرب إلى اتفاقيات أبراهام عام 2020.

تحالف مغربي إسرائيلي يتوسع

شهدت العلاقات بين الرباط وتل أبيب توسعًا كبيرًا منذ استئناف العلاقات الرسمية بين الطرفين، وتطور التعاون ليشمل مجالات الدفاع والأمن والاستخبارات والأمن السيبراني والتجارة والطاقة.

وفي المقابل، اعترفت الولايات المتحدة في عهد الرئيس دونالد ترامب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، في إطار الصفقة السياسية التي ارتبطت بإعلان المغرب تطبيع علاقاته مع إسرائيل.

ويرى التحليل أن هذا التقارب يجعل الأزمة الحالية أكثر تعقيدًا، إذ لم تعد قضية الهجرة منفصلة تمامًا عن ملفات الصحراء الغربية والعلاقات المغربية الإسرائيلية والتوتر الإسباني الأميركي الإسرائيلي.

المغرب يعزز وجوده الأمني

ورغم الاتهامات التي أثيرت بشأن دور السلطات المغربية في موجة العبور، لم يصدر، وفق التقرير، موقف رسمي مغربي يعلن تحمل المسؤولية عن السماح بالتدفق الجماعي للمهاجرين.

لكن المغرب عزز لاحقًا انتشاره الأمني حول سبتة، كما ساهم في إعادة عشرات الآلاف من الأشخاص إلى الأراضي المغربية بعد وصولهم إلى المدينة.

وتبقى دوافع موجة العبور الجماعي غير محسومة بشكل كامل، كما لا توجد، وفق المعطيات المتاحة، أدلة علنية قاطعة تثبت أن إسرائيل أو الولايات المتحدة خططتا للأحداث أو حرضتا عليها.

لكن الأزمة تحولت سريعًا إلى ورقة سياسية، بعدما استُخدمت من قبل مسؤولين وشخصيات أميركية وإسرائيلية لانتقاد حكومة سانشيز، ولإعادة طرح قضية السيادة على سبتة ومليلية.

وفي المحصلة، تكشف أزمة سبتة أن الهجرة في شمال أفريقيا لم تعد مجرد ملف إنساني وأمني، بل أصبحت ورقة تتقاطع معها صراعات أوسع حول الصحراء الغربية، والعلاقات المغربية الإسرائيلية، وموقف إسبانيا من الحرب في غزة والسياسة الأميركية في المنطقة.

وبينما يبقى دور المغرب في السماح بالتدفق الأخير موضع اتهام وتحليل، فإن المؤكد أن الأزمة وفرت أرضية جديدة لصراع سياسي يتجاوز حدود المدينة، ويضع ملف الهجرة مرة أخرى في قلب التنافس بين المغرب وإسبانيا والقوى الدولية المتحالفة معهما.