مضيق هرمز وباب المندب.. مساران بحريان على حافة التصعيد
في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، تتحرك سلطنة عُمان على خطين متوازيين لاحتواء التصعيد البحري؛ الأول بين إيران وعُمان بشأن مضيق هرمز، والثاني عبر وساطتها بين السعودية والحوثيين في اليمن، وسط تهديدات متزايدة قد تطال اثنين من أهم الممرات البحرية في العالم.
طهران ومسقط تقتربان من اتفاق بشأن هرمز
أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية، الأربعاء 5 أغسطس/آب 2026، أن إيران وسلطنة عُمان وصلتا إلى المرحلة النهائية من بحث وصياغة بيان مشترك بشأن إنشاء ممر ملاحي جديد عبر مضيق هرمز.
وقال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن التوصل إلى الاتفاق بات قريبًا، شرط ألا تتدخل أطراف ثالثة لعرقلة المسار التفاوضي.
لكن طهران شددت في الوقت ذاته على أن الاتفاق المحتمل لا يعني بالضرورة إعادة فتح المضيق أمام جميع السفن. وبحسب بقائي، فإن القيود الحالية على حركة الملاحة جاءت في سياق ما وصفه بـ”العدوان العسكري الأميركي”، في ظل استمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية.
ووفق التقارير المتداولة، قد يقوم الترتيب المقترح على مرور السفن الداخلة إلى الخليج من الجانب الإيراني للمضيق، بينما تتحرك السفن الخارجة من الخليج بمحاذاة الجانب العُماني.
وتشير تقارير إعلامية إلى أن التفاهم قد يتضمن رسومًا مرتبطة بالأثر البيئي لحركة السفن، وتأمين ناقلات النفط وسفن الشحن، إضافة إلى تكاليف تشغيلية، على أن تتقاسم إيران وعُمان العائدات. إلا أن مسؤولًا أميركيًا نفى وجود أي ترتيبات تتعلق بفرض رسوم عبور.
ويأتي ذلك بينما أبدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الأيام الأخيرة موقفًا أكثر إيجابية تجاه إمكانية التوصل إلى تفاهم حول المضيق، رغم استمرار ترامب في توجيه تهديدات عسكرية إلى إيران. وكان الرئيس الأميركي قد قال خلال عطلة نهاية الأسبوع إنه أرجأ هجومًا كان من شأنه، بحسب وصفه، إيقاع مستوى من “الرعب العسكري” في إيران لم تشهده منذ الحرب العالمية الثانية.
باب المندب يدخل دائرة الضغط
وفي الجهة الأخرى من المنطقة، تتصاعد المواجهة على الطريق البحري المؤدي إلى البحر الأحمر، بعدما أعلنت جماعة الحوثيين اليمنية استهداف ناقلتين سعوديتين، في إطار ما وصفته بأنه تنفيذ لحصار بحري على السعودية.
وقال المتحدث العسكري للحوثيين، العميد يحيى سريع، إن قوات الجماعة استهدفت بصاروخ ناقلة “وفا” في البحر الأحمر بالقرب من ميناء ينبع السعودي، قبل أن يعلن لاحقًا استهداف ناقلة أخرى باسم “ديزي” أثناء عبورها خليج عدن.
ولم يصدر تأكيد سعودي مستقل لهذه الهجمات حتى وقت نشر التقارير.
وتقول جماعة الحوثيين إن تحركاتها تأتي ضمن ما تسميه سياسة “حصار مقابل حصار”، ردًا على الضربات السعودية التي استهدفت اليمن، ومن بينها قصف مطار صنعاء الدولي.
وبحسب تصريحات الجماعة، فقد استُهدفت ثماني ناقلات على الأقل منذ بدء الحصار، فيما أُجبرت 29 سفينة على عدم الوصول إلى الموانئ السعودية بعدما دفعتها المخاوف من الهجمات إلى تغيير مسارها.
وتزامن ذلك مع استهداف مطار نجران جنوبي السعودية، في اليوم السابق، حيث قالت الجماعة إن الهجوم أدى إلى تدمير رادار.
عُمان في قلب المشهد
المفارقة اللافتة أن سلطنة عُمان باتت تتحرك دبلوماسيًا على طرفي هذه الأزمة البحرية؛ فهي منخرطة في التفاهمات مع إيران بشأن مضيق هرمز، وفي الوقت نفسه تظهر كوسيط محتمل بين الرياض والحوثيين لاحتواء التصعيد في اليمن.
وتشير تقارير إلى أن السعودية تسعى، عبر وساطة عُمانية، إلى منع تحول المواجهة إلى حرب أوسع، خصوصًا مع التحذيرات الأميركية من أن التصعيد قد يقود إلى إغلاق كامل لمضيق باب المندب.
لكن المسار الدبلوماسي يواجه ضغوطًا متناقضة؛ فالولايات المتحدة دعمت الضربات التي استهدفت مطار صنعاء، بينما تحدثت تقارير أخرى عن استعداد سعودي لتصعيد أكبر في اليمن، قد يشمل عملية برية.
كما عاد ترامب إلى التلويح بإمكانية استئناف الحملة الجوية الأميركية ضد الحوثيين، رغم أن حملة القصف السابقة لم تنجح في وقف هجمات الجماعة على الملاحة المرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي، بينما تسببت في سقوط أعداد كبيرة من المدنيين.
ممرات الطاقة أمام اختبار جديد
تكشف التطورات المتزامنة في هرمز وباب المندب أن الأزمة لم تعد محصورة في صراع سياسي أو عسكري بين أطراف إقليمية ودولية، بل باتت تضغط مباشرة على أمن الملاحة الدولية وسلاسل إمدادات الطاقة والتجارة العالمية.
فمضيق هرمز يمثل شريانًا حيويًا لخروج الطاقة من الخليج، بينما يشكل باب المندب بوابة استراتيجية بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي. وأي قيود مستمرة أو اضطرابات في أحدهما يمكن أن تدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها، بما يرفع كلفة النقل ويزيد الضغوط على أسواق الطاقة والتجارة.
والأهم أن التفاهم الإيراني العُماني المرتقب، حتى في حال إعلانه، لا يبدو كحل نهائي لأزمة هرمز، كما أن الوساطة العُمانية بين السعودية والحوثيين لا تضمن حتى الآن إنهاء التصعيد في باب المندب.
وبذلك تقف عُمان أمام مهمة شديدة الحساسية: منع تحول الممرات البحرية الاستراتيجية من أدوات ضغط مؤقتة إلى ساحات مواجهة مفتوحة، في وقت تتداخل فيه الحسابات الإيرانية والأميركية والسعودية واليمنية بصورة تجعل أي تصعيد جديد قابلًا للامتداد إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة.