القرن الإفريقي أمام اختبار جديد.. هل تعود إثيوبيا وإريتريا إلى مربع الصراع؟
تواجه منطقة القرن الإفريقي مخاطر تجدد التوتر العسكري والسياسي، في ظل تقارير عن اتصالات وتحركات بين مسؤولين عسكريين إريتريين وشخصيات عسكرية مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي، وسط بيئة إقليمية شديدة التعقيد تتداخل فيها التوترات الإثيوبية ـ الإريترية مع تنافسات إقليمية أوسع. ويثير ذلك مخاوف من أن تتحول الخلافات السياسية الداخلية في إثيوبيا مجددًا إلى مواجهة عسكرية تتجاوز حدودها.
وتكتسب هذه المخاوف وزنًا أكبر في إقليم تيغراي، الذي لم يتعافَ بعد من آثار الحرب التي امتدت بين عامي 2020 و2022، وانتهت بتوقيع اتفاق بريتوريا لوقف الأعمال العدائية، الذي فتح الباب أمام إعادة الإعمار والمصالحة والحوار السياسي. إلا أن هذا المسار لا يزال هشًا، فيما قد يؤدي تجدد التحركات العسكرية إلى إعادة المنطقة إلى دوامة الصراع.
تحركات عسكرية تثير القلق
بحسب تقرير لوكالة الأنباء الإثيوبية (ENA) نٌشر في 9 أغسطس/آب 2026، أثارت تقارير عن لقاءات بين مسؤولين عسكريين إريتريين وشخصيات عسكرية سابقة مرتبطة بجبهة تحرير شعب تيغراي داخل إثيوبيا، تساؤلات حول أهداف هذه الاتصالات ومدى قانونيتها وتداعياتها على الأمن الإقليمي.
وتنبع حساسية هذه التحركات من احتمال أن تصبح تيغراي مرة أخرى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، بدل أن تكون ورشة لإعادة البناء والتعافي. فشمال إثيوبيا يحتاج إلى الاستقرار الاقتصادي وإعادة الإعمار والمصالحة، بينما قد يؤدي استئناف النشاط العسكري إلى استنزاف الموارد وإعادة إنتاج أجواء التعبئة وانعدام الثقة التي سبقت الحرب الماضية.
كما يثير وجود مسؤولين عسكريين أجانب داخل الأراضي الإثيوبية، إذا ثبتت صحته، مسألة السيادة الوطنية وسلامة الأراضي، خصوصًا إذا تم من دون موافقة الحكومة الفيدرالية. ويطرح ذلك سؤالًا أوسع حول حدود التدخل الخارجي في الخلافات الداخلية الإثيوبية.
ذاكرة الحرب لا تزال حاضرة
لا يمكن فصل المخاوف الحالية عن التاريخ المضطرب للعلاقات بين أديس أبابا وأسمرة. فقد خاض البلدان حربًا حدودية بين 1998 و2000 أوقعت عشرات الآلاف من القتلى، قبل أن ينهي اتفاق الجزائر الأعمال القتالية الرئيسية. وفي عام 2018 شهدت العلاقات تحولًا كبيرًا مع المصالحة بين البلدين، ما أثار آمالًا بمرحلة جديدة من التعاون.
لكن بقاء الخلافات الأمنية والمصالح الاستراتيجية المتنافسة جعل العلاقة عرضة للتوتر من جديد، بينما ظلت إريتريا طرفًا في نزاعات وتوترات إقليمية شملت اليمن وجيبوتي والسودان، وفق التقرير. وتبعًا لذلك، يرى منتقدو أسمرة أن سياستها الإقليمية اعتمدت بدرجة كبيرة على الضغط العسكري والتحالفات والحسابات الأمنية.
ومهما اختلفت التفسيرات السياسية لهذه التجارب، فإن الدرس الأبرز الذي تفرضه ذاكرة المنطقة هو أن عسكرة الخلافات السياسية يمكن أن تفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.
من الخلاف الداخلي إلى حرب بالوكالة
ولا تقف مخاطر التصعيد عند الحدود الإثيوبية ـ الإريترية، إذ تتقاطع الأزمة مع منافسة إقليمية أخرى، في مقدمتها التوتر بين مصر وإثيوبيا بشأن سد النهضة ومصالح البلدين في حوض النيل والبحر الأحمر. ويزيد هذا التداخل من احتمالات تحول الانقسامات الداخلية الإثيوبية إلى ساحة تنافس بين قوى إقليمية.
ويشير التقرير إلى ما يصفه بشبكة محتملة تضم جبهة تحرير شعب تيغراي وقوى فانو المتحالفة وأطرافًا خارجية، بينها مصر، في إطار تحالف يشار إليه أحيانًا باسم «تسيمدو». وإذا تطور هذا الترتيب إلى تعاون سياسي أو عسكري منسق، فقد تتحول تيغراي ومناطق مجاورة إلى ساحة لتنافس استراتيجي إقليمي أوسع.
