قوات مصرية إلى الصومال.. ترتيبات عسكرية تفتح أسئلة القيادة والتمويل والتنافس الإقليمي
يفتح اعتزام مصر إرسال قوات إلى الصومال ملفًا يتجاوز حجم الانتشار ومواقعه إلى الجهة التي ستقوده وتموّله، وكيفية تنسيقه مع القوات الموجودة على الأرض. فبحسب صحيفة «ذي إيست أفريكان» الكينية، تعتزم القاهرة إدخال قواتها عبر اتفاق عسكري ثنائي مع مقديشو، قبل إلحاق جزء منها ببعثة الاتحاد الأفريقي لدعم واستقرار الصومال «أوصوم»، فيما لم تُعلن بعد ترتيبات واضحة تنظم الانتقال بين الإطارين.
وتأتي الخطة المنقولة عن مصادر مطّلعة في توقيت تواجه فيه البعثة الأفريقية صعوبات مالية وتشغيلية، بينما يضيف التنافس المصري الإثيوبي حول مياه النيل ومصالح البلدين في القرن الأفريقي بُعدًا إقليميًا إلى حسابات الانتشار.
مدخل ثنائي وانتقال مشروط إلى البعثة
وفق التقرير، تستند الخطوة المصرية إلى اتفاق التعاون العسكري الذي وقعته القاهرة ومقديشو عام 2024. وتقوم الخطة على نشر القوات أولًا بموجب هذا الاتفاق، ثم إلحاق نحو ألف جندي منها بـ«أوصوم» بعد الحصول على الموافقات المطلوبة، مع احتمال نشر بقية القوات في مناطق أخرى إذا طلبت الحكومة الصومالية ذلك.
ولم تعلن القاهرة العدد الإجمالي للقوات المزمع إرسالها، لكن مصادر الصحيفة قالت إن الدفعة الأولى ستكون قوة قتالية بحجم لواء. وتشير المعلومات نفسها إلى اعتزام إنشاء مقر قيادة تكتيكي قرب مطار «عيسلي» في ولاية شبيلي الوسطى، في منطقة تتمركز فيها قوات بوروندية.
وكانت مصر، بحسب الصحيفة، قد خُصصت لها مساهمة قوامها 1,090 جنديًا في البعثة خلال ديسمبر/كانون الأول 2024، غير أن تنفيذها تأخر، مع بروز نقص التمويل بوصفه العقبة الرئيسية.
ويجعل هذا المسار تحديد العلاقة بين الانتشار الثنائي والمشاركة الأفريقية مسألة أساسية: ما المرجعية القيادية للقوات قبل انتقالها إلى البعثة؟ وما شروط انتقالها؟ وكيف ستتوزع المسؤوليات بين الوحدات التي ستنضم إلى «أوصوم» وتلك التي قد تبقى خارج إطارها؟
غياب التوضيح يترك سلسلة القيادة مفتوحة للأسئلة
قالت «ذي إيست أفريكان» إنها لم تتلقَّ ردًا فوريًا من إدارة الشؤون السياسية والسلم والأمن في الاتحاد الأفريقي على استفساراتها بشأن الخطة. كما لم تتلقَّ ردودًا على طلبات التعليق الموجهة إلى القوات المسلحة المصرية ووزارة الدفاع المصرية.
أما المتحدث باسم «أوصوم»، إرشاد حسين جبيري، فأوضح أن البعثة لا تستطيع التعليق على الترتيبات المصرية، وأحال الأسئلة إلى مقر الاتحاد الأفريقي أو الرئاسة الصومالية.
وتبقى بذلك تفاصيل مؤثرة في التنفيذ دون إجابات معلنة، من بينها صلاحية إصدار الأوامر، وآليات تنسيق العمليات، وتوفير الإمدادات، وتسوية أي تداخل في المسؤوليات بين القوات العاملة بموجب الاتفاق الثنائي والقوات التابعة للبعثة.
ولا يثبت غياب الردود أن التنسيق غير موجود، لكنه يترك الصورة المتاحة عن كيفية إدارة الانتشار وحدود اختصاص كل طرف غير مكتملة.
بوروندي: الانسحاب مرهون بوصول قوة بديلة
تبرز مسألة استبدال القوات البوروندية بوصفها أحد أكثر جوانب الخطة حاجة إلى الحسم. فبحسب المعلومات التي أوردتها الصحيفة، لا يبدو أن بوروندي أُبلغت رسميًا بالترتيبات المتعلقة بوصول القوات المصرية إلى المنطقة التي تنتشر فيها.
وشكك المتحدث باسم القوات البوروندية في الصومال، الجنرال روجيه نداييباسا، في الأنباء المتعلقة بالانتشار المصري، مؤكدًا أن قوات بلاده تعمل ضمن منظومة الدعم التابعة لمكتب الأمم المتحدة للدعم في الصومال «أنصوص»، ولن تعمل تحت مظلة تعاون ثنائي. وأضاف أن بوروندي مستعدة للانسحاب عندما تتوافر قوة تحل محلها.
ويضع هذا الموقف التسليم والتسلّم في صلب التحديات العملية. فاستبدال قوة بأخرى يتطلب تحديد المواقع التي ستنتقل مسؤوليتها، وتوقيت الانتقال، والجهة التي تتولى القيادة خلاله، وكيفية استمرار العمليات والإمدادات دون انقطاع.
وحذرت الصحيفة من أن انتقالًا غير منظم قد يخلق ارتباكًا ميدانيًا، خصوصًا إذا وصلت القوات المصرية قبل إعلان آلية واضحة لتوزيع المهام بينها وبين الوحدات الموجودة.
التمويل يحدد قابلية الخطة للتنفيذ
إلى جانب القيادة، يظل التمويل عاملًا حاسمًا في تحويل الترتيبات إلى انتشار فعلي. فالصعوبات التي أخرت المشاركة المصرية في البعثة لا يحسمها الإعلان عن مسار ثنائي، ما لم تتضح الجهة التي ستتحمل نفقات القوات واحتياجاتها التشغيلية.
ونقلت الصحيفة عن بارثا مومان، الباحث في شؤون القرن الأفريقي والباحث في الدكتوراه بكلية لندن للاقتصاد، أن المسؤولين المصريين طالما اعتبروا التمويل العائق الأكبر أمام المشاركة.
وحذّر مومان كذلك من احتمال تفاقم الضغوط إذا توقف الدعم الأميركي الذي أشار إليه التقرير، وانعكس ذلك على استمرار عمل «أنصوص»، المسؤول عن توفير الدعم اللوجستي للبعثة الأفريقية. ويظل هذا تحذيرًا من تطور محتمل، وليس تأكيدًا لتوقف المكتب عن أداء مهامه.
وتطرح المرحلة السابقة للانضمام إلى «أوصوم» أسئلة مالية وتشغيلية محددة: من يوفر النقل والتجهيز والإعاشة؟ وما حدود الاستفادة من منظومة الدعم القائمة؟ وكيف تنتقل هذه الالتزامات عند إدراج الوحدات المصرية ضمن البعثة؟
وفي سياق التحضير للانتشار، نقل التقرير عن صحيفة «العربي الجديد» أن فرقًا مصرية فنية وعسكرية، تضم مستشارين ومدربين وخبراء إمداد، توجهت إلى الصومال لأداء مهام استطلاعية.
التنافس الإقليمي يضاعف حساسية الانتشار
يرى محللون استند إليهم التقرير أن التحرك المصري يرتبط أيضًا بالتنافس مع إثيوبيا. وربط مومان خطة إرسال القوات بالخلاف الاستراتيجي بين القاهرة وأديس أبابا، وفي مقدمته النزاع حول سد النهضة ومياه النيل.
وتعد إثيوبيا السد مشروعًا أساسيًا لطموحاتها التنموية، بينما تنظر مصر إلى تداعياته المحتملة على حصتها المائية باعتبارها قضية تمس أمنها المائي.
ويمتد التنافس، وفق قراءة التقرير، إلى البحر الأحمر ومساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، وهو ما يزيد حساسية التحركات العسكرية في القرن الأفريقي، ويجعل آثارها تتجاوز حدود الدول التي تستضيفها.
وحذّر محللون متخصصون في أمن المنطقة من مخاطر صراعات بالوكالة أو مواجهات مباشرة، إلى جانب تداعيات تدفق الأسلحة إلى الصومال.
اختبار التنسيق قبل الانتشار
تضع الخطة المرتقبة الحكومة الصومالية والاتحاد الأفريقي أمام اختبار واضح: صياغة ترتيبات تضمن وحدة التنسيق بين قوات تتعدد أطر وجودها، في وقت تتعرض فيه منظومة الدعم المالي واللوجستي لضغوط.
ويبدأ ذلك بحسم سلسلة القيادة، وتأمين التمويل، وتنظيم استبدال القوات، وتحديد العلاقة بين الاتفاق الثنائي والتزامات البعثة الأفريقية. ومن دون توضيح هذه العناصر، ستظل أسئلة التنفيذ قائمة مهما بلغ حجم القوة المزمع إرسالها.
فعدد الجنود يحدد حجم الانتشار، أما وضوح القيادة واستدامة الإمداد وانضباط انتقال المسؤوليات، فتحدد ما يستطيع هذا الانتشار تحقيقه لأمن الصومال.