القرن الإفريقي على فوهة صراع دولي: سباق القواعد والممرات والكابلات والمعادن يشعل التنافس من إثيوبيا والسودان إلى سواحل الصومال

تزايدت المصالح الاقتصادية والسياسية للقوى الدولية في منطقة القرن الإفريقي، وهو ما أسهم في اشتداد الصراعات وحدّة التنافس القائم داخل هذه المنطقة الاستراتيجية.

وتُعدّ النزاعات بين الأطراف المتصارعة على إدارة الحكم في إثيوبيا، إلى جانب التهديدات المتبادلة بين أديس أبابا وأسمرة، من أبرز العوامل التي قد تقود القرن الإفريقي إلى مواجهة ذات أبعاد دولية. وفي الوقت نفسه، تستقطب الحرب الأهلية المستمرة في السودان قوى أجنبية متعددة تسعى جميعها إلى تحقيق مصالح ومكاسب خاصة.

ويُعتقد أن السياسات المتعارضة في القرن الإفريقي ترتبط في جذورها بالتنافس القائم بين الشرق والغرب، ولا سيما بين الصين والولايات المتحدة، اللتين نقلتا أجواء حربهما الباردة إلى القارة الإفريقية.

ويمتلك البلدان قواعد عسكرية كبيرة في جيبوتي، زُوّدت بمعدات عسكرية وأجهزة استخبارية متطورة. وفي المقابل، تبدو دول القرن الإفريقي غير مدركة بصورة كافية للأهمية الاستراتيجية التي تمثلها أراضيها في هذا الصراع الدولي، بينما تنشغل بإشعال النزاعات والخلافات الداخلية فيما بينها.

وبحسب المحلل إدريس آيات، ثمة اتفاق على أن أربع دول تشكل النطاق الجغرافي الأساسي لمنطقة القرن الإفريقي، في حين ترتبط بها أربع دول أخرى تؤثر في شؤون المنطقة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.

ومن المرجح أن تؤدي المواجهات التي تجددت في شمال إثيوبيا بين «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» (TPLF) والحكومة الحبشية الإثيوبية إلى زيادة اشتعال التنافس في القرن الإفريقي. ويُعتقد أن قوى دولية وإقليمية مؤثرة تقف خلف هذا الصراع، وترى أن مصالحها تتحقق بانهيار إثيوبيا التي يقودها آبي أحمد، أو بإضعافها على أقل تقدير.

وفي هذا السياق، أفادت تقارير بأن مصر، التي تخوض خلافًا مع إثيوبيا بشأن سدّ نهر النيل، أرسلت قوات ومعدات استخبارية إلى ميناء مصوع الإريتري، تنفيذًا لاتفاق للتعاون الأمني أبرمته مع إريتريا عام 2025.

كما تواجه السودان اتهامات باستضافة عناصر من المعارضة الإثيوبية، وفتح معسكرات ومواقع داخل أراضيها تتيح لهم التجمع وتنظيم صفوفهم. ويبدو أن قائد الجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، تبنى سياسة قائمة على مبدأ «لا يزيل العضة إلا عضة مثلها»، في محاولة للرد على التحالف القائم بين الإمارات وإثيوبيا، والمتهم بدعم ميليشيات الجنجويد المعروفة باسم «قوات الدعم السريع».

وبحسب أحدث التقارير، أصبح القرن الإفريقي في قلب الصراعات الدولية الجارية، نظرًا إلى ارتباطه بمصالح واتجاهات متعددة، فضلًا عن وقوعه على ممرات بحرية شديدة الأهمية، وفي مقدمتها البحر الأحمر الذي يمثل شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية.

ومنذ تصاعد احتمالات اندلاع مواجهة جديدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ازداد اهتمام القوى الدولية بشرق إفريقيا؛ إذ تمر عبر منطقة القرن الإفريقي كابلات الاتصالات وتدفقات البيانات المستخدمة في شبكة الإنترنت بمنطقة الشرق الأوسط.

وكشفت دراسة حديثة أن كابلات الإنترنت المستخدمة في الشرق الأوسط، ولا سيما في منطقة الخليج، تمر عبر المياه المحاذية لجيبوتي وكينيا، وهو ما يجعل القرن الإفريقي مفتاحًا أساسيًا لاقتصادات قوية في جزء مهم من قارة آسيا.

واتخذت الحكومة الشيوعية الصينية من شرق إفريقيا بوابةً للعبور إلى القارة الإفريقية، ولا سيما لