أعمال قوات الدعم السريع في الفاشر تحمل دلالات إبادة جماعية

أفادت بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة في تقرير جديد صدر الخميس بأن أعمال العنف التي ارتكبتها قوات الدعم السريع أثناء سيطرتها على مدينة الفاشر في دارفور تمثل أفعالاً تحمل “علامات إبادة جماعية” بحسب القانون الدولي، في أحد أكثر التقارير الدولية إثارة للقلق منذ اندلاع الحرب في السودان قبل أكثر من سنتين.

جاء ذلك في تقرير موسع أصدرته البعثة الدولية المستقلة بعد تحقيق شامل في الأحداث التي أعقبت حصار دام 18 شهرًا، واستيلاء قوات الدعم السريع على عاصمة ولاية شمال دارفور في أكتوبر 2025. وأشار التحقيق إلى أن الهجوم لم يكن مجرد تجاوزات عادية في أوقات الحرب، بل عمليّة منظّمة ضد جماعات غير عربية مثل الزغاوة والفور، تستوفي على الأقل ثلاثة من المعايير الخمسة الواردة في اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية لعام 1948.

خلال ثلاثة أيام من العنف، وثّقت البعثة عمليات قتل جماعي، اغتصاب واسع، تعذيب، اعتقالات تعسفية، اختفاءً قسريًا، وتجويع السكان من خلال الحصار وحرمانهم من الغذاء والمساعدات الإنسانية. وورد في التقرير شهادات حية من الناجين تفيد بأن مقاتلي الدعم السريع كانوا يستهدفون المدنيين علنًا على أساس عرقي، بينما تُرك كثيرون منهم بدون وسيلة للهرب من الهجوم الشرس.

وقالت المحقّقة مونا ريشماوي إن الأدلة التي جمعتها البعثة “لا تترك سوى استنتاج منطقي واحد” يتمثل في أن “قوات الدعم السريع عمدت إلى تدمير جزء من جماعات الزغاوة والفور جسديًا وغيره كاملًا أو جزئيًا”، وهو ما يشكل علامات الإبادة الجماعية وفق التعريف القانوني الدولي.

وأظهر التحقيق أن هذه العملية شملت عمليات اغتصاب ممنهجة ضد النساء والفتيات، بما في ذلك حالات ارتُكبت في مواقع ماسونية مثل المستشفيات والجامعات بين جثث الضحايا، في مشاهد وصفها العديد من الناجين بأنها “رعب مطلق”.

في سياق متصل، أدانت دول غربية، من بينها بريطانيا وكندا والاتحاد الأوروبي، هذه الأعمال ووصفتها بأنها “فظائع مروعة”، مع وعد برفع القضية إلى مجلس الأمن الدولي لمطالبة المجتمع الدولي بـالتحرّك العاجل وفتح تحقيقات جنائية ومساءلة المسؤولين عنها.

الوثيقة الأممية تأتي في وقت يستمر فيه الصراع في السودان بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني منذ أبريل 2023، وقد أسفر هذا الصراع حتى الآن عن ملايين النازحين والضحايا المدنيين، مع أزمة إنسانية تُعد من بين الأسوأ في العالم.

كما تطرّق التقرير إلى السياسات المتعمدة لحصار المدنيين في الفاشر قبل الهجوم، بما في ذلك حرمان السكان من الغذاء والمياه والرعاية الطبية، ما أفقدهم القدرة على النجاة أو الفرار في مواجهة العنف، وهو معيار أساسي من معايير جريمة الإبادة الجماعية المعتمدة دوليًا.

وتابع التقرير أن هذه الجرائم لم تكن “نتائج عشوائية للقتال”، إنما عمليات مخطّطة ومنسّقة تحمل بصمة القيادة العليا لقوات الدعم السريع، ما يعزز دعوات حقوقية وقانونية لمساءلة المتورطين في هذه الانتهاكات الخطيرة أمام المحاكم الدولية.


يشكّل التقرير الأممي نقطة تحوّل في الموقف الدولي تجاه ما يحدث في السودان، إذ يضع أفعال قوات الدعم السريع في الفاشر ضمن نطاق القانون الدولي الجنائي ويطالب بتحقيق العدالة وحماية المدنيين، بينما حذّر الخبراء من أن خطورة الموقف تتطلب تدخلاً عاجلاً لمنع وقوع المزيد من الجرائم ضد الإنسانية وليس مجرد تنديدات لا تسمن ولا تغني من جوع.