واشنطن تصعّد الضغط على إيران.. «حرب اقتصادية» جديدة بالتزامن مع إنهاك حاملة الطائرات أبراهام لينكولن
صعّد الرئيس الأميركي دونالد ترامب حملته ضد إيران معلنًا بدء ما وصفه بـ«أكثر عملية اقتصادية تدميرًا على الإطلاق ضد أي دولة»، متعهدًا بفرض عزلة اقتصادية غير مسبوقة على طهران، ومهددًا الدول التي تساعدها بعواقب اقتصادية «هائلة». ويأتي التصعيد في وقت تبدو فيه واشنطن أمام معركة طويلة ومكلفة، عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا.
وقال ترامب في منشور على منصته «تروث سوشيال» إن حملته الجديدة تمثل «حربًا اقتصادية وعزلًا على نطاق غير مسبوق»، محذرًا أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية أو شركاتها أو مطاراتها أو جهاتها الحكومية بتوفير ما وصفه بـ«شريان حياة» لإيران. وخصّ بالذكر عمليات تهريب النفط، وتحويلات الأموال، وشركات الواجهة، وسجلات السفن، وغيرها من القنوات التي يمكن أن تساعد طهران على تجاوز العقوبات.
حتى الآن لم تحدد الإدارة الأميركية بصورة كاملة الأدوات التي ستستخدمها في هذه الحملة، لكن توسيع العقوبات لتشمل دولًا أو كيانات تتعامل مع إيران يفتح الباب أمام ضغوط أوسع على شركاء طهران التجاريين، وعلى رأسهم الصين، التي تتمتع بقدرة على اتخاذ إجراءات مضادة تجاه الولايات المتحدة.
الإمارات تغلق قنواتها مع إيران
يتزامن الإعلان الأميركي مع خطوة لافتة من الإمارات، التي أعلنت قبل يوم من تصريحات ترامب تعليق التجارة والأنشطة المالية مع إيران حتى إشعار آخر، في أعقاب ما قالت إنه هجوم صاروخي إيراني.
إيران نفت مسؤوليتها عن الهجوم، وطرحت احتمال أن تكون الواقعة «راية زائفة»، ما يضيف عنصرًا جديدًا إلى التوتر الإقليمي ويعكس اتساع الفجوة بين الروايات المتبادلة حول مسار الحرب.
لكن التحرك الإماراتي، إذا استمر، قد يزيد من الضغوط الاقتصادية على طهران، خصوصًا أن الإمارات كانت لفترة طويلة إحدى القنوات المهمة للتجارة والتمويل المرتبطين بإيران.
من الضغط العسكري إلى الخنق الاقتصادي
يأتي التصعيد الاقتصادي بعد تحول الإدارة الأميركية مجددًا نحو استراتيجية الضغط على الاقتصاد الإيراني، بالتوازي مع استمرار الحصار البحري الأميركي للموانئ الإيرانية. ويشير ذلك إلى أن واشنطن لم تتخل عن هدف إجبار طهران على تقديم تنازلات، رغم عدم تحقيق استسلام إيراني خلال الجولات العسكرية السابقة.
وتقول طهران، من جهتها، إن العقوبات المتكررة لم تغيّر موقفها التفاوضي، فيما حذر مسؤولون في الحرس الثوري من أن محاولة تحويل الوضع الحالي إلى أمر واقع دائم قد تدفع إيران إلى اتخاذ خطوات هجومية.
ويعني ذلك أن الحرب الاقتصادية قد لا تكون بديلًا عن التصعيد العسكري بقدر ما هي امتداد له بوسائل أخرى.
أبراهام لينكولن.. الوجه الآخر للحرب
وفي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن تكثيف الضغط الاقتصادي، تتزايد الأسئلة حول قدرة القوات الأميركية نفسها على تحمل حرب طويلة. فقد أمضت حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» أكثر من ثمانية أشهر في الانتشار، مع أكثر من 200 يوم في البحر دون زيارة ميناء، وسط تقارير عن نقص بعض المستلزمات والمشكلات الصحية والنفسية بين أفراد الطاقم.
وأثارت تقارير من وسائل إعلام أميركية وعائلات العسكريين مخاوف بشأن أوضاع على متن الحاملة، من بينها مشكلات في المياه والسباكة، ونقص بعض الاحتياجات الأساسية، وتدهور المعنويات. كما ظهرت تقارير عن أزمات نفسية بين بعض أفراد الطاقم، وهو ما دفع أعضاء في الكونغرس إلى المطالبة بمحاسبة وزارة الدفاع وتقديم معلومات عن أوضاع الحاملة.
لكن وزارة الدفاع الأميركية رفضت توصيف الوضع بأنه أزمة، وهاجم وزير الدفاع بيت هيغسيث التقارير الإعلامية ووصفها بأنها «مُحرّفة بشكل كامل»، بينما أكد قائد القيادة المركزية الأميرال براد كوبر أن الانتشار الطويل في البحر يمثل ظروفًا شديدة الصعوبة، مع تأكيده أن الصحة النفسية تتطلب اهتمامًا مستمرًا.
وفي خطوة تعكس على الأقل الحاجة إلى تخفيف العبء التشغيلي، تتجه حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» إلى الشرق الأوسط لتحل محل أبراهام لينكولن، التي أصبحت فترة انتشارها واحدة من أطول عمليات انتشار حاملات الطائرات الأميركية في العصر الحديث.
حرب طويلة أم استراتيجية ضغط متصاعدة؟
تزامن التصعيد الاقتصادي مع الضغوط على الأسطول الأميركي يكشف أن الولايات المتحدة تواجه معادلة صعبة: فهي تريد زيادة الضغط على إيران من دون أن يتحول الصراع إلى حرب استنزاف مفتوحة تتسع تكلفتها على واشنطن وحلفائها.
وفي المقابل، تراهن طهران على قدرتها على تحمل العقوبات والحصار وعدم تقديم تنازلات تحت الضغط، وهو ما يجعل نجاح الاستراتيجية الأميركية الجديدة مرتبطًا ليس فقط بحجم العقوبات، بل بقدرتها على تغيير الحسابات الإيرانية من دون دفع المنطقة نحو جولة عسكرية أوسع.
وبذلك تدخل المواجهة بين واشنطن وطهران مرحلة جديدة عنوانها «الخنق الاقتصادي» بالتوازي مع الضغط العسكري، فيما يبقى السؤال الحاسم: هل تؤدي العقوبات الأشد إلى فتح باب التفاوض، أم أنها ستدفع الطرفين إلى مزيد من التصعيد؟
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن المعركة لم تعد تدور فقط حول القدرات العسكرية الإيرانية، بل حول قدرة كل طرف على تحمّل حرب طويلة دون أن يدفع ثمنًا سياسيًا واقتصاديًا يفوق المكاسب التي يسعى إليها.