شرق هيران.. 4 سنوات من الصراع وعام على سيطرة حركة الشباب المجاهدين: عودة السكان، وشهادات من الميدان، واتفاق حوادلي والحركة في ميزان الواقع
شرق هيران.. مشهد يتغير بعد سنوات من المواجهات
على مدى ما يقارب أربع سنوات، كانت هذه المناطق في صلب المواجهة، وشكلت مركزا رئيسيا تنطلق منه العمليات العسكرية ضد المناطق التي تحكم بشرع الله في الولايات الإسلامية، وتستهدف المجتمعات الخاضعة للشريعة الإسلامية. أما اليوم، فإن المشهد بات مختلفا عما كان عليه في السابق، وبدأت أجواء الهدوء تظهر في المناطق الواقعة شرقي ولاية هيران، بالتزامن مع عودة تطبيق الشريعة الإسلامية ورفع راية التوحيد.
وبعد مرور عام على استعادة مقاتلي حركة الشباب المجاهدين السيطرة على هذه المناطق، عقب سنوات من سيطرة الميليشيات الحكومية، التي تجاوزت مدة سيطرتها على بعض المناطق عشر سنوات، انطلقنا في رحلة ميدانية للوقوف عن كثب على أوضاع تلك المناطق، ورصد التغيرات التي شهدتها، والاستماع إلى سكان شرق ولاية هيران بشأن ما طرأ على حياتهم خلال السنوات الأربع الماضية.
لم تكن الجولة مقتصرة على معاينة المدن والشوارع والمنازل، بل شملت لقاءات مع وجهاء وأعيان وسكان محليين، إلى جانب أشخاص عادوا إلى مناطقهم بعد مغادرتها، بهدف نقل شهاداتهم حول آثار الصراع، ومستوى التعافي، والأنشطة الاقتصادية، والاتفاق الذي أبرم بين عشيرة حوادلي وحركة الشباب المجاهدين.
محاس.. اثنا عشر عاما من السيطرة الإثيوبية وآثار الحرب التي لم تختف
بدأنا رحلتنا من مديرية محاس، الواقعة عند الطرف الشرقي من ولاية هيران. وتعد محاس مديرية تاريخية قديمة، ظلت قرابة اثني عشر عاما تحت سيطرة القوات الإثيوبية، التي كانت تنظر إليها باعتبارها موقعا مهما في حملتها العسكرية ضد الشعب الصومالي المسلم وبلده.
وفي نهاية المطاف، تمكن مقاتلو حركة الشباب المجاهدين من استعادة السيطرة على المديرية خلال تحركات عسكرية وقعت في شهر صفر من عام 1447 هـ، بعد معارك عنيفة منيت خلالها الميليشيات الحكومية بالهزيمة. وانتهت تلك المواجهات بإخراج الميليشيات من المنطقة.
ومن الجدير بالذكر أن آخر جهة انتزعت منها السيطرة على محاس هي ميليشيات الحكومة الصومالية، وذلك بعدما كانت القوات الإثيوبية قد غادرت المنطقة قبل ذلك بمدة.
وقبل انتقال السيطرة على المديرية إلى حركة الشباب المجاهدين، كانت محاس، خلال السنوات الأخيرة، تمثل أكبر منطلق لميليشيات معاويسلي في شرق ولاية هيران.
لكن المشهد اليوم يختلف عما كان عليه في السابق، إذ يحاول السكان تجاوز آثار المرحلة الماضية، فيما تتواصل جهود إعادة الحياة إلى المدينة بعد سنوات من المواجهات والأضرار.
وتحاول محاس التعافي من آثار المعارك التي خلفت أضرارا في المنطقة، في وقت تتواصل فيه عملية إعادة إعمارها تدريجيا، وتعود مظاهر الحياة إليها يوما بعد آخر.
وخلال زيارتنا، تحدثنا مع عدد من السكان المحليين حول تقييمهم للاتفاق الذي أبرم بين عشيرة حوادلي وحركة الشباب المجاهدين، ومدى انعكاس تطبيقه على الأوضاع في مديرية محاس، وما إذا كانت آثاره قد بدأت تظهر في حياة السكان اليومية.
اتفاق حوادلي وحركة الشباب المجاهدين.. تفاؤل لدى الوجهاء وترقب للنتائج
أبدى وجهاء وأعيان عشيرة حوادلي الذين التقيناهم في محاس تفاؤلا إزاء تنفيذ الاتفاق، في وقت باتت فيه المداولات المتعلقة بمستقبل المنطقة والنتائج المنتظرة من الاتفاق تحظى باهتمام متزايد.
