كيف انتهت أزمة السويداء؟
في مشهد غير مسبوق منذ اندلاع الأزمة السورية، تحولت محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية إلى مسرح لمواجهات دموية بين مكونات محلية، بعد سنوات من الحياد النسبي عن خطوط النار التقليدية في البلاد. أزمة تصاعدت بسرعة خلال أيام قليلة، خلّفت مئات القتلى والجرحى وآلاف النازحين، قبل أن تُخمد نارها باتفاق هشّ رعته أطراف إقليمية ودولية.
جذور الأزمة: احتقان مكتوم وانفجار مفاجئ
بدأت الأزمة في 13 يوليو 2025 بعد عملية اختطاف متبادلة بين مجموعات من البدو والدروز على خلفية ثأر قديم ونزاع حول الأراضي وموارد المياه. لكن سرعان ما تحولت الحادثة إلى اقتتال مسلح واسع شاركت فيه قوات الأمن السوري من جهة، ومجموعات درزية مسلحة من جهة أخرى.
الاشتباكات تصاعدت بسرعة في مدينة السويداء وريفها، وامتدت إلى مناطق جبل العرب، ما تسبب في انهيار شبه كامل للهدوء الأمني الذي كان يميز المحافظة. وأعلنت مصادر حقوقية أن الاشتباكات أسفرت عن مقتل أكثر من 500 شخص خلال أربعة أيام فقط، إضافة إلى نزوح نحو 93 ألف مدني من ديارهم.
الدور الإقليمي والدولي: الاحتلال الإسرائيلي وأمريكا على خط الأزمة
اللافت أن التصعيد دفع أطرافًا إقليمية ودولية إلى التدخل بشكل مباشر.
ففي سابقة خطيرة، نفذ الاحتلال الإسرائيلي غارات جوية على مواقع للجيش السوري في محيط السويداء ودمشق، بحجة حماية أبناء الطائفة الدرزية، وهو ما اعتبره البعض رسالة مزدوجة إلى النظام السوري وإيران على حد سواء.
من جانب آخر، دخلت الولايات المتحدة عبر قنوات دبلوماسية على خط الوساطة، ودفعت نحو تسوية تقضي بوقف الاشتباكات وسحب القوات الحكومية والمسلحين البدو من داخل المدينة، مقابل تسليم إدارة الملف الأمني مؤقتًا لقيادات درزية محلية.
إعلان الهدنة: اتفاق بلا ضمانات
في 17 يوليو 2025، وبعد أربعة أيام من القتال العنيف، تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار برعاية غير معلنة من الولايات المتحدة، وبتوافق ضمني من أطراف إقليمية فاعلة. نص الاتفاق على:
انسحاب القوات الحكومية من المواقع الأمنية داخل مدينة السويداء.
خروج المسلحين البدو من أحياء المدينة إلى مواقع خارج المحافظة.
تسليم الأمن الداخلي لـ”اللجنة الشعبية الدرزية” بقيادة حكمت الحِجري.
عدم ملاحقة العناصر المشاركة في القتال من الطرفين خلال المرحلة الأولى.
ورغم وقف إطلاق النار، لم يتضمن الاتفاق أي ضمانات لحماية المدنيين أو ضمان عودة النازحين، كما لم يُطرح ملف المساءلة القانونية على الطاولة.
ما بعد الأزمة: هدوء هش وتوتر كامن
منذ إعلان الهدنة، شهدت السويداء هدوءًا نسبيًا، مع عودة تدريجية لبعض الخدمات الأساسية وفتح الطرق الداخلية. لكن الأوضاع لا تزال بعيدة عن الاستقرار، لعدة أسباب أبرزها:
غياب أي معالجة حقيقية لأسباب الأزمة، خاصة ما يتعلق بالتهميش السياسي والتدهور الاقتصادي.
تصدع الثقة بين مكونات المجتمع المحلي، لا سيما بين الدروز والبدو.
مخاوف من عودة الاشتباكات في حال انهيار الهدنة أو تدخل أطراف خارجية جديدة.
ويرى مراقبون أن غياب حل سياسي شامل، ومعالجة حقيقية لأسباب الاحتقان الطائفي والاجتماعي، يعني أن الأزمة قابلة للعودة بأي لحظة، وأن ما جرى ليس سوى جولة أولى في صراع مؤجل.
رغم نجاح الهدنة في إيقاف نزيف الدم مؤقتًا، تبقى أزمة السويداء جرس إنذار خطير على هشاشة الوضع السوري عامة، وتدل على أن الفوضى في المناطق المحايدة سابقًا قد تتحول إلى بؤر اشتعال ما لم يُعالج الملف السوري برمته بجذرية وشمولية.
المجازر الصامتة: البدو ضحايا الصراع في السويداء
في زحمة التغطيات الإعلامية لأحداث السويداء الأخيرة، غابت إلى حد كبير معاناة القبائل البدوية التي دفعت ثمنًا باهظًا في هذا الصراع المعقد، حيث تعرضت لعشرات المجازر والانتهاكات على أيدي مجموعات مسلحة محلية وسط صمت دولي مريب وتجاهل إعلامي فاضح.
فبينما انشغل العالم بالشق السياسي والاشتباكات المسلحة، كانت هناك عائلات بدوية تُقتل وتُهجر وتُحرق خيامها، فقط لأنهم وجدوا أنفسهم وسط نزاع لم يختاروه.
في بداية الأزمة، اندلع الاشتباك بين مجموعة من الشبان البدو ومسلحين دروز إثر نزاع حول أراضٍ رعوية، أعقبه حادث اختطاف متبادل تطور بسرعة إلى صراع جماعي دموي.
لكن ما حدث لاحقًا تجاوز أي منطق أو مبرر: تم شن هجمات منظمة على قرى وتجمعات بدوية، أُحرقت فيها عشرات الخيام والمنازل، وقُتل فيها الأطفال والنساء والشيوخ دون تمييز.
بحسب تقارير ميدانية من ناشطين مستقلين ومنظمة “عين على البادية”، فإن الأحداث أسفرت عن:
مقتل أكثر من 180 شخصًا من البدو، معظمهم من المدنيين، بينهم أكثر من 30 طفلًا وامرأة.
حرق 11 قرية وتجمع بدوي بشكل كامل أو جزئي.
نزوح أكثر من 15 ألف شخص من البدو خلال أيام فقط، في ظروف إنسانية كارثية.
تسجيل حالات تعذيب مروّعة واعتداءات جسدية على مدنيين أثناء محاولتهم الفرار من مناطق الاشتباك.
تقارير عن إعدامات ميدانية جماعية بحق أسر بأكملها، دون تحقيق أو محاكمة.
الغريب أن هذه المجازر حدثت في ظل صمت كامل من الدولة السورية، بل ذهب بعض الناشطين لاتهام الحكومة بالتواطؤ غير المباشر من خلال انسحاب القوى الأمنية من بعض المناطق، وترك المدنيين لمصيرهم.
كما لم تسجّل أي إدانة رسمية من قِبل الجهات الدولية، رغم ظهور صور وفيديوهات دامغة تثبت حجم الانتهاكات المرتكبة بحق هذه الفئة المهمشة.
التهميش التاريخي يتجدد بالعنف
لطالما عانى البدو في سوريا من التهميش السياسي والاجتماعي والاقتصادي، إلا أن ما حدث في السويداء شكّل ذروة هذا التهميش، عندما تحول إلى عنف ممنهج وقتل على الهوية، في ظل خطاب إعلامي يصوّر البدو كمصدر تهديد وفوضى.
وقد عبّر أحد مشايخ القبائل في تصريح خاص:
“لم نكن طرفًا في الصراع، لكننا دُفعنا إليه دَفعًا، واليوم تُراق دماؤنا ونُقتل بدم بارد، فقط لأننا بدو، وكأن العدالة لا تشملنا.”
وفي أعقاب الهدنة، صدرت بعض الدعوات من منظمات حقوقية سورية وعربية تطالب بـ:
فتح تحقيق دولي شفاف في جرائم الحرب التي طالت البدو.
توثيق كل المجازر والانتهاكات ومحاكمة مرتكبيها أمام القضاء.
توفير ممرات آمنة وعودة كريمة للنازحين إلى أراضيهم وقراهم.
معالجة ملف التمييز ضد البدو كأحد جذور المشكلة البنيوية في المجتمع السوري.
إن المجازر التي ارتكبت بحق القبائل البدوية في السويداء ليست مجرد حوادث فردية، بل هي وجه آخر لصراع طبقي وثقافي وهووي لم يُعالج منذ عقود.
وإذا لم تتحرك المسؤولة عن تحقيق الأمن والاستقرار في البلاد، فإن العدالة في سوريا ستظل انتقائية ومشروطة بالهوية، بينما تبقى ذاكرة البدو مثقلة بالجراح… وبالخذلان.
حكمت الهجري عميل اليهود

حكمت سلمان الهجري هو الشيخ الروحي للطائفة الدرزية في محافظة السويداء، تولى المشيخة بعد وفاةشقيقه أحمد عام 2012 المُنتمي للعائلة التي تتوارث المنصب منذ القرن التاسع عشر .
