محاربون قدامى يحذّرون واشنطن: القوة العسكرية لا تصنع سياسة خارجية ناجحة

عقيد أمريكي متقاعد: التفوق العملياتي لا يضمن نتائج سياسية.. والولايات المتحدة أنفقت على القوة العسكرية أكثر بكثير من أدوات الدبلوماسية والتنمية

لم يعد الانتقاد الموجه إلى السياسة الخارجية الأمريكية القائمة على القوة العسكرية حكراً على التيارات المناهضة للحروب أو الأوساط الأكاديمية؛ إذ يأتي جزء من هذا النقد من داخل المؤسسة العسكرية نفسها، على لسان جنود وضباط خاضوا الحروب الأمريكية وشهدوا نتائجها عن قرب.

وفي تحليل نشرته مجلة Responsible Statecraft، يرى العقيد المتقاعد من الجيش الأمريكي أندرو م. ليونارد أن إحدى أهم مشكلات السياسة الخارجية الأمريكية تتمثل في اتساع الفجوة بين النجاح العسكري على المستوى العملياتي والنتائج السياسية والاستراتيجية. فالفوز في معركة أو تنفيذ عملية عسكرية بنجاح لا يعني بالضرورة تحقيق الهدف السياسي الذي من أجله أُرسلت القوات.

ويستند ليونارد إلى خبرته التي امتدت لأكثر من 32 عاماً في الخدمة العسكرية، شملت العمل في مواقع عسكرية ودبلوماسية متعددة، ليحذر من أن زيادة النشاط العسكري لا تستطيع وحدها سد الفجوة بين الأهداف العسكرية والنتائج السياسية.

 

عندما يصبح الجيش الأداة الأولى للسياسة الخارجية

بحسب التحليل، تمتلك الولايات المتحدة مجموعة واسعة من أدوات القوة الوطنية، تشمل الدبلوماسية والمعلومات والقوة العسكرية والاقتصاد والتمويل والاستخبارات وإنفاذ القانون. والمفترض أن تعمل هذه الأدوات بصورة متكاملة لتحقيق الأهداف الأمريكية.

غير أن حروب ما بعد هجمات 11 سبتمبر أسهمت في خلق اختلال كبير بين هذه الأدوات؛ إذ أصبحت المؤسسة العسكرية أكثر جاهزية وتمويلاً بكثير من المؤسسات المدنية المسؤولة عن الدبلوماسية والتنمية وبناء العلاقات السياسية.

ويشير ليونارد إلى أن الميزانيات العسكرية الأمريكية تقترب من 900 مليار دولار سنوياً، مع طلبات إضافية كبيرة، بينما تتراوح مخصصات الشؤون الدولية، بما فيها الدبلوماسية والتنمية والمساعدات الأمنية، في حدود 50 إلى 60 مليار دولار. ويجعل ذلك الفارق بين الإنفاق العسكري والإنفاق على الأدوات المدنية للسياسة الخارجية هائلاً.

والنتيجة، وفق هذا الطرح، أن الولايات المتحدة قد تقع في مأزق تتحول فيه المشكلات السياسية إلى مشكلات عسكرية بمجرد أن تكون المؤسسة العسكرية هي الأداة الأكثر تمويلاً واستعداداً للتحرك.

 

نجاح في الميدان.. وفشل في السياسة

يستند المقال إلى تجربة الكاتب في العراق، حيث عمل مع الجيش الأمريكي والقوات العراقية وقوات البيشمركة الكردية عام 2010 لإنشاء آليات أمنية مشتركة على إحدى أكثر مناطق البلاد توتراً.

وكان الهدف من تلك الترتيبات إدارة خطوط التماس ومنع الاحتكاك بين قوات لا تثق ببعضها، وقد نجحت مؤقتاً في الحد من المخاطر الأمنية.

