أزمة جنوب غرب الصومال تصعّد الخلاف بين الحكومة الصومالية وإثيوبيا وكينيا
دخلت الأزمة في ولاية جنوب غرب الصومال مرحلة جديدة، مع تقدم القوات الموالية لعبد العزيز حسن محمد «لفتاغرين» وسيطرتها على مدن وبلدات رئيسية في ولاية باي، مقابل تراجع القوات الداعمة للإدارة التي يقودها آدم مدوبي. وتزامنت هذه التطورات مع تصاعد انتقادات مسؤولين في الحكومة الفيدرالية لمواقف إثيوبيا وكينيا، ما أضاف بُعدًا إقليميًا إلى الصراع.
وخلال الأسبوعين الماضيين، سيطرت قوات لفتاغرين على مدن قنسحطيري وبردالي ودينسور وبورهكبا وأودينلي، وأحكمت الطوق حول بيدوا، آخر المدن التي تتمركز فيها القوات الموالية للحكومة الفيدرالية في ولاية باي. كما واصلت تقدمها باتجاه البلدات المتبقية تحت سيطرة تلك القوات في ولاية بكول.
بيدوا تحت الحصار وانقطاع طرق الإمداد
أصبحت بيدوا، مقر إدارة آدم مدوبي، محور المواجهة بعد فقدان المدن المحيطة بها. وشهدت المدينة هجمات متكررة دفعت مسؤولين بارزين في الإدارة إلى مغادرتها نحو العاصمة مقديشو، وسط توقعات بانتقال السيطرة عليها إلى قوات لفتاغرين.
وأفادت منظمة «أكليد»، المتخصصة في رصد النزاعات المسلحة والعنف السياسي، بأن إدارة مدوبي المدعومة من الحكومة الفيدرالية فقدت، بين 15 و17 أكتوبر، السيطرة على جميع الطرق الرئيسية المؤدية إلى بيدوا، بما فيها طرق الإمداد والتنقل.
وأوضحت المنظمة أن قوات لفتاغرين انتقلت إلى استراتيجية تطويق المدينة وعزلها، بعد إخفاق محاولات سابقة للسيطرة عليها بالكامل، وركزت عملياتها على الاستيلاء على المناطق الرئيسية المحيطة بها في ولاية باي.
كما رأت «أكليد» أن إدارة مدوبي تفتقر إلى دعم فعلي في ولايات باي وبكول وشبيلي السفلى، التي تتكون منها إدارة جنوب غرب الصومال.
اتهامات تطال إثيوبيا وكينيا
ترافقت التطورات الميدانية مع اتهامات وجهها الجانب الحكومي إلى لفتاغرين وقواته بالإرهاب، وانتقادات للدورين الإثيوبي والكيني في الأزمة.
وطالب رئيس البرلمان الصومالي عبد القادر محمد نور بمساءلة القوات الإثيوبية عن عدم تدخلها ضد قوات لفتاغرين. كما طالب كينيا بتفسير وجود لفتاغرين على أراضيها وتوفير الحماية له، مستخدمًا بحقه وصف «إرهابي».
وتكشف هذه التصريحات عن اتساع الخلاف بين الحكومة الفيدرالية وكل من أديس أبابا ونيروبي، في وقت تواجه فيه الإدارة المدعومة من مقديشو ضغوطًا عسكرية متزايدة في جنوب غرب البلاد.
خلاف انتخابي تحول إلى مواجهة عسكرية
تعود جذور التصعيد الأخير إلى خلاف بشأن توقيت الانتخابات والتعديلات الدستورية. ففي أواخر مارس 2026، دخلت قوات موالية للرئيس حسن شيخ محمود مدينة بيدوا بالقوة، وأُبعد لفتاغرين عن رئاسة الإدارة، وفق التسلسل الذي عرضه معهد «هورن ريفيو» الإثيوبي، المعني بالشؤون السياسية والأمنية.
وكان لفتاغرين قد عارض الخطط الانتخابية للحكومة الفيدرالية، ونظم انتخابات مبكرة لإعادة انتخابه. وأعقب ذلك إرسال حسن شيخ محمود تعزيزات عسكرية من بورهكبا إلى بيدوا.