أيد النظام السوري حتى عام 2018، وكان من أبرز الشخصيات التي أظهرت ولاءً علنيًا، بما في ذلك خطاب تأييد أمام بشار الأسد في أحد أعراس السويداء .
لكن منذ انقلاب الهبّة الشعبية في 2021، تراجعت شعبيته، حتى أصبح أحد الأصوات الدينية المعارضة للحكومة، مدعوماً من جهة مقربة من الطوائف السياسية الممانعة داخل السويداء.
قاد تشكيل “المجلس العسكري في السويداء” في فبراير/شباط 2025، والذي بات واجهة عسكرية دينية في مواجهة الدولة السورية، بمعركة مسلحة ضد عشائر بدوية بدعم داخلي وأجنبي.
دعا بوضوح إلى رفض الهدنة مع دمشق، ورغب في استمرار القتال عبر المقاومة المحلية باعتبارها “واجبًا إنسانيًا” و”تحريرًا للمحافظة” .
قاتل الهجري على أساس أن “إسرائيل” هي الحامية للطائفة الدرزية، وناشد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والولايات المتحدة لتدخل “لحماية السويداء”، خاصة بعد طلبه عدم توسّع الجيش السوري في المحافظة .
في مارس/آذار 2025، تنقل ممثلوه خارج البلاد، وعرضوا خططًا لتنسيق مسلح مع مناطق “سوريا الديمقراطية” (قسد) وعرفوا بدعم إسرائيلي محتمل لمحاولة إقامة حكم محلي مستقل في الجنوب السوري.
قادت وفود دينية درزية إلى “إسرائيل” في زيارات رسمية، ووسّط الهجري عشائرًا درزية تضمّت 60 رجل دين، في أجواء أثارت الشكوك حول “تفهمات خفية” بينه وبين السلطات الإسرائيلية.
ادَّعى حكمت الهجري وجود عمليات إبادة غير مباشرة بأيدي فصائل درزية مرتبطة به، رغم استهداف المدنيين البدو (الذين وصفهم بأنه “يدافع عنهم”)، بما في ذلك حرق قرى، وقتل مدنيين بينهم نساء وأطفال، بعد انسحاب القوات الحكومية من المدينة . ترافقت هذه الأحداث مع غارات إسرائيلية على دمشق والسويداء، في خطوة عمل البعض أنها جاءت بتنسيق غير معلن مع هوى الهجري في حفاظه على نفوذه .
حكمت الهجري انتقل من مرجعية دينية موالية إلى النظام، إلى رأس مشروع انفصالي مدعوم خارجيًا، يدعو صراحة إلى تدخلات دولية وإسرائيلية لتحصين مناطق نفوذه في السويداء. وإن ادعى أنه “يدافع عن أبنائه”، فالفعل أثبت عكس ذلك: إذ ارتكب فصائل درزية تحت قيادته انتهاكات منهجية بحق القبائل البدوية الغير مسلحة.
وفي حين يطالب بـحماية خارجية، فإن مستقبل سوريا يهدده الانقسام بهذه التدخلات المتهورة والوقحة في سيادة سوريا.
عبارات عدائية وتصريحات مقلقة
مع تصاعد الأحداث في محافظة السويداء، برزت مؤخرًا العديد من التقارير والمقاطع المصورة التي توثق خطابًا طائفيًا موجهًا ضد المسلمين من قبل عناصر مسلحة تتبع بعض الجماعات الدرزية المحلية.
في بعض المقاطع المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي، ظهرت عبارات عدائية ضد النبي صلى الله عليه وسلم وضد رموز إسلامية، وتهديدات تستهدف السكان السنة بذريعة “الثأر” أو “التطهير”، وهي ممارسات تفتح الباب أمام احتمالية ارتكاب جرائم ذات بعد طائفي قد تندرج تحت جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية إن تم السكوت عنها أو دعمها.
تذرع بعض قادة هذه المجموعات بما وصفوه بـ “التمييز التاريخي” أو “رد المظالم”.
وضوح هذه التصريحات في الإعلام، الذي رافقه الصمت الشعبي العام مقلق، ويحتاج إلى معالجة جذرية وشاملة.
إن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في البنادق، بل في الأفكار التي تسوغ لها أن توجه ضد الأبرياء. وما لم يتم كبح هذه الأصوات المتطرفة، فإن مستقبل العيش المشترك في الجنوب السوري سيكون في خطر حقيقي، وسيدفع الأبرياء، من جميع الأطراف، أثمانًا باهظة.