إثيوبيا تعيد رسم خطوط الحرب في تيغراي: رفض الإدارة الجديدة وتصعيد خطير مع إريتريا
20 أكتوبر/تشرين الأول 2026م | تجدد القتال في الشمال، وتقدم القوات الفدرالية، وأزمة سياسية تهدد ما تبقى من اتفاق بريتوريا للسلام.
تتجه إثيوبيا نحو مرحلة جديدة من الاضطراب السياسي والعسكري، مع تجدد الحرب في إقليم تيغراي، وتوسع المواجهات إلى مناطق مجاورة، وتصاعد التوتر مع إريتريا. وفي تطور جديد، رفضت جبهة تحرير شعب تيغراي الإدارة المؤقتة التي عينتها الحكومة الفدرالية، معتبرة أنها سلطة غير شرعية، في خطوة تعمق الصراع على من يحكم الإقليم بعد التغيرات الميدانية الأخيرة.
إدارة مؤقتة تفتح جبهة سياسية جديدة
في 16 أكتوبر/تشرين الأول، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تشكيل إدارة مؤقتة جديدة لإقليم تيغراي لمدة ستة أشهر، تتولى استعادة الخدمات الأساسية وإعادة إعمار المناطق المتضررة، والعمل على تهيئة الظروف لإجراء انتخابات إقليمية خلال الفترة نفسها.
وجاء القرار بعد تقدم القوات الفدرالية والقوات المتحالفة معها، واستعادة السيطرة على ميكيلي، عاصمة الإقليم، وعدد من المدن الاستراتيجية. لكن جبهة تحرير شعب تيغراي رفضت التشكيلة الجديدة في 17 أكتوبر، ووصفتها بأنها بنية سياسية مفروضة من حزب الازدهار الحاكم، محذرة المؤسسات من التعاون معها.
وهكذا لم يعد الصراع محصورًا في السيطرة على الأراضي، بل امتد إلى مسألة شرعية السلطة الإقليمية، ومن يملك حق إدارة تيغراي وتحديد مستقبله السياسي. وقد اعتبر تحليل صادر عن منظمة «أكليد» المتخصصة في رصد النزاعات أن إنشاء الإدارة الجديدة يمثل انهيارًا إضافيًا للترتيبات السياسية التي أُنشئت بموجب اتفاق بريتوريا.
ماذا حدث لاتفاق السلام؟
أنهى اتفاق بريتوريا، الموقع في نوفمبر/تشرين الثاني 2022، حربًا استمرت عامين بين الحكومة الإثيوبية وجبهة تحرير شعب تيغراي، وأوقعت خسائر بشرية هائلة وتسببت في أزمة إنسانية واسعة.
لكن الاتفاق لم يعالج جميع أسباب النزاع، وظلت قضايا الحكم الإقليمي والأراضي المتنازع عليها والترتيبات الأمنية وعودة النازحين عالقة. كما تفاقمت الخلافات داخل تيغراي نفسها، قبل أن تتجدد المواجهات المسلحة في سبتمبر/أيلول 2026.
والتطور الأخطر أن القوات الفدرالية والقوات المتحالفة معها تمكنت من دخول ميكيلي في مطلع أكتوبر، ثم تقدمت في عدة محاور داخل الإقليم. ومع تعيين إدارة جديدة ترفضها الجبهة، أصبحت ترتيبات السلام موضع نزاع فعلي، ما يرفع احتمال استمرار المواجهات حتى لو تراجعت حدة المعارك في بعض المدن.
تقدم عسكري وتراجع قوات تيغراي
شهد النصف الأول من أكتوبر تقدمًا للقوات الفدرالية في عدة مناطق، شمل مدنًا مثل أديغرات وأدوا وأكسوم، ووصلت القوات الإثيوبية إلى زالامبيسا قرب الحدود الإريترية.
وأثار هذا التقدم مخاوف من انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة، خصوصًا مع ورود تقارير عن وجود قوات إريترية أو دعم إريتري للمقاتلين في تيغراي. غير أن تفاصيل هذا الوجود وحجمه لم تُحسم جميعها بصورة مستقلة، فيما نفت إريتريا الاتهامات الإثيوبية المتعلقة بالتدخل العسكري ودعم الجماعات المسلحة.
ولا يعني فقدان جبهة تحرير شعب تيغراي السيطرة على مراكز حضرية رئيسية انتهاء قدرتها على مواصلة القتال؛ فالمواجهات قد تستمر في المناطق الريفية والطرق الجبلية، كما أن الخلاف السياسي حول الإدارة الجديدة يترك باب التصعيد مفتوحًا.
إريتريا في قلب الأزمة
أصبحت العلاقات الإثيوبية الإريترية أحد أخطر أبعاد النزاع. ففي الأول من أكتوبر، أمرت أديس أبابا بإغلاق سفارتها في إريتريا وطرد دبلوماسيين إريتريين، لترد أسمرة بقطع العلاقات الدبلوماسية.
وفي الأيام التالية، تبادل الطرفان الاتهامات بشأن انتهاك الحدود ودعم الجماعات المسلحة. وقدمت إريتريا شكوى إلى مجلس الأمن، مطالبة باتخاذ إجراءات ضد إثيوبيا، بينما اتهمت الحكومة الإثيوبية القوات الإريترية بالتوغل داخل أراضيها.
وتزداد حساسية هذا التصعيد لأن البلدين خاضا حربًا سابقة، ثم تعاونا ضد قوات تيغراي خلال حرب 2020-2022، قبل أن تعود الخلافات بينهما إلى الواجهة.
كما ترتبط الأزمة بمساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، بعدما فقدت الوصول المباشر إلى البحر عقب استقلال إريتريا عام 1993. وتعتبر أديس أبابا الوصول إلى البحر الأحمر قضية استراتيجية، بينما تنظر إريتريا إلى بعض التحركات الإثيوبية في هذا الملف باعتبارها مصدر تهديد لسيادتها.
تحالفات المعارضة واحتمال اتساع الحرب
لا تواجه حكومة آبي أحمد جبهة تيغراي وحدها؛ فقد أعلنت سبع مجموعات مسلحة ومعارضة خلال سبتمبر تشكيل تحالف يستهدف إسقاط الحكومة الفدرالية. ويضم هذا المشهد خصومًا سابقين تجمعهم معارضة الحكومة، رغم اختلاف أهدافهم ومصالحهم.
وتشمل بؤر الصراع أيضًا إقليم أمهرة، حيث تواصل قوات فانو مواجهاتها مع الحكومة، وإقليم أوروميا الذي يشهد تمردًا مسلحًا تقوده جماعات من بينها جيش تحرير أورومو.
ويثير تزامن هذه النزاعات مخاوف من أن يؤدي الضغط العسكري في الشمال إلى تشجيع جبهات أخرى على تصعيد عملياتها، أو أن تستغل الأطراف الإقليمية الانقسامات الداخلية لتعزيز نفوذها. لكن وجود تحالف معلن لا يعني بالضرورة أن جميع المجموعات تعمل بقيادة موحدة أو أن قدرتها على التنسيق الميداني قد ثبتت.
كذلك اتهمت الحكومة الإثيوبية مصر والسودان بدعم التحالف المعارض، وهو ما نفته الدولتان. وفي ظل الحرب المستمرة في السودان والخلافات حول مياه النيل وسد النهضة، قد تتحول الأزمة الإثيوبية إلى جزء من تنافس إقليمي أوسع، دون أن يعني ذلك أن حربًا إقليمية شاملة أصبحت حتمية.
المدنيون يدفعون الثمن مجددًا
تأتي هذه التطورات فيما لا يزال إقليم تيغراي يعاني آثار الحرب السابقة. وتشير بيانات أممية إلى أن نحو 750 ألف شخص كانوا لا يزالون نازحين داخليًا في الإقليم حتى فبراير/شباط 2026.
وقد أدى تجدد القتال إلى تعطيل الاتصالات والرحلات الجوية في مراحل من التصعيد، وإلى زيادة المخاطر على المدنيين ووصول المساعدات. كما حذرت منظمات حقوقية من سقوط ضحايا مدنيين وإغلاق مرافق صحية نتيجة القصف في جنوب تيغراي.
وتبقى المخاوف الإنسانية كبيرة، خصوصًا في ظل الجفاف ونقص الخدمات الأساسية وصعوبة عودة النازحين إلى مناطقهم. وإذا استمر النزاع حول السلطة بالتوازي مع العمليات العسكرية، فقد تتعطل جهود إعادة الإعمار وتتحول العودة إلى الحياة الطبيعية إلى هدف بعيد.
الخلاصة
تتمثل أحدث نقطة تحول في الأزمة الإثيوبية في اجتماع ثلاثة مسارات: تقدم عسكري فدرالي في تيغراي، ورفض سياسي للإدارة المؤقتة الجديدة، وتصعيد غير مسبوق في العلاقات مع إريتريا منذ سنوات.
ولا يضمن التقدم العسكري استقرار الإقليم، كما أن تشكيل إدارة جديدة لا يكفي لإنهاء النزاع إذا رفضتها القوة السياسية والعسكرية الرئيسية في المنطقة. أما اتساع المواجهات إلى أمهرة وأوروميا، مع التوترات الإقليمية حول البحر الأحمر والنيل، فيجعل مستقبل إثيوبيا مرتبطًا بقدرتها على معالجة أزماتها الداخلية قبل أن تتحول إلى مواجهة أوسع في القرن الإفريقي.