وفي إطار سعينا إلى الوقوف على تفاصيل الاتفاق وما أعقبه من تطورات، عملنا على لقاء الشيوخ الذين شاركوا في توقيعه، والاستماع إلى ما لديهم من معلومات بشأن الخطوات التي اتخذت بعد انتهاء المؤتمر الذي جمع الطرفين.
وأبلغنا بأن عددا من الشيوخ الذين شاركوا في المؤتمر العام الذي توصلت خلاله حركة الشباب المجاهدين وعشيرة حوادلي إلى اتفاق، شرعوا، فور عودتهم من مكان انعقاد المؤتمر، في العمل على نشر اتفاق السلام داخل مناطقهم، والسعي إلى توسيع نطاق تطبيقه بين السكان.
ولم تقتصر تحركاتهم على نشر الاتفاق، بل اتجهوا أيضا إلى البحث عن سبل الاستفادة من حالة الأمن التي تحققت، والعمل على توظيفها في تنشيط الإنتاج الزراعي وتربية المواشي.
ويأتي ذلك مع دخول موسم «دير» الزراعي، وهو ما يجعل الاستقرار عاملا مهما بالنسبة إلى السكان الذين يعتمدون على الزراعة والثروة الحيوانية في تأمين سبل عيشهم.
ومع تراجع العقبات التي كانت تعترض الحياة في المنطقة، يتطلع سكان محاس إلى مستقبل أفضل، بالاعتماد على إدارتهم الإسلامية. وفي الوقت نفسه، تدخل المدينة مرحلة من التعافي وإعادة البناء، وسط تطلعات إلى استعادة النشاط الاقتصادي وتحسين ظروف المعيشة.
عبد الله محمد أفرح.. أول العائدين إلى مدينة كانت شبه خالية من السكان
يعد عبد الله محمد أفرح واحدا من أقدم سكان هذه المديرية التاريخية وأكثرهم خبرة بأحوالها، وقد تحدث إلينا عن الظروف التي رافقت عودته إلى المدينة، في وقت كانت فيه شبه خالية من السكان، وكان كثيرون يخشون الرجوع إليها.
وقال عبد الله محمد أفرح إنه كان أول شخص تجرأ على العودة إلى محاس والاستقرار فيها، عندما كانت المدينة تعيش حالة من الفراغ السكاني، وكانت المخاوف الأمنية تحول دون عودة كثير من أهلها.
وأوضح العم عبد الله أن القوات الإثيوبية حاولت إحداث الفرقة بين المجاهدين وسكان المنطقة، وسعت إلى الفصل بين الطرفين.
وأضاف أن تلك المحاولات أحبطت بفضل الله، مؤكدا أن أهالي محاس لم يستسلموا للتهديدات التي تعرضوا لها في تلك المرحلة.
وأشار إلى أن السكان لم يخضعوا للترهيب والتهديدات التي استهدفتهم، رغم ما تعرضت له منازلهم وممتلكاتهم من مخاطر وهجمات.
ولا تزال آثار القصف الجوي الذي شنته طائرات القوات الأجنبية ظاهرة بوضوح في المدينة، حيث بقيت الأضرار التي لحقت بالمنازل والممتلكات شاهدة على حجم المعاناة التي عاشها السكان خلال فترة المواجهات.
حبيبة فارح وهيلي.. شهادة امرأة دمر القصف منزلها
تعد السيدة حبيبة فارح وهيلي واحدة من سكان محاس الذين تضررت منازلهم جراء الغارات الجوية.
وقد تحدثنا معها حول تجربتها الشخصية، وكيف سارعت إلى العودة إلى المدينة، والصعوبات والعقبات التي واجهتها خلال تلك المرحلة.
وتأتي شهادتها ضمن الإفادات التي جمعناها من السكان الذين تأثرت حياتهم مباشرة بالمعارك والقصف، في محاولة لتوثيق الأضرار التي لحقت بمنازل الأهالي وممتلكاتهم، والظروف التي واجهوها خلال مغادرتهم المنطقة أو عودتهم إليها.
وبعد أن أمضينا عدة أيام في محاس، واصلنا رحلتنا باتجاه مديرية موقوكوري، التي تعد بدورها واحدة من المديريات الواقعة شرقي ولاية هيران.
موقوكوري.. عام على استعادة السيطرة وعودة تدريجية للحياة
تعد موقوكوري واحدة من المديريات التي عادت إلى سيطرة حركة الشباب المجاهدين قبل عام، بعدما أخرجت منها الميليشيات الحكومية وميليشيات معاويسلي، التي كانت قد شنت، قبل أربع سنوات، حملة عسكرية استهدفت المناطق التي تحكم بشرع الله في الولايات الإسلامية.
