اضطراب باب المندب يعيد رسم طرق التجارة العالمية: موانئ القرن الإفريقي تتراجع وجنوب إفريقيا تسجل قفزة بـ328% وتكاليف الشحن تتضاعف
يُعدّ مضيق باب المندب، الواقع على مقربة من المياه الصومالية، أحد أهم الممرات التي تعبرها البضائع التجارية المتنقلة بين مختلف أنحاء العالم، كما يُمثل ممرًا مائيًا بالغ الأهمية للبشرية، بالنظر إلى أعداد السفن التي تجتازه ودوره في الربط بين قارات العالم.
ووفقًا لأحدث الدراسات، يمر عبر باب المندب نحو 8% من إجمالي التجارة البحرية العالمية، و13% من تجارة النفط الخام في العالم، فضلًا عن 15% من الإنتاج النفطي العالمي؛ ما يجعله شريانًا حيويًا لا غنى عنه.
وعند الحديث عن دول القرن الإفريقي المعتمدة على مضيق باب المندب، تأتي إثيوبيا في مقدمتها؛ إذ يمر عبر هذا المضيق أكثر من 95% من وارداتها وصادراتها، باستخدام موانئ جمهورية جيبوتي.
ويكتسب هذا الممر أهمية كبرى بالنسبة إلى معظم سكان منطقة القرن الإفريقي. ووفقًا لتقرير صادر عن مؤسسة متخصصة في الشؤون البحرية، تستقبل موانئ جيبوتي سنويًا أكثر من 30 ألف سفينة، ويُستخدم معظمها في خدمة حركة التجارة الإثيوبية.
وباعتبار إثيوبيا دولة حبيسة لا تمتلك منفذًا بحريًا، فإنها تتصدر الدول التي يتضرر سكانها من إغلاق البحر الأحمر ومضيق باب المندب. وبالمثل، انعكس إغلاق المضيق على إيرادات حكومات المنطقة التي كانت اقتصاداتها تعتمد على الضرائب والرسوم المفروضة على السفن.
وتبدو موانئ جيبوتي وإريتريا شبه خالية بسبب تراجع أعداد السفن التي ترسو فيها. كما تشهد حركة العمل في ميناء بربرة، شمالي الصومال، تباطؤًا ملحوظًا، بعدما امتنعت السفن التي كانت ترسو فيه عن القدوم، نظرًا إلى أن مسارها المعتاد كان يمر عبر باب المندب.
وأدت الاضطرابات القائمة في اليمن وهجمات الحوثيين على السفن المستخدمة للبحر الأحمر إلى ارتفاع تكاليف المعيشة في الدول الإفريقية، ولا سيما دول شرق القارة، الأمر الذي انعكس على حياة مئات الملايين من السكان.
واضطرت آلاف السفن إلى تغيير مسارات إبحارها عبر المياه الدولية. فعلى سبيل المثال، باتت السفن القادمة من دول الخليج والمتجهة إلى إفريقيا تسلك طريقًا التفافيًا طويلًا يستغرق وقتًا أكبر.
ويُعرف هذا المسار باسم «رأس الرجاء الصالح»، وقد استفادت منه الدول الواقعة في الطرف الجنوبي من القارة الإفريقية، مثل أنغولا وجنوب إفريقيا. فعلى سبيل المثال، سجلت موانئ جنوب إفريقيا زيادة بلغت 328%، بعدما غيّرت سفن عديدة مسارها بعيدًا عن باب المندب، واتخذت من طريق رأس الرجاء الصالح، الواقع في جنوب إفريقيا، ممرًا بديلًا. ويُعدّ هذا الطريق حلقة وصل بين إفريقيا وكل من آسيا وأميركا اللاتينية.
وذكر مسؤولون في جنوب إفريقيا أن الموانئ الكبرى في البلاد أصبحت مكتظة بالسفن، وتشهد ازدحامًا غير مسبوق. كما يؤدي اضطرار السفن إلى سلوك الطرق الطويلة إلى ارتفاع تكاليف نقل البضائع الأساسية، مثل الوقود والمواد الغذائية، وهو ما يُمثل خطرًا كبيرًا يواجه الفئات الفقيرة.
وقال البروفيسور كيم إيفي، وهو مستشار لدى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا «إيكواس»، إن هذه التطورات تمثل كارثة كبرى، وإن الدول الإفريقية تتضرر من الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران.
وأفادت الهيئة البريطانية لمراقبة الملاحة البحرية، في رسالة شاركتها مع وسائل الإعلام، بأن إغلاق مضيق باب المندب تسبب في تعطيل 12% من تجارة النفط العالمية.
ويكتسب البحر الأحمر أهمية جوهرية بالنسبة إلى التجارة الدولية؛ إذ تمر عبره 30% من الحاويات المستخدمة عالميًا، ما يجعله عمودًا فقريًا لحركة انتقال البضائع حول العالم.
وذكرت إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن خمسة ملايين برميل من النفط كانت تعبر البحر الأحمر يوميًا، وهي كميات تصدرها دول الشرق الأوسط إلى الأسواق العالمية مرورًا بمضيق باب المندب.
ويرى عامر الشوبكي، الخبير المتخصص في شؤون النفط والطاقة، أن إغلاق مضيق هرمز تسبب في معاناة اقتصادية للعالم، غير أن دخول الحوثيين الحرب عرّض مضيق باب المندب والملاحة في مياه البحر الأحمر للخطر.
وشهدت موانئ مدن لاغوس في نيجيريا، ودار السلام في تنزانيا، ومومباسا في كينيا ارتفاعًا مضاعفًا في الأسعار، ما يعني أن أثمان البضائع ارتفعت بصورة كبيرة.
واضطرت حكومات الدول المالكة للموانئ إلى رفع الضرائب والرسوم المفروضة على السفن، بسبب تراجع موازناتها على خلفية الصراعات والاضطرابات التي تشهدها الممرات البحرية الدولية.
كما أجبرت تهديدات الحوثيين وهجماتهم في البحر الأحمر السفن الناقلة للنفط السعودي على تغيير مساراتها المعتادة، بدلًا من عبور مضيق باب المندب ثم مواصلة طريقها عبر قناة السويس في مصر.
وباتت السفن الآن مضطرة إلى الدوران حول جنوب إفريقيا قبل الوصول إلى أسواق القارة الآسيوية.
وعلى خلاف الوضع الذي كان سائدًا خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين كانت أوروبا والولايات المتحدة أكبر مستهلكي النفط السعودي، تشتري الدول الآسيوية اليوم معظم صادرات المملكة النفطية؛ ما يجعل تغيير مسارات السفن مؤثرًا بصورة كبيرة في تكاليف الشحن ومواعيد التسليم على حد سواء.
وإلى جانب الأيام الإضافية التي تستغرقها الرحلات، باتت الرحلة الواحدة لنقل النفط من ميناء ينبع السعودي المطل على البحر الأحمر إلى تايوان تكلّف أكثر من مليون دولار إضافي.
وتُظهر حسابات تستند إلى بيانات نقلتها وكالة «رويترز» عن مجموعة بورصة لندن أن تكلفة الوقود وحده خلال الرحلة ارتفعت من 1.26 مليون دولار إلى نحو 2.87 مليون دولار.
ووفقًا لشركة «إنرجي أسبكتس» المتخصصة في تحليل أسواق الطاقة، تضطر ناقلات النفط العملاقة في بعض الأحيان إلى عبور قناة السويس وهي محمّلة بنصف طاقتها فقط، بسبب القيود القائمة، ثم تستكمل تحميل الكميات المتبقية من النفط أو تفريغها في البحر الأبيض المتوسط قبل متابعة طريقها إلى وجهاتها النهائية.