خريطة نتنياهو للشرق الأوسط والقرن الإفريقي.. تحالفات مرسومة ومشاريع نفوذ تتجاوز حدود كيان إسرائيل
عرض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خريطة للتحالفات الإقليمية، الأحد 18 أكتوبر/تشرين الأول 2026، خلال تقديم وثيقة جديدة تتناول مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي، في خطوة تعكس سعي حكومته إلى إعادة صياغة موقع إسرائيل في معادلات القوة بالشرق الأوسط والقرن الإفريقي.
وتزامن عرض الخريطة مع إعلان مبادئ أمنية جديدة تعطي الأولوية للهجمات الاستباقية بدلًا من الاكتفاء باحتواء التهديدات، إلى جانب تعزيز التفوق العسكري والتكنولوجي الإسرائيلي، وتقليص الاعتماد على مصادر التسليح الخارجية، وتوسيع شبكة التحالفات الإقليمية. ويأتي ذلك في ظل تداعيات الحروب التي خاضتها إسرائيل منذ هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وتصاعد التنافس على النفوذ في المنطقة.
ثلاثة محاور في حسابات نتنياهو
قسّمت الخريطة المنطقة إلى ثلاثة محاور رئيسية، مستخدمة ألوانًا مختلفة لتصنيف الدول والقوى وفق التصور الإسرائيلي للتحالفات وموازين النفوذ.
ويظهر المحور الأول باللون الأزرق، ويضم كيان إسرائيل والإمارات، إلى جانب دول وكيانات صنّفتها الخريطة ضمن الدائرة الصديقة لهذا التكتل، أبرزها إثيوبيا وأرض الصومال، وقوات الدعم السريع في السودان، والقوات التابعة لخليفة حفتر في ليبيا، واليونان، فضلًا عن أجزاء من جنوب اليمن.
أما المحور الثاني، الذي وصفته الخريطة بـ«التحالف السني»، فيضم السعودية وتركيا ومصر وباكستان، مع إدراج دول وأطراف أخرى ضمن دائرة الصداقة، بينها سوريا والأردن وقطر والكويت والسلطة الفلسطينية والسودان وإريتريا، إضافة إلى أطراف في ليبيا واليمن ولبنان.
وفي المقابل، يظهر المحور الإيراني باللون الأرجواني المائل إلى الأحمر، ويشمل إيران والقوى والجماعات المتحالفة معها في أجزاء من العراق ولبنان واليمن.
لكن من الضروري التمييز بين التصنيف الذي تقدمه الخريطة وبين الواقع السياسي؛ فإدراج دولة ضمن دائرة صديقة لا يثبت وجود تحالف عسكري رسمي معها، ولا يعني بالضرورة توافقها مع جميع السياسات الإسرائيلية.
القرن الإفريقي حاضر في الحسابات الإسرائيلية
تكتسب الخريطة أهمية خاصة بالنسبة إلى القرن الإفريقي، إذ تُظهر إثيوبيا وأرض الصومال ضمن الدائرة المرتبطة بالمحور الإسرائيلي الإماراتي، في حين تُدرج إريتريا والسودان ضمن دائرة الصداقة المرتبطة بالمحور الذي يضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان.
ويكشف هذا التصنيف عن الأهمية التي يحتلها القرن الإفريقي في التصورات الإسرائيلية لتوازنات المنطقة، بالنظر إلى موقعه المقابل لشبه الجزيرة العربية، وإشرافه على طرق بحرية وتجارية حيوية، وفي مقدمتها الممرات المؤدية إلى البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب.
كما أن إدراج أرض الصومال وإثيوبيا في الخريطة يلفت الانتباه إلى التنافس على النفوذ في محيط البحر الأحمر، حيث تتداخل حسابات الأمن والموانئ والتجارة والعلاقات العسكرية مع الخلافات الإقليمية القائمة.
هل تعكس الخريطة استراتيجية أم دعاية سياسية؟
لا تقتصر دلالة الخريطة على توزيع الدول وفق محاور متنافسة، بل تمتد إلى الطريقة التي تنظر بها الحكومة الإسرائيلية إلى المنطقة: شبكة من التكتلات ومراكز النفوذ التي يمكن استثمار العلاقات معها لتعزيز مكانة إسرائيل الإقليمية.
ويأتي ذلك في وقت تسعى فيه تل أبيب إلى تقديم نفسها باعتبارها قوة إقليمية قادرة على التحرك عسكريًا بصورة استباقية، وتوسيع علاقاتها مع أطراف مختلفة، بالتوازي مع مواجهة إيران وحلفائها.
غير أن هذه الرؤية تثير تساؤلات بشأن مدى تطابق التصنيفات الإسرائيلية مع مصالح الدول المعنية وسياساتها الفعلية. فالدول التي تجمعها مخاوف مشتركة قد تختلف في أهدافها، كما أن التقارب في ملف معين لا يعني قيام تحالف شامل أو التزامًا بمواجهة الخصوم الذين تحددهم دولة الاحتلال، إسرائيل.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، إذ اتهم قادة في المعارضة نتنياهو بتقديم وثيقة تفتقر إلى استراتيجية تفصيلية، وباستخدام الخطاب الأمني في سياق المنافسة الانتخابية.
وفي المحصلة، تكشف الخريطة عن الكيفية التي تريد بها حكومة نتنياهو قراءة الشرق الأوسط والقرن الإفريقي وإعادة ترتيب أولوياتها داخلهما.
