مشاركة مصر في بعثة الاتحاد الأفريقي بالصومال تُثير قلق إثيوبيا
مع اقتراب انضمام القوات المصرية إلى بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال (أوسوم)، يزداد الجدل الإقليمي حول التداعيات المحتملة لهذه الخطوة، خاصة في ظل العلاقات المتوترة بين مصر وإثيوبيا على خلفية النزاع الممتد حول مياه النيل وسد النهضة.
منذ فترة طويلة كان متوقعًا أن تشارك مصر في البعثة الجديدة، بعد حصولها على الموافقات اللازمة من الاتحاد الأفريقي. وتؤكد الحكومة الصومالية أن انضمام القاهرة يبرز التزامها المتزايد بدعم الاستقرار في الصومال، ومحاربة حركة الشباب المجاهدين، فضلًا عن تعزيز قدرات الجيش الوطني الصومالي. ووصفت وزارة الدفاع الصومالية هذه الخطوة بأنها تعكس “الدور المتنامي لمصر في دعم جهود الأمن والاستقرار في البلاد”.
لكن الموقف الإثيوبي بدا أكثر تحفظًا. ففي مقابلات متعددة مع وسائل الإعلام في مقديشو، عبّر سفير إثيوبيا لدى الصومال، سليمان ديديفو، عن قلق بلاده من أن مشاركة مصر لن تُسهم بشكل فعّال في تعزيز السلام، معتبرًا أن القاهرة لا تمتلك سجلًا واضحًا في مجال حفظ السلام الدولي. وأشار إلى أن مصر لم تحقق نجاحًا يُذكر في محاولاتها السابقة للمساهمة في استقرار دول مثل ليبيا والسودان وقطاع غزة.
مع ذلك، شدد ديديفو على أن أديس أبابا لا تنظر إلى الوجود المصري في الصومال كتهديد مباشر، لكنه حذّر من أن أي تجاوز أو تدخل في عمليات القوات الإثيوبية سيُقابل برد مناسب.
وقال: “لسنا خائفين، ولسنا مهددين بوجود القوات المصرية، ما دامت لا تحاول تحدي قواتنا. لكن في حال حدوث أي تدخل غير مقبول، سيكون لنا رد بالمثل”.
خلفيات متشابكة: النيل والصومال
يرتبط التحفظ الإثيوبي بموروث طويل من الخلافات مع القاهرة حول قضية مياه النيل. فإثيوبيا ماضية في مشروع سد النهضة الذي بدأ إنتاج الكهرباء منه عام 2023، ودشّن رسميًا في سبتمبر 2024 بطاقة تصل إلى 6 جيجاوات. القاهرة من جهتها ترى في السد تهديدًا مباشرًا لأمنها المائي، إذ تعتمد على النيل في 98% من احتياجاتها المائية، فيما تتهم أديس أبابا مصر بمحاولة عرقلة طموحاتها التنموية.
ورغم أن الصومال ليست جزءًا من دول حوض النيل، إلا أن النزاع بين إثيوبيا ومصر انعكس على مقديشو أحيانًا. فقد أثارت مذكرة التفاهم التي وقّعتها إثيوبيا مع “صومالي لاند” في يناير 2024، لإنشاء قاعدة بحرية هناك، أزمة حادة مع الحكومة الصومالية التي اعتبرت الاتفاقية انتهاكًا لسيادتها. تدخلت تركيا لاحقًا كوسيط لاحتواء الموقف، إلا أن هذه الحادثة أبرزت حساسية أي دور إقليمي جديد داخل الصومال.
تعاون حذر على الأرض
رغم التوترات، يشهد الميدان العسكري بعض مظاهر التعاون بين الجيشين الصومالي والإثيوبي، خصوصًا في مواجهة حركة الشباب. فقد زار قائد الجيش الإثيوبي برهانو جولا مقديشو مطلع العام، واتفق مع نظرائه الصوماليين على تنسيق عمليات مشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
لكن في الوقت نفسه، توترت الأجواء عقب تقارير تحدثت عن تورط قوات إثيوبية في اشتباكات بين الجيش الفيدرالي وقوات إقليم جوبالاند في بلدة دولو الحدودية. وهو ما نفاه السفير ديديفو، مؤكدًا أن دور القوات الإثيوبية اقتصر على تقديم مساعدات طبية لجرحى الميليشيات الصومالية، دون التدخل في القتال.
أول دفعة من القوات المصرية تُكمل تدريبها
نقلت وكالة الأنباء الوطنية الصومالية (SONNA) عن الوزارة الصومالية ترحيبها “بنجاح إتمام البرنامج التدريبي الأول لوحدات القوات المسلحة المصرية، التي ستنضم قريبًا إلى بعثة الاتحاد الأفريقي”. وقالت الوزارة إن هذا التطور “يؤكد التزام مصر بدعم أمن الصومال وتعزيز قدرات الجيش الوطني الصومالي في إطار بعثة الاتحاد الأفريقي الجديدة”.
كما أشادت بدور الشركاء الإقليميين والدوليين، مشيرةً إلى أن “الاتحاد الأفريقي والشركاء الدوليين يلعبون دورًا حاسمًا في تعزيز المؤسسات الأمنية في الصومال وتسريع وتيرة الحرب ضد حركة الشباب المجاهدين.
بموجب الترتيب الجديد للاتحاد الأفريقي، ستنشر قوة الاتحاد الأفريقي في الصومال (AUSSOM) 11,900 فرد، من بينهم جنود وشرطة وموظفون مدنيون. ستساهم أوغندا بـ 4,500 جندي، وإثيوبيا بـ 2,500، وجيبوتي بـ 1,520، وكينيا بـ 1,410، ومصر بـ 1,091.
ومن المتوقع أيضًا أن تتمركز وحدات شرطة من نيجيريا وسيراليون ومصر في مقديشو وجوهر وبيدوا على التوالي.
يبدو أن دخول القوات المصرية إلى المشهد الصومالي سيفتح فصلًا جديدًا من التوازنات الدقيقة في القرن الأفريقي. فبينما ترى مقديشو في هذه المشاركة دعمًا مهمًا لاستقرارها الداخلي، تنظر إثيوبيا إليها بريبة نابعة من صراع أوسع حول النفوذ الإقليمي ومياه النيل. وفي ظل استمرار التحديات الأمنية التي يفرضها صعود حركة الشباب المجاهدين واتساع تمكينها في البلاد، يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن بعثة “أوصوم” من الحفاظ على تماسكها بين شركاء يتقاسمون عدوًا واحدًا، لكنهم يحملون خلافات عميقة فيما بينهم؟