لكن التجربة أظهرت، بحسب ليونارد، حدود الدور العسكري؛ فالقوات تستطيع إدارة المشكلة الأمنية، لكنها لا تستطيع بمفردها حل الخلافات السياسية التي تقف خلفها.

وبعد انتهاء المهمة العسكرية الأمريكية، كان المطلوب وجود مؤسسات سياسية ودبلوماسية قوية وقادرة على التعامل مع تلك الخلافات. لكن هذا الجانب لم يحظَ بالموارد والاهتمام نفسيهما، وفي عام 2014 تمكن تنظيم داعش من استغلال التصدعات الأمنية والسياسية في العراق والسيطرة على الموصل والتقدم باتجاه بغداد.

ومن هنا يخلص الكاتب إلى أن الدرس ليس بالضرورة أن بقاء القوات الأمريكية كان سيحل المشكلة، بل أن الانسحاب العسكري من أي ساحة يجب أن يترافق مع انتقال حقيقي إلى أدوات سياسية ودبلوماسية قادرة على معالجة أسباب النزاع.

 

شراكات أمنية يصعب إنهاؤها

ينبه التحليل كذلك إلى مشكلة أخرى في السياسة الأمريكية، وهي أن العلاقات الأمنية التي تبدأ بهدف محدد قد تستمر سنوات طويلة بعد زوال السبب الذي أدى إلى إنشائها.

ويشير ليونارد إلى أن الالتزامات الأمنية مع الشركاء سهلة البدء، لكنها أصعب بكثير عند محاولة تقليصها أو إعادة هيكلتها أو إنهائها، خصوصاً عندما تتغير المصالح السياسية للطرف الشريك.

كما أن التدريب والتسليح الأمريكيين لا يضمنان بالضرورة بناء مؤسسات أمنية قادرة على تحقيق النتائج التي تريدها واشنطن. ويستشهد الكاتب بتجربة العراق، حيث لم تكن القوات الأمنية التي تشكلت بعد سنوات من الدعم والتدريب الأمريكي بالمستوى الذي كانت واشنطن تأمل في الوصول إليه.

وتتجاوز المشكلة حدود الكفاءة العسكرية؛ فالقوات الأجنبية تعمل داخل بيئات سياسية تتسم أحياناً بالفساد وضعف المؤسسات والخلافات الداخلية. وهذه المشكلات لا يستطيع التدريب العسكري وحده معالجتها.

 

ثمن السياسة العسكرية

يرى ليونارد أن الإفراط في استخدام القوة لا يحمل تكلفة مالية فقط، بل يخلق أعباء طويلة الأجل على الجنود والمحاربين القدامى وعائلاتهم.

ويذكر التحليل تقديرات تشير إلى أن الحروب والصراعات الأمريكية خلال ربع القرن الماضي ارتبطت بوفاة نحو 30 ألفاً من أفراد الخدمة والمحاربين القدامى بسبب الانتحار، وهو رقم يتجاوز بكثير عدد العسكريين الذين قتلوا في العمليات العسكرية خلال الفترة نفسها. كما أن تكاليف الرعاية طويلة الأجل للمحاربين القدامى أصبحت جزءاً كبيراً من نفقات التعويضات العسكرية.

ويقدم الكاتب هذه الأرقام باعتبارها دليلاً على أن تكلفة الحروب لا تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية؛ فآثارها يمكن أن تستمر لعقود، وتتحملها الأسر والمجتمعات والمؤسسات الحكومية.

 

«التحفظ» ليس ضعفاً

لا يدعو ليونارد إلى التخلي عن القوة العسكرية، بل إلى استخدامها بصورة أكثر انضباطاً.

ويعرّف ما يسميه «التحفظ» بأنه استخدام القوة الأمريكية بعد تحديد أهداف واضحة، وتقدير واقعي للتكاليف والنتائج المحتملة، وعدم تحويل التفوق العسكري إلى غاية بحد ذاته.