وعندما وصلنا إلى موقوكوري وبدأنا جولتنا الاستطلاعية داخل المدينة، بهدف الوقوف على طبيعة الأوضاع الراهنة، بدا واضحا أن عدد سكانها أكبر من عدد سكان محاس.
ومع ذلك، فإن المدينتين تتشاركان عددا من السمات، أبرزها الهدوء الذي يسود المنطقة، وعودة السكان إلى ترميم منازلهم، إلى جانب استمرار النشاط التجاري في التوسع والنمو.
غير أن تقدير حجم هذا النمو ومدى تأثيره على الحياة الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن أن يستند إلى المظاهر وحدها؛ إذ إن السكان المقيمين داخل المدينة، ممن يتابعون تطوراتها يوما بعد آخر، هم الأقدر على وصف التحولات وتقييم طبيعة الأوضاع. وبدأت أعداد العائدين إلى المدينة تتزايد، بعدما اضطروا إلى مغادرتها في وقت سابق جراء الهجوم العسكري الذي استهدفها.
لكن، بعد خروج الميليشيات الحكومية وميليشيات معاويسلي من المنطقة، بدأ هؤلاء الأشخاص يعودون تدريجيا إلى موقوكوري، ويستقرون فيها مجددا، في مشهد يعكس استمرار عودة السكان الذين دفعتهم الظروف الأمنية السابقة إلى مغادرة منازلهم.
محمود غوري عوسبلي.. من بين العائدين إلى موقوكوري
ومن بين العائدين إلى المدينة الشيخ محمود غوري عوسبلي، الذي التقينا به للاستماع إلى تجربته وتفاصيل عودته إلى موقوكوري، ورؤيته للأوضاع الراهنة فيها. وذكر الشيخ أن المدينة بدأت تستعيد عافيتها مع تزايد أعداد العائدين إليها، وأن السكان يعيشون في أمن وأمان، فيما تعود الحياة تدريجيا إلى طبيعتها بعد ما شهدته من نزوح واضطرابات.
سكان موقوكوري.. ارتياح لعودة تطبيق الشريعة وترحيب باتفاق حوادلي
نظرا إلى أن سكان هذه المنطقة كانوا، قبل الحملة العسكرية ضد تطبيق الشريعة الإسلامية، يعيشون في ظل الحكم الإسلامي، فقد عبر عدد منهم عن مشاعرهم إزاء تعافي مدينتهم، ونقلوا ما يدور في نفوسهم بشأن التحولات التي شهدتها المنطقة.
وأظهر السكان ارتياحهم لعودة تطبيق الشريعة الإسلامية، كما رحبوا بالاتفاق الذي أبرم بين عشيرتهم، حوادلي، وحركة الشباب المجاهدين.
وقد أتاحت لنا اللقاءات التي أجريناها فرصة الاستماع إلى مواقف السكان من الاتفاق، والتعرف إلى تصوراتهم بشأن انعكاساته على العلاقات داخل المجتمع المحلي ومستقبل الحياة في المديرية.
وقد لاحظنا خلال جولتنا أن سكان موقوكوري بدأوا يتجاوزون آثار الأوضاع التي شهدتها المدينة قبل عام، وتحديدا خلال الحملة العسكرية التي استهدفت المنطقة وانتهت بالسيطرة عليها.
وشهدت تلك المرحلة تراجعا في النظام والأمن اللذين كان السكان يعيشون في ظلهما، وما رافق ذلك من اضطراب في حياتهم اليومية وفقدان الشعور بالطمأنينة والاستقرار. ويربط السكان بين ما عاشوه خلال تلك الفترة الصعبة وبين تطلعاتهم الحالية إلى استعادة الأمن وعودة الحياة إلى طبيعتها، بما يتيح للعائدين الاستقرار مجددا في مدينتهم وممارسة شؤون حياتهم في أجواء من الأمن والأمان.
شوريي عدوو سياد.. من الخدمة في صفوف الميليشيات إلى إعلان التوبة والعودة إلى مناطق الشريعة
شوريي عدوو سياد، البالغ من العمر 73 عامًا، أمضى نحو عشر سنوات في صفوف الميليشيات الحكومية؛ إذ انضم إليها في مدينة بلدوين عام 2013، وعمل جنديًا يتولى حراسة معسكر لاما غلا للميليشيات في المدينة، لكنه غادر صفوفها عام 2023، إثر خلافات ومشكلات واجهها مع قياداتها.