وتكمن خطورة تحالفات كهذه في أنها قد تحقق مكاسب تكتيكية مؤقتة لأطرافها، لكنها قد تتحول لاحقًا إلى مصدر صراع بين الحلفاء أنفسهم مع تغير المصالح. وفي نهاية المطاف، غالبًا ما يدفع المدنيون ثمن الصراعات التي لم يقرروا إشعالها.
تيغراي لا تحتمل حربًا أخرى
ربما تكون الفئة الأكثر تعرضًا للخطر هي شباب تيغراي، الذين تحملوا بالفعل تبعات الحرب السابقة من عنف ونزوح وفقر وانقطاع التعليم وتدمير سبل المعيشة. ولهذا تثير التقارير عن تجدد التجنيد أو التعبئة القسرية، التي أوردها المصدر، مخاوف من إعادة بناء الهياكل المسلحة وتهيئة الشباب لمواجهة جديدة. ويؤكد التقرير أن هذه الادعاءات تحتاج إلى تدقيق وشفافية ومساءلة.
فالمنطقة لا تحتاج إلى مزيد من التعبئة العسكرية، وإنما إلى مدارس ومستشفيات وطرق ومؤسسات واقتصاد وفرص عمل. والشباب الذين خرجوا من حرب مدمرة يحتاجون إلى أن يعودوا إلى التعليم والعمل وبناء أسرهم، لا أن يجدوا أنفسهم مرة أخرى في طريق التجنيد والحرب.
وهنا تبرز أهمية اتفاق بريتوريا؛ إذ أثبت أن التفاوض قادر على إنهاء واحد من أكثر الصراعات تدميرًا في القرن الإفريقي. وبالتالي فإن الحفاظ عليه لا يمثل مجرد التزام باتفاق سابق، وإنما حماية لفرصة التعافي ومنع العودة إلى نقطة الصفر.
حرب جديدة لن تبقى داخل الحدود
إن اندلاع مواجهة جديدة بين إثيوبيا وإريتريا لن يكون بالضرورة صراعًا ثنائيًا محدودًا. فالقرن الإفريقي منطقة مترابطة عبر الحدود والتجارة والهجرة والتحالفات السياسية والمصالح الاستراتيجية.
ومن شأن حرب جديدة أن تستقطب جماعات مسلحة ودولًا مجاورة وقوى خارجية، وأن تؤدي إلى نزوح واسع، واضطراب طرق التجارة، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي، وتحويل الموارد من التنمية وإعادة الإعمار إلى المجهود الحربي.
وستدفع إثيوبيا ثمنًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا إذا عادت إلى الحرب، بينما قد تتحمل إريتريا أعباء بشرية واقتصادية إضافية في ظل سنوات طويلة من العسكرة. أما تيغراي، فستكون الخسارة أكثر قسوة لأنها لا تزال تكافح آثار الحرب السابقة.
الاختبار الحقيقي: حماية السلام
المطلوب في هذه المرحلة ليس فقط الاستعداد العسكري، وإنما منع تحول التوتر إلى حرب.
ويحتاج ذلك إلى الحفاظ على اتفاق بريتوريا، وتشجيع الحوار السياسي، ومعالجة الخلافات عبر القنوات القانونية والدبلوماسية، مع احترام سيادة إثيوبيا وعدم تحويل أراضيها إلى ساحة لتحركات عسكرية خارجية. كما تقع على الحكومة الإثيوبية مسؤولية مواصلة ضبط النفس ومعالجة المخاوف الأمنية بالوسائل القانونية والدبلوماسية.
أما القوى الإقليمية والدولية، فمسؤوليتها ألا تستغل الانقسامات الداخلية لتحقيق مكاسب جيوسياسية قصيرة المدى، بل أن تدعم الاستقرار وإعادة الإعمار والحوار.
القرن الإفريقي أمام مفترق طرق
تقف المنطقة أمام خيارين: حماية مكاسب السلام الهشة، أو السماح للحسابات العسكرية والسياسية بإعادة فتح أحد أكثر خطوط الصراع دموية في القرن الإفريقي.
لقد دفع سكان تيغراي وإثيوبيا وإريتريا ثمنًا باهظًا للحروب السابقة، ولا يزال جيل كامل يعيش آثارها. ولذلك فإن إعادة إشعال الصراع لن تكون مجرد مواجهة بين نخب سياسية وعسكرية؛ بل قد تعني إعادة إنتاج النزوح والفقر وتعطيل التعليم والتنمية وفتح جراح لم تلتئم بعد.
وبحسب التقرير فإن تيغراي تحتاج إلى إعادة البناء والمصالحة، وإثيوبيا وإريتريا تحتاجان إلى تجنب مواجهة جديدة، بينما ينبغي للقوى الإقليمية والدولية أن تختار دعم الاستقرار بدل تعميق الانقسامات.
فالسلام الذي تحقق عبر اتفاق بريتوريا لم يكن نهاية الطريق، لكنه فتح نافذة للخروج من الحرب. والمطلوب الآن ألا تتحول الحسابات العسكرية والتحالفات المغلقة إلى سبب لإغلاق هذه النافذة من جديد.