الاحتلال الإسرائيلي يبني حاجزًا ترابيًا يمتد لعشرات الكيلومترات داخل غزة وسط مخاوف من تكريس تقسيم القطاع

كشفت صور أقمار صناعية وتحقيق أجرته وكالة أسوشيتد برس أن جيش الاحتلال الإسرائيلي يواصل، بوتيرة متسارعة، إنشاء حاجز ترابي ضخم داخل قطاع غزة يمتد عبر المناطق التي يسيطر عليها، في خطوة أثارت مخاوف متزايدة من أن يتحول خط الفصل المؤقت الذي نص عليه اتفاق وقف إطلاق النار إلى واقع دائم يقسم القطاع فعليًا.

وبحسب التحقيق، بلغ طول الحاجز الذي أُنجز حتى الآن أكثر من 23 كيلومترًا، أي ما يزيد على نصف طول قطاع غزة البالغ نحو 40 كيلومترًا، ويمتد عبر بلدات فلسطينية دمرها الجيش الإسرائيلي خلال الحرب، في المناطق التي أصبحت تخضع لسيطرته وتشكل أكثر من نصف مساحة القطاع.

 

حاجز على طول “الخط الأصفر”

وأكد جيش الاحتلال الإسرائيلي لوكالة أسوشيتد برس أنه أنشأ حاجزًا ماديًا على امتداد ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”، وهو الخط الذي انسحبت إليه القوات الإسرائيلية بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم في أكتوبر/تشرين الأول، وكان يُفترض أن يكون إجراءً مؤقتًا إلى حين استكمال الانسحاب الإسرائيلي من غزة.

إلا أن استمرار الهدنة دون تنفيذ مراحلها النهائية، وتواصل أعمال البناء، أثارا مخاوف فلسطينية من أن يتحول هذا الخط إلى حدود فعلية تفصل بين أجزاء القطاع، خصوصًا مع امتناع كل من القيادة المركزية الأمريكية والهيئة المشرفة على تنفيذ الاتفاق عن التعليق على المشروع.

 

منطقة أمنية وقواعد عسكرية

وقال جيش الاحتلال الإسرائيلي إن الحاجز يأتي ضمن إنشاء “منطقة أمنية” مزودة بوسائل استخباراتية وتقنيات مراقبة، مشيرًا إلى أن الهدف منها هو منع التسلل وحماية القوات الإسرائيلية والمستوطنات القريبة من غزة.

ولم يكشف الجيش عن الطول النهائي للحاجز أو مساره الكامل، إلا أن صور الأقمار الصناعية أظهرت استمرار عمليات التوسعة بوتيرة سريعة.

ففي جنوب القطاع، ازداد طول أحد مقاطع الحاجز من نحو 500 متر في الأول من يوليو/تموز إلى 2.4 كيلومتر بحلول منتصف الشهر، بينما يمتد الجزء الأطول لمسافة تقارب 17 كيلومترًا من محيط خان يونس حتى مشارف مدينة غزة، مع استمرار العمل على تمديده جنوبًا.

 

دمار واسع في المناطق الخاضعة للاحتلال

ويشير التحقيق إلى أن المناطق الواقعة شرق “الخط الأصفر” شهدت عمليات هدم واسعة للمباني باستخدام الجرافات والمتفجرات، ما أدى إلى تدمير معظم مدن وبلدات مثل رفح وبني سهيلا وأجزاء من بيت لاهيا، إضافة إلى شق طرق جديدة وبناء قواعد عسكرية فوق أنقاض الأحياء الفلسطينية.

كما طالت أعمال التدمير مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، فيما يقول جيش الاحتلال الإسرائيلي إن هذه العمليات تستهدف إزالة بنية تحتية تستخدمها حركة حماس.

 

سكان القطاع محاصرون غرب الخط

في المقابل، تكدس معظم سكان غزة في المناطق الساحلية الواقعة غرب “الخط الأصفر”، حيث يعيش مئات الآلاف في مخيمات نزوح تفتقر إلى الخدمات الأساسية ويعتمدون بصورة كبيرة على المساعدات الإنسانية.

وتشير الوكالة إلى أن كثيرًا من الفلسطينيين لا يدركون حجم الحاجز الجاري بناؤه بسبب استحالة الاقتراب من المنطقة، إذ يتعرض كل من يقترب منها لخطر إطلاق النار.

 

قتلى رغم وقف إطلاق النار

ورغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار، أفاد التحقيق بأن القوات الإسرائيلية قتلت أكثر من 1100 فلسطيني منذ بدء الهدنة، معظمهم في غارات جوية أو هجمات بطائرات مسيرة، بينما قُتل خمسة جنود إسرائيليين في هجمات نفذتها مجموعات مسلحة خلال الفترة نفسها.

كما أورد التحقيق شهادات تفيد بأن بعض المدنيين، بينهم أطفال، قتلوا بعد اقترابهم من “الخط الأصفر”، في حين قال الجيش الإسرائيلي إنه يستهدف من يشتبه في أنهم يشكلون تهديدًا لقواته.

 

مستقبل غامض لاتفاق وقف إطلاق النار

وبموجب الاتفاق، كان من المقرر أن تنسحب القوات الإسرائيلية تدريجيًا إلى أطراف قطاع غزة ليحل محلها لاحقًا قوة أمنية دولية، إلا أن تنفيذ هذه المرحلة ما يزال متعثرًا.

وتتبادل تل أبيب وحركة حماس الاتهامات بشأن مسؤولية تعثر الاتفاق، إذ تحمل جهات إسرائيلية الحركة مسؤولية عدم إحراز تقدم في ملف نزع السلاح، بينما تتهم حماس الاحتلال بعدم الالتزام ببنود وقف إطلاق النار ومواصلة فرض وقائع جديدة على الأرض.

ويرى مراقبون أن استمرار بناء الحاجز الترابي، إلى جانب إنشاء قواعد عسكرية ومناطق أمنية داخل القطاع، قد يعقد أي ترتيبات مستقبلية تتعلق بإعادة توحيد غزة أو تنفيذ انسحاب إسرائيلي كامل، ويزيد المخاوف من ترسيخ واقع جغرافي جديد طويل الأمد.