ويقول شوريي إنه، خلال سنوات خدمته، مرّ بتجارب قاسية دفعته لاحقًا إلى إعادة النظر في طبيعة العمل الذي كان يؤديه، حتى بات يراه، وفق قناعته الحالية، عملًا ينطوي بالكفر الصريح. كما أعرب عن ندمه على ما تحمّله من مشقة ومخاطر مقابل أجر زهيد، معتبرًا أنه كان يعرّض نفسه للخطر دفاعًا عن مصالح قيادات، قال إنها كانت تزج بأقاربها في حرب لا تخصهم، وتعرّضهم لنيران المعارك ومخاطرها.
ورغم مغادرته الميليشيات، ظل شوريي، على مدى السنوات الثلاث التالية، مترددًا في قطع صلته بهذا المسار نهائيًا، مدفوعًا باعتقاده أنه لا يملك مصدرًا بديلًا لتأمين معيشته. وفي تلك الأثناء، جاء الإعلان عن الاتفاق بين حركة الشباب المجاهدين وعشيرة حوادلي، ليشكّل عاملًا مؤثرًا في تغيير نظرته إلى خياراته المستقبلية.
وعلى الفور، تواصل مع أقاربه المقيمين في مديرية محاس، حيث علم أن المديرية أصبحت من المناطق التي دخل الاتفاق حيّز التنفيذ فيها، وأن السكان بدأوا يعودون إليها. وقد دفعته هذه الأخبار إلى التوجه نحو المناطق الخاضعة للشريعة الإسلامية، معلنًا توبته وتبرؤه من الميليشيات التي سبق أن خدم في صفوفها.
ويرى شوريي أن الاتفاق بين حركة الشباب المجاهدين وعشيرة حوادلي كان من العوامل التي جذبته إلى هذا الخيار، وساعدته على إعادة النظر في موقفه السابق. كما أشار إلى أن أصداء الاتفاق لم تقتصر على محاس، بل امتدت إلى مناطق أخرى تقطنها عشيرة حوادلي في شرقي ولاية هيران، حيث لقي، بحسب إفادته، اهتمامًا من السكان الذين يتابعون تطوراته وما قد يترتب عليه من نتائج تمس مستقبل مناطقهم.
شرق هيران.. عودة السكان وإعادة الإعمار والاتفاق في صدارة المشهد
بين محاس وموقوكوري، تتداخل آثار الصراع مع مظاهر التعافي التدريجي، في وقت يحاول فيه السكان استعادة حياتهم، وإعادة إعمار المنازل المتضررة، واستئناف الأنشطة التجارية والزراعية، وإعادة ترتيب أوضاعهم بعد سنوات من الاضطرابات والقتال.
وقد رصدت الجولة الميدانية شهادات عدد من السكان والوجهاء والعائدين، بدءا من عبد الله محمد أفرح، الذي تحدث عن عودته إلى محاس عندما كانت شبه خالية من السكان، مرورا بحبيبة فارح وهيلي التي تضرر منزلها جراء القصف، وصولا إلى الشيخ محمود غوري عوسبلي، الذي تحدث عن عودته إلى موقوكوري، وشوريي عدوو سياد الذي روى تجربته في صفوف الميليشيات التي كان ينتمي إليها، قبل أن يعلن تبرؤه منها.
وتتقاطع هذه الشهادات عند ثلاثة محاور رئيسية: آثار المعارك والقصف على السكان وممتلكاتهم، وعودة الأهالي إلى مناطقهم واستئناف مظاهر الحياة، والآمال التي يربطها السكان بالاتفاق المبرم بين حركة الشباب المجاهدين وعشيرة حوادلي.
وفي الوقت الذي تتواصل فيه عودة السكان إلى محاس وموقوكوري، وتظهر مؤشرات على استئناف النشاط التجاري والزراعي وإعادة إعمار المنازل، يظل الاتفاق وما قد يترتب على تطبيقه محورا أساسيا في أحاديث الوجهاء والسكان الذين التقيناهم خلال إعداد التقرير.
وهكذا تقدم الجولة الميدانية صورة لواقع شرق هيران: مناطق شهدت سنوات من القتال والسيطرة العسكرية، ثم دخلت مرحلة جديدة تتسم بعودة تدريجية للسكان، ومحاولات لإعادة بناء ما تضرر، ونقاشات محلية بشأن مستقبل الاتفاق والنتائج التي ينتظر أن يتركها على الأوضاع الأمنية والاجتماعية والاقتصادية.