سيطرة حركة الشباب المجاهدين الخفية على مقديشو: لماذا تبدو العاصمة خاضعة للسيطرة أكثر مما هي آمنة؟
سلّط الباحث والمحلل الصومالي غوليد أحمد الضوء على ما يصفه إخفاقًا في تقييم الوضع الأمني في العاصمة مقديشو، منتقدًا الرواية التي روّجت لها الحكومة الفيدرالية الصومالية خلال عهد الرئيس حسن شيخ محمود، والتي أكدت مرارًا أن العاصمة أصبحت “أكثر أمنًا من أي وقت مضى”. ويرى أحمد أن هذا الخطاب اعتمد على مؤشرات سطحية، مثل انخفاض التفجيرات الجماعية وتراجع أعداد الضحايا المدنيين، دون الالتفات إلى التحولات العميقة التي شهدتها استراتيجية حركة الشباب المجاهدين.
وأوضح أحمد أنه لم ينكر وجود تحسن في الإجراءات الأمنية، مثل انتشار كاميرات المراقبة، وتوسيع نقاط التفتيش، وزيادة أعداد القوات الأمنية المدربة، لكنه يرى أن هذه الإجراءات لا تكفي للحكم على نجاح الدولة في السيطرة على أمن العاصمة، لأن انخفاض مستوى العنف الظاهر لا يعني بالضرورة تراجع نفوذ حركة الشباب المجاهدين.
ويستند الباحث إلى دراسة نشرها في أبريل/نيسان 2026، خلص فيها إلى أن الحركة غيّرت أسلوب عملها بدلًا من أن تُهزم، إذ انتقلت من تنفيذ الهجمات العشوائية إلى بناء نفوذ أكثر هدوءًا واستدامة، يقوم على اختراق الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وفرض الإتاوات والضرائب، واستهداف القوات الحكومية بشكل مركز، مع الحفاظ على شبكاتها المالية والاستخباراتية داخل العاصمة. ويرى أن هذا التحول يجعل المدينة تبدو أكثر هدوءًا، لكنه لا يجعلها أكثر أمنًا من الناحية الاستراتيجية.
ويؤكد أحمد أن الخطأ الأكبر، يكمن في اعتماد الحكومة على عدد التفجيرات أو الضحايا المدنيين باعتباره المقياس الرئيسي للنجاح الأمني، بينما يرى أن السؤال الحقيقي يجب أن يكون: من الذي تستهدفه الحركة؟ وكيف تحافظ على قدرتها على التأثير؟ ويقول إن العنف لم يتراجع، وإنما أُعيد توزيعه، بحيث انخفضت الهجمات العشوائية مقابل زيادة الضغط على القوات الأمنية ومؤسسات الدولة، وهو ما يعكس تكيفًا استراتيجيًا للحركة وليس انهيارًا لها.
ويشير الكاتب إلى أن تقييمًا صادرًا عن وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء (EUAA) جاء لاحقًا ليدعم هذا الطرح بصورة مستقلة. فبينما سجل إقليم بنادر انخفاضًا نسبيًا في مستوى العنف خلال الفترة بين أبريل/نيسان 2025 ومارس/آذار 2026، أظهر التقرير أن معظم هجمات حركة الشباب المجاهدين أصبحت تستهدف القوات الحكومية بشكل خاص، كما أكد استمرار امتلاك الحركة شبكات استخبارات وجباية واسعة داخل مقديشو، واستمرار قدرتها على ممارسة النفوذ عبر الابتزاز والترهيب، فضلًا عن تقدمها خلال هجوم عام 2025 حتى مسافة تقارب 50 كيلومترًا من العاصمة.
ومن أبرز الانتقادات التي يوجهها أحمد للحكومة أنها خلطت بين احتواء العنف والقضاء على نفوذ الحركة. فوجود آلاف الجنود، وكاميرات المراقبة، ونقاط التفتيش، قد يحد من العمليات العشوائية، لكنه لا يمنع الحركة من الحفاظ على نفوذها غير المرئي داخل المدينة، عبر شبكات الاستخبارات والتمويل والابتزاز.
ويضرب الباحث مثالًا بتجربة العاصمة الأفغانية كابول قبل سقوطها في يد حركة طالبان عام 2021، موضحًا أن طالبان لم تكن تسيطر على المدينة عسكريًا قبل انهيار الحكومة، لكنها كانت قد بنت، على مدى سنوات، شبكات ظل للاستخبارات والتمويل والتأثير، وهو ما مهد لانهيار السلطة لاحقًا. ويؤكد أن المقارنة لا تعني توقع سقوط مقديشو بالطريقة نفسها، وإنما تهدف إلى التحذير من تجاهل مظاهر “السيطرة الخفية” التي قد تسبق السيطرة السياسية والعسكرية.
ويخلص أحمد إلى أن حركة الشباب المجاهدين لم تعد تسعى إلى إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا، بقدر ما أصبحت تسعى إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من السيطرة والنفوذ، معتبرًا أن التركيز على انخفاض أعداد القتلى وحده قد يمنح صناع القرار شعورًا زائفًا بالاستقرار، بينما تواصل الحركة تعزيز حضورها داخل مؤسسات الدولة والمجتمع بوسائل أقل ظهورًا وأكثر فاعلية على المدى الطويل.