البنتاغون يقرّ بمقتل 153 مدنيًا في حملة القصف الأمريكية على اليمن في اعتراف بلا مساءلة وبعيد عن الرقم الحقيقي للضحايا

أقرّ البنتاغون، في تقريره السنوي المرفوع إلى الكونغرس بشأن الخسائر المدنية، بمقتل 153 مدنيًا وإصابة 243 آخرين خلال الحملة الجوية الأمريكية على اليمن عام 2025، في اعتراف رسمي بخسائر بشرية واسعة خلّفتها عملية «Rough Rider» ضد الحوثيين.

لكن الأرقام التي أوردها البنتاغون تبدو أقل بكثير من حصيلة جهات مستقلة وثّقت الهجمات؛ إذ يشير Yemen Data Project إلى مقتل 238 مدنيًا، بينهم 24 طفلًا، وإصابة 467 آخرين خلال الحملة.

مجزرتان في قلب الحملة

يكشف التقرير الأمريكي عن مقتل عشرات المدنيين في ثلاث ضربات على الأقل، بينها هجومين من أكثر الهجمات الأمريكية دموية ضد المدنيين في اليمن خلال العقود الأخيرة.

في 16 أبريل/نيسان 2025، استهدفت غارة أمريكية ميناء رأس عيسى النفطي في محافظة الحديدة، وأسفرت، وفق البنتاغون، عن مقتل 80 مدنيًا وإصابة 171 آخرين. بينما ترفع تقديرات Yemen Data Project وAirwars عدد القتلى إلى 84 شخصًا، جميعهم من المدنيين، وكان معظمهم من العاملين في الميناء، بينهم عاملان في الإنقاذ وثلاثة أطفال.

وتكتسب الضربة أهمية إضافية بسبب التقارير التي تحدثت عن استهداف عمال الإنقاذ أثناء محاولتهم التعامل مع آثار القصف، فيما بررت القيادة العسكرية الأمريكية الهجوم آنذاك بأن الوقود الذي يصل عبر الميناء يمثل مصدرًا لإيرادات الحوثيين، وليس باعتباره استهدافًا مباشرًا لموقع عسكري.

أما الضربة الثانية، فجاءت في 25 أبريل/نيسان 2025 واستهدفت مركزًا لاحتجاز المهاجرين في محافظة صعدة شمالي اليمن، وأقر البنتاغون بمقتل 68 مدنيًا فيها، وهم جميعًا من المهاجرين الأفارقة المحتجزين داخل المنشأة.

وكانت منظمة العفو الدولية قد قالت، بعد التحقيق في الهجوم، إنها لم تجد أدلة على وجود أهداف عسكرية داخل المركز.

وتزيد خلفية الموقع من خطورة الحادثة؛ فقد كان المركز نفسه قد تعرض لغارة سعودية في يناير/كانون الثاني 2022 أدت، وفق بيانات Yemen Data Project، إلى مقتل 91 مدنيًا. وكانت الولايات المتحدة قد قدمت دعمًا استخباراتيًا للحملة الجوية السعودية في اليمن، ما يثير تساؤلات حول مدى معرفة الجانب الأمريكي بالمخاطر التي يمثلها استهداف الموقع.

أرقام رسمية أقل من الواقع

لم تتوقف الخسائر عند هاتين الضربتين. فقد أقر البنتاغون أيضًا بمقتل خمسة مدنيين وإصابة 25 في غارة على العاصمة صنعاء في أبريل/نيسان 2025، بينما وثقت Airwars سقوط قتلى في منطقة سكنية، بينهم امرأة وطفل.

كما أشار التقرير الأمريكي إلى أن التحقيقات لا تزال جارية بشأن 15 حادثة أخرى يُحتمل أن تكون قد أوقعت خسائر بين المدنيين.

وبذلك، لا تبدو حصيلة البنتاغون النهائية صورة مكتملة للخسائر البشرية، خصوصًا مع الفارق الواضح بينها وبين بيانات منظمات مستقلة اعتمدت على التحقيقات الميدانية ومصادر محلية.

حملة عسكرية بلا تفويض من الكونغرس

ولا تقتصر القضية على حجم الخسائر البشرية، بل تمتد إلى الأساس القانوني للعملية العسكرية نفسها.

فقد بدأت الولايات المتحدة حملتها الجوية ضد الحوثيين في 15 مارس/آذار 2025، من دون تفويض جديد من الكونغرس باستخدام القوة العسكرية ضد الجماعة. وجاءت الحملة بعد إعلان الحوثيين استئناف حصار السفن المرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر، في سياق تصعيد مرتبط بالحرب على غزة.

وقدمت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حماية الملاحة البحرية مبررًا رئيسيًا للعملية، لكن منتقدين شككوا في الأساس الذي استندت إليه واشنطن لشن حرب جوية واسعة، خاصة أن جماعة الحوثيين لم تكن، وفق الرواية التي ينقلها التقرير، تهاجم سفنًا أمريكية في اللحظة التي بدأت فيها الحملة.

وانتهت الحملة في 6 مايو/أيار 2025 باتفاق وقف إطلاق نار متبادل بين واشنطن والحوثيين، بينما واصل الحوثيون هجماتهم على إسرائيل وحظرهم الملاحة المرتبطة بها.

اعتراف بلا مساءلة

الأهم في التقرير ليس فقط الرقم الذي اعترف به البنتاغون، بل ما غاب عنه أيضًا: لا توجد، وفق المعلومات الواردة، مؤشرات واضحة على محاسبة المسؤولين عن هذه الهجمات أو تفسير كافٍ لكيفية اختيار الأهداف التي سقط فيها هذا العدد الكبير من المدنيين.

وهكذا تتحول الأرقام الرسمية إلى أكثر من مجرد إحصاء للضحايا؛ فهي اعتراف أمريكي بأن حملة عسكرية قُدّمت للرأي العام باعتبارها عملية لحماية الملاحة ومواجهة الحوثيين، أوقعت في المقابل مئات الضحايا المدنيين وفق تقديرات مستقلة.

والفارق بين 153 قتيلًا بحسب البنتاغون و238 قتيلًا بحسب Yemen Data Project يفتح سؤالًا أكبر: إذا كانت هذه هي الحصيلة التي أقرت بها المؤسسة العسكرية الأمريكية نفسها، فكم بلغ العدد الحقيقي للمدنيين الذين دفعوا ثمن الحملة الجوية على اليمن؟