مرسوم الحقوق الكردية في سوريا: بين لغة الوحدة وواقع الصراع العسكري

شهدت الساحة السورية مؤخراً إعلاناً سياسياً لافتاً موجهاً إلى “أهلنا الكرد”، تضمن دعوة صريحة للوحدة ونبذ “روايات الفتنة”، ووعداً بإصدار “مرسوم خاص يضمن حقوقكم وخصوصياتكم لتكون مصونة بنص القانون”، مع فتح باب “العودة الآمنة والمشاركة الكاملة في بناء وطن واحد يتسع لجميع أبنائه” . جاء هذا الإعلان، الذي تلاه مرسوم رئاسي فعلي، في توقيت بالغ الحساسية، مما يجعله وثيقة سياسية تستحق التحليل العميق لدلالاتها ومآلاتها.

التوقيت الحرج: الجزرة بعد العصا

إن أهم ما يميز هذا الإعلان هو توقيته، الذي تزامن مع تصعيد عسكري كبير في محيط حلب وريفها الشرقي. ففي الوقت الذي كانت فيه وحدات من الجيش السوري تشن عمليات عسكرية ضد مواقع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في دير حافر، وتسيطر بالكامل على حلب بعد اشتباكات عنيفة، أصدر الرئيس السوري أحمد الشارع المرسوم الرئاسي .
هذا التزامن يشير بوضوح إلى استراتيجية “الجزرة والعصا” التي تتبناها القيادة السورية الجديدة. فبعد استخدام القوة العسكرية لفرض واقع جديد على الأرض وإجبار قوات قسد على إعلان الانسحاب شرق نهر الفرات، جاء المرسوم كـ “بادرة حسن نية” وكأداة سياسية لـفصل المكون الكردي المدني عن قيادته العسكرية المتمثلة في قسد. والرسالة واضحة: الدولة تمد يدها للوحدة والاعتراف بالحقوق، ولكنها لن تتسامح مع أي كيانات عسكرية أو إدارية خارج سيطرتها.

دلالات المرسوم: إنهاء عقود من التهميش

يمثل المرسوم الرئاسي، الذي أعلن عنه الرئيس الشارع، تحولاً تاريخياً في العلاقة بين الدولة السورية والمكون الكردي. فقد تضمن المرسوم ثلاث نقاط محورية تنهي عقوداً من التهميش والإنكار :
1.الاعتراف باللغة الكردية كلغة وطنية: وهو أول اعتراف رسمي للغة الكردية منذ استقلال سوريا عام 1946.
2.إعلان المكون الكردي “جزءاً أساسياً لا يتجزأ” من سوريا: تأكيد على الهوية الوطنية الجامعة.
3.منح الجنسية للمجردين منها: معالجة لقضية “المكتومين” والمجردين من الجنسية بموجب إحصاء عام 1962، والتي طالت ما يقدر بـ 20% من الكرد السوريين.
4.إعلان عيد نوروز (رأس السنة الكردية) عطلة رسمية: اعتراف بالخصوصية الثقافية.
بحسب محللين، هذه البنود، خاصة استعادة الجنسية والاعتراف باللغة، تمثل استجابة لمطالب تاريخية مشروعة للكرد السوريين، وتفتح الباب أمام اندماج كامل للمجتمع الكردي في مؤسسات الدولة، بعد أن عانى من التمييز والإقصاء السياسي والاجتماعي لعقود.

مآلات الإعلان: تحديات الوحدة والمشاركة

على الرغم من الأهمية التاريخية للمرسوم، فإن مآلاته المستقبلية تظل محفوفة بالتحديات، ويمكن تحليلها عبر مستويين:

1. مستوى الاستجابة الكردية

تعتمد فعالية المرسوم على مدى استجابة الشارع الكردي له. فبينما يرحب الكثيرون بالاعتراف بالحقوق المدنية والثقافية، يظل السؤال الأكبر هو مصير الإدارة الذاتية التي أقامتها قوات قسد في شمال وشرق سوريا. وقد أشار مظلوم عبدي، قائد قسد، إلى أن الانسحاب العسكري يأتي “تنفيذاً لبنود اتفاق 10 مارس” الذي كان يهدف إلى دمج الإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة السورية .
ولا يكفي النظر في مستوى الاستجابة الكردية فاستجابة السوريين أنفسهم هل ترحب تماما بانضمام الأكراد، حيث أن الكثير من الردود على مواقع التواصل أظهرت الاعتراض والتحذير من هذه الخطوة التي تهدد أمن البلاد.

2. مستوى التنفيذ والضمانات

إن النص القانوني وحده لا يكفي لضمان نجاح المشروع، والتحدي الأكبر يكمن في تحويل الوعود إلى واقع ملموس، خاصة في ظل استمرار التوترات العسكرية وأيضا في ضمان أن لا يكون لهذا التنفيذ تداعيات على أمن سوريا.
•العودة الآمنة: يجب أن تكون العودة إلى المناطق التي سيطرت عليها الدولة حديثاً، مثل أجزاء من حلب، آمنة ومضمونة، بعيداً عن أي ملاحقات أو انتقامات من الطرفين.
•المشاركة الكاملة: هل سيقبل الأكراد الانضمام دون مشاركة حقيقية في صناعة القرار السوري؟
•مصير الإدارة الذاتية: يبقى مصير الهياكل الإدارية والتعليمية التي أقامها الكرد في مناطقهم هو العقدة الأبرز. هل سيتم دمجها بالكامل أم سيتم منحها شكلاً من أشكال اللامركزية الإدارية؟

نحو سورية موحدة تتسع للجميع هل يتحقق؟

يمثل الإعلان عن مرسوم الحقوق الكردية خطوة نحو معالجة قضية معلقة عمرها عقود، وهو يعكس رغبة القيادة السورية في طي صفحة الصراع والتوجه نحو الوحدة الوطنية والتنمية. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الخطوة مرهون بمدى قدرة الدولة على تقديم ضمانات حقيقية للعودة الآمنة. ومدى صدق تجاوب الأكراد مع مشروع الدولة الواحدة. إن الطريق إلى “سورية واحدة” يمر عبر تحديات كبرى يجب التحسّب لها وليس مجرد شعارات مطمئنة.

 

ساجد العمري