وبدا التدخل العسكري في بدايته ناجحًا؛ إذ استقال لفتاغرين وغادر إلى نيروبي، قبل أن يتولى آدم مدوبي، المتحالف مع الرئيس الصومالي، قيادة إدارة جنوب غرب الصومال في يونيو.
لكن موازين السيطرة تغيرت مجددًا في منتصف أكتوبر، عندما استعادت القوات الموالية للفتاغرين عددًا من المدن الرئيسية في ولاية باي خلال فترة قصيرة.
تقدم سريع ومقاومة محدودة
ذكر «هورن ريفيو» أن قوات لفتاغرين واجهت مقاومة محدودة في معظم المناطق التي سيطرت عليها، بينما لجأ مسؤولون محليون إلى قواعد قوات الاتحاد الأفريقي. ولم تتدخل القوات الإثيوبية الموجودة بالقرب من تلك المناطق في المواجهات.
وأوضح المعهد أن القادة العسكريين الإثيوبيين في باي وبكول رفضوا الانخراط في القتال ضد لفتاغرين، معتبرًا أن هذا القرار يتفق مع مهام قواتهم، التي لا تشمل التدخل في التنافس على السلطة بين السياسيين الصوماليين.
ومع استمرار التقدم نحو مواقع القوات الحكومية في بكول، تتزايد الضغوط على إدارة مدوبي، التي تواجه خطر فقدان مزيد من المناطق خارج بيدوا.
مغادرة مسؤولين ومؤشرات على تراجع سياسي
قال المحلل الأمني في مركز «سهن للأبحاث» رشيد عبدي إن استقبال آلاف السكان لقوات لفتاغرين في جنوب غرب الصومال يعكس تراجع المشروع السياسي للرئيس حسن شيخ محمود في المنطقة.
وأضاف عبدي، الذي سبق أن عمل مع مجموعة الأزمات الدولية، في منشور على منصة «إكس»، أن مسؤولين في إدارة مدوبي وحلفاء لهم يغادرون بيدوا توقعًا لسيطرة قوات لفتاغرين عليها قريبًا، مشيرًا إلى أن مدوبي نفسه موجود في مقديشو.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع الحصار العسكري المفروض على المدينة وفقدان طرق الوصول الرئيسية إليها.
خلاف بشأن مسؤولية دول الجوار
حمّل «هورن ريفيو» الحكومة الفيدرالية مسؤولية الاضطرابات في جنوب غرب الصومال، وانتقد تعاملها مع لفتاغرين وإثيوبيا وكينيا. ورأى أن الاتهامات الموجهة إلى الدولتين تهدف إلى الحد من التداعيات السياسية للخسائر الميدانية التي تكبدتها القوات المدعومة من مقديشو.
وأكد المعهد عدم وجود أدلة كافية تدعم اتهام إثيوبيا وكينيا بالوقوف وراء التحرك المسلح في الولاية، معتبرًا أن موقفهما يتمثل في الامتناع عن الانخراط في الأهداف السياسية للحكومة الفيدرالية، وليس دعم القتال ضدها.
كما رأى أن تفسير الأزمة باعتبارها نتيجة تدخل خارجي يحجب أثر القرارات الداخلية التي سبقت المواجهات، وفي مقدمتها التدخل العسكري لتغيير قيادة الإدارة.
زيارة آبي أحمد إلى نيروبي وسط التوتر
تزامن اتساع الأزمة مع زيارة أجراها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إلى نيروبي قبل أيام. وأشار «هورن ريفيو» إلى أن الزيارة جاءت في وقت تتصاعد فيه التوترات المرتبطة بالصومال، مع انعكاس الخلافات السياسية الداخلية على علاقات مقديشو بكل من إثيوبيا وكينيا.
وتوقع المعهد أن يمتد تراجع سيطرة الحكومة الفيدرالية إلى مناطق أخرى بعد المدن المحيطة ببيدوا، وأن تستمر الخلافات مع دول الجوار ما دامت مقديشو تربط خسائرها العسكرية والسياسية بمواقف تلك الدول.