آبي أحمد يعيد هندسة إثيوبيا: نظام رئاسي مركزي وإلغاء حق الانفصال وأديس أبابا تشعل صراع القوميات

في وقت تتأجج فيه الحروب الداخلية في مناطق متفرقة من إثيوبيا، أقدم رئيس الوزراء آبي أحمد على خطوة جديدة يُتوقع أن تزيد حدة الانقسامين السياسي والقومي في هذا البلد الواقع بمنطقة القرن الإفريقي.

ووجّه النظام الذي تتصدره النخبة السياسية الأورومية دفة البلاد نحو مسار جديد، بعدما ظلت الانقسامات تتعمق داخل إثيوبيا على مدى السنوات الثماني الماضية.

وبحسب التلفزيون الرسمي الإثيوبي، اختُتمت في أديس أبابا اجتماعات موسعة شارك فيها آلاف المندوبين، غالبيتهم من التنظيمات الصغيرة المنضوية تحت مظلة حزب الازدهار الحاكم، المعروف اختصارًا باسم PP.

وسرعان ما أحدثت القرارات الصادرة عن الاجتماع هزة سياسية داخل البلاد، ودفعت الوضع الإثيوبي إلى مرحلة جديدة من الغموض وعدم اليقين، ولا سيما في الأقاليم التي تشهد صراعات مسلحة، مثل تيغراي وأمهرة وأوروميا.

ووفقًا للمعلومات المتداولة، تقرر، بعد 31 عامًا، إدخال تغييرات جوهرية على نظام الحكم في إثيوبيا، وإلغاء الهيكل الإداري والسياسي الذي فرضته الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي TPLF عام 1994، خلال عهد ميليس زيناوي، الذي وصل إلى السلطة بقوة السلاح.

وقبل أيام من إعلان التغييرات الجديدة، هدّد قادة ينتمون إلى قومية الأمهرة، رغم وجودهم في المعسكر السياسي الداعم لآبي أحمد، باتخاذ خطوات مضادة للحكومة إذا صدرت قرارات تصبّ في مصلحة قومية الأورومو على حساب القوميات الأخرى.

وذهب رئيس إقليم أمهرة إلى التهديد بانضمامه مع أبناء قوميته إلى صفوف جبهة «فانو»، إذا تقرر اعتماد أديس أبابا عاصمة رسمية لإثيوبيا واعتبارها، في الوقت نفسه، جزءًا من إقليم أوروميا.

ومن أبرز القرارات الصادرة عن الاجتماع اعتبار أديس أبابا العاصمة الرسمية لإثيوبيا، ومقر الاتحاد الإفريقي، وفي الوقت ذاته عاصمة لإقليم أوروميا. وهو قرار يُنظر إليه باعتباره إعلانًا لمواجهة سياسية وقومية مفتوحة مع القوميات الأخرى التي تتنافس مع الأورومو على السلطة والنفوذ.

كما أقرّ الاجتماع الذي قاده آبي أحمد تقليص صلاحيات البرلمان، ومنح رئيس الدولة استقلالًا وصلاحيات أوسع في إدارة شؤون البلاد، تمهيدًا للانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي؛ وهي خطوة تعني أن آبي أحمد اقترب من تحقيق مشروع ظل يطمح إليه منذ مدة طويلة.

وقال صحفي ومحلل سياسي مقيم في أديس أبابا إن الاجتماع الذي أفضى إلى هذه التحولات شارك فيه أكثر من أربعة آلاف عضو، يُنظر إلى غالبيتهم على أنهم مؤيدون لأجندات الحكومة وسياساتها.

واستمرت أعمال الاجتماع أكثر من ثلاثين يومًا، وسط مناقشات حادة وخلافات كادت، في بعض مراحلها، أن تؤدي إلى انهيار الاجتماعات وانسحاب المشاركين منها.

بهذه القرارات، يكون آبي أحمد قد أطاح بالمنظومة التي بناها ميليس زيناوي عام 1994، عقب وصول جبهة تيغراي إلى الحكم بعد إسقاط نظام منغستو هيلا مريام، الذي عُرف بوصفه أحد أكثر حكام القارة الإفريقية دموية.

ومن شأن تركيز السلطة بيد رئيس الدولة وتحويل البرلمان إلى مؤسسة محدودة النفوذ ومنزوعة الإرادة أن يعززا احتكار الحكم، ويضعفا النظام الفيدرالي الذي حكمت إثيوبيا بموجبه طوال السنوات الإحدى والثلاثين الماضية.

كما يلغي النظام الجديد المادة التاسعة والثلاثين من الدستور الإثيوبي، التي كانت تمنح الأقاليم والقوميات حق الانفصال عن الدولة. وبموجب التغييرات الجديدة، لن يُسمح لأي إقليم بامتلاك حق الانفصال، إلى جانب فرض قيود إضافية على صلاحيات الحكومات الإقليمية.

وتمثّل هذه الخطوة رسالة مباشرة إلى الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي TPLF، التي تسعى إلى فصل إقليم تيغراي عن بقية إثيوبيا. كما تقضي على الآمال التي كانت تراود سياسيين ينتمون إلى قوميات السيداما وشعوب الجنوب والأمهرة، ممن كانوا يتوقعون تفكك إثيوبيا وسعي أقاليمهم لاحقًا إلى الحصول على اعتراف دولي مستقل.

وبالنظر إلى مضمون القرارات الصادرة، يمكن القول إن معظمها يفرض ضغوطًا مباشرة على قوميتي الأمهرة والتيغراي. فقد أقرّ الاجتماع، على سبيل المثال، اعتماد ست لغات رسمية للدولة، من بينها اللغة الصومالية، ما يعني أن اللغة الأمهرية لن تبقى اللغة الرسمية الوحيدة لإثيوبيا.

كما تقضي التغييرات بالسماح لرئيس إثيوبيا بالبقاء في منصبه لمدة ست سنوات، مع إمكانية خوضه الانتخابات لولاية ثانية بعد انتهاء ولايته الأولى.

وتشير هذه التحولات السياسية إلى أن آبي أحمد قد يسعى إلى التحول إلى حاكم مطلق للبلاد، وسط اعتقاد بأنه قد يتخذ، مع اقتراب انتهاء ولايته المقبلة، خطوات إضافية تتيح له الاستمرار في الحكم مدى الحياة.

وفي أواخر عام 2025، أشرف آبي أحمد على تخريج قوة خاصة قوامها ألفا جندي، مهمتها حماية القصر الرئاسي، لتكون بمنزلة «الحرس الجمهوري الإثيوبي». وكانت تلك المرة الأولى التي تنشئ فيها إثيوبيا قوة عسكرية من هذا النوع.

وكان السياسي المعارض جوهر محمد قد صرّح آنذاك بأن آبي أحمد يستعد لتنصيب نفسه ملكًا على البلاد، وأنه سيصدر قرارات سياسية صادمة، فيما يرى مراقبون أن توقعات السياسي المعارض بدأت تتحقق بالفعل.

ويعتقد محللون أن النظام الرئاسي المركزي، القائم على تركيز السلطة بيد شخص واحد، لن يتمكن من الحفاظ على وحدة إثيوبيا، باعتبارها دولة تضم قوميات متعددة تختلف في لغاتها وأديانها وثقافاتها.

ويحذر هؤلاء من أن التغييرات الجديدة قد تدفع البلاد إلى مزيد من الحروب الداخلية، وتعمّق الانقسامات السياسية والقومية التي باتت تهدد بقاء الدولة الإثيوبية وتماسكها.