وهنا يبرز مبدأ قديم في التفكير العسكري الأمريكي: القوة المسلحة ينبغي أن تكون تابعة للهدف السياسي، وليست بديلاً عنه.

ويستحضر المقال تحذيرات تاريخية من عسكرة السياسة الخارجية، من جورج واشنطن الذي حذر من تضخم المؤسسات العسكرية، إلى العقيدة التي ارتبطت بالجنرال ووزير الخارجية الأمريكي الأسبق كولين باول، والتي شددت على ضرورة وجود أهداف واضحة وقابلة للتحديد قبل استخدام القوة.

لماذا يتحدث المحاربون القدامى؟

يرى الكاتب أن للمحاربين القدامى موقعاً خاصاً في النقاش الأمريكي حول الحرب، ليس لأن خدمتهم تمنحهم حقاً إضافياً في اتخاذ القرارات السياسية، وإنما لأنهم اختبروا نتائج تلك القرارات بأنفسهم.

فالقرار باستخدام القوة يجب أن يبقى بيد القيادة السياسية المدنية المنتخبة، بينما يتمثل دور المؤسسة العسكرية في تقديم المشورة المهنية وتنفيذ الأوامر القانونية في إطار الدستور.

لكن خبرة العسكريين السابقين تمنحهم، بحسب ليونارد، مساحة سياسية للحديث عن سؤال غالباً ما يُهمل: هل ينبغي أن تستمر القوات المسلحة في تحمل أعباء مهام كان من المفترض أن تتولاها أدوات أخرى من أدوات السياسة الوطنية؟

واشنطن أمام معادلة مختلة

الرسالة الأساسية التي يطرحها التحليل تتجاوز مسألة تقليل الإنفاق العسكري أو الانسحاب من حرب بعينها؛ إنها تتعلق بكيفية صياغة السياسة الخارجية الأمريكية نفسها.

فإذا كانت الدبلوماسية والتنمية والمؤسسات المدنية تعاني نقص الموارد، بينما تحظى المؤسسة العسكرية بقدرات ضخمة، فإن صانع القرار سيجد أمامه أداة جاهزة للاستخدام في كل أزمة تقريباً.

وهكذا تتحول القوة العسكرية من أداة ضمن مجموعة أدوات إلى الأداة الأولى، وربما الأسهل، في التعامل مع الأزمات الدولية.

ومن منظور ليونارد، فإن الولايات المتحدة لا تحمي جنودها فقط بمنع إرسالهم إلى حروب غير ضرورية، بل أيضاً عبر بناء سياسة خارجية متوازنة تجعل القوة العسكرية خياراً مدروساً لا نتيجة تلقائية لضعف الأدوات الأخرى.

يكشف مقال العقيد الأمريكي المتقاعد أندرو م. ليونارد عن مفارقة داخل السياسة الخارجية الأمريكية: بلد يمتلك قوة عسكرية هائلة، لكنه قد يجد نفسه أقل قدرة على تحقيق أهداف سياسية طويلة الأمد عندما تتراجع أدوات الدبلوماسية والتنمية والمؤسسات المدنية.

فالجيش يستطيع كسب المعارك، وتأمين المناطق، وتدريب القوات الحليفة، وردع الخصوم؛ لكنه لا يستطيع بمفرده بناء توافقات سياسية أو القضاء على الفساد أو حل النزاعات التاريخية.

ولهذا فإن السؤال الذي يطرحه المحاربون القدامى على واشنطن ليس: هل القوة العسكرية مهمة؟ بل: هل تستخدم الولايات المتحدة قوتها العسكرية لأن مصالحها تقتضي ذلك، أم لأنها أصبحت الأداة الأكثر جاهزية وتمويلاً بينما تراجعت الأدوات الأخرى؟

ووفق هذا المنظور، فإن إعادة التوازن إلى السياسة الخارجية الأمريكية لا تعني إضعاف الجيش، وإنما منع تحويله إلى البديل عن الدبلوماسية والسياسة.