واشنطن تبدأ سحبًا «مخططًا مسبقًا» لقواتها من كردستان العراق

انسحاب تدريجي يشمل الجنود والمعدات ومنظومات الدفاع الجوي، وسط مخاوف كردية من استمرار الهجمات الإيرانية والفصائل الحليفة لها

بدأت الولايات المتحدة تنفيذ عملية سحب تدريجية لقواتها ومعداتها العسكرية من إقليم كردستان العراق، في خطوة تقول مصادر كردية إنها كانت مقررة منذ أشهر، وليست انسحابًا مفاجئًا أو طارئًا فرضته التطورات الأمنية الأخيرة.

وتتركز العملية في قاعدة حرير قرب أربيل، حيث أفادت تقارير بأن معظم القوات الأميركية والمعدات الثقيلة غادرت القاعدة بالفعل، فيما جرى نقل منظومات «باتريوت» المستخدمة لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة إلى مواقع أخرى. ومع ذلك، لا تزال بعض منظومات الدفاع الجوي موجودة، بحسب مصادر كردية.

وقال كيفاح محمود، المستشار الإعلامي لرئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني، إن الحديث عن انسحاب أميركي كامل من الإقليم ينطوي على «سوء فهم كبير»، مؤكدًا أن واشنطن لم تسحب جميع منظوماتها الدفاعية، وأنها أبقت قدرات كافية لحماية مصالحها والمنشآت المرتبطة بها.

 

انسحاب ضمن اتفاق مع بغداد

يأتي التحرك في إطار اتفاق بين بغداد وواشنطن يقضي باستكمال انسحاب التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة من العراق بحلول نهاية سبتمبر/أيلول 2026، على أن تتم العملية بصورة تدريجية وتشمل نقل المعدات والأفراد من إقليم كردستان ومواقع عراقية أخرى.

وبحسب محمود، فإن القوات الأميركية التي كانت متمركزة سابقًا في قاعدة عين الأسد بمحافظة الأنبار ومواقع أخرى انتقلت خلال الأشهر الماضية إلى قاعدة حرير، ضمن ترتيبات جرت بالتنسيق بين الحكومة العراقية الاتحادية وحكومة إقليم كردستان.

والآن تستعد تلك القوات للانتقال إلى قواعد في دول أخرى، في عملية تشمل الأفراد والمعدات ومنظومات الدفاع الجوي.

ويشير ذلك إلى أن ما يجري في حرير لا يمثل بالضرورة خروجًا أميركيًا نهائيًا من المنطقة، بقدر ما يعكس إعادة تموضع للقوات الأميركية خارج العراق، ضمن الجدول المتفق عليه مع بغداد.

 

حرير تحت الهجمات

لكن عملية الانسحاب تجري في بيئة أمنية شديدة الحساسية. فقد تعرضت قاعدة حرير، إلى جانب مواقع ومدن أخرى في إقليم كردستان، لعشرات الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة المنسوبة إلى إيران وفصائل عراقية حليفة لها، وكانت الوجود الأميركي غالبًا ذريعة معلنة لهذه الهجمات.

وبحسب شبكة روداو الكردية، شهد الإقليم خلال يوليو/تموز وحده 88 هجومًا بالصواريخ والطائرات المسيّرة، أسفرت عن مقتل عشرة أشخاص وإصابة 15 آخرين.

ورغم أن أنظمة الدفاع الجوي الأميركية كانت مخصصة بالدرجة الأولى لحماية المنشآت والقوات الأميركية، فإن وجودها وفر في الوقت نفسه مظلة دفاعية للإقليم، وساهم في اعتراض عدد من الصواريخ والمسيّرات التي استهدفت أربيل ومناطق أخرى.

ومن هنا تبرز المخاوف الكردية من أن يؤدي تقليص الوجود الأميركي إلى زيادة هشاشة الوضع الأمني، خصوصًا أن بغداد وأربيل لا تمتلكان حتى الآن منظومات متكاملة وفعالة للدفاع ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة، فضلًا عن محدودية قدرات الإنذار المبكر والرادارات.

 

ماذا بعد الانسحاب؟

تعتقد مصادر كردية أن الهجمات الإيرانية وهجمات الفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران قد تستمر حتى بعد مغادرة القوات الأميركية، مع احتمال ظهور ذرائع جديدة لاستهداف الإقليم.

وتزداد هذه المخاوف في ظل ما شهدته الأجواء العراقية من انتهاكات متكررة خلال الحرب الأميركية والإسرائيلية على إيران، وما تبعها من ضربات إيرانية مضادة، الأمر الذي وضع العراق وإقليم كردستان في قلب صراع إقليمي يتجاوز حدودهما.

وفي المقابل، تشير مصادر كردية إلى أن قوات البيشمركة تمكنت مؤخرًا من الحصول على أسلحة مضادة للمسيّرات أثبتت فاعليتها في بعض الهجمات الأخيرة على أربيل، وتمكنت من إسقاط عدد من الطائرات المسيّرة.

لكن هذه القدرات لا تزال بعيدة عن تشكيل منظومة دفاع جوي متكاملة قادرة على التعامل مع موجات متزامنة من الصواريخ والطائرات المسيّرة.

 

نهاية مرحلة أم إعادة تموضع؟

يحمل الانسحاب الأميركي من كردستان العراق أكثر من دلالة. فمن جهة، يمثل تنفيذًا تدريجيًا للاتفاق بين بغداد وواشنطن لإنهاء مهمة التحالف الدولي في العراق، ومن جهة أخرى يضع إقليم كردستان أمام اختبار أمني جديد، في ظل استمرار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وتنامي خطر الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ.

وبينما تؤكد واشنطن أن العملية مخطط لها مسبقًا، فإن توقيتها يثير تساؤلات حول مستقبل الحماية الأميركية غير المباشرة التي استفاد منها الإقليم خلال السنوات الماضية.

فالمسألة لا تتعلق فقط بخروج جنود ومعدات من قاعدة حرير، وإنما بالسؤال الأوسع: هل تستطيع بغداد وأربيل سد الفراغ الدفاعي الذي قد يتركه تراجع الوجود الأميركي، أم أن انسحاب القوات سيجعل كردستان أكثر عرضة لتداعيات الصراع الإقليمي؟

ومع اقتراب الموعد النهائي المحدد لنهاية سبتمبر، ستتضح بصورة أكبر حدود الانسحاب الأميركي، وما إذا كان يمثل نهاية فعلية للدور العسكري الأميركي في العراق، أم انتقالًا إلى نموذج جديد يقوم على وجود أقل حجمًا، مع استمرار الدعم والتنسيق الأمني من خارج الأراضي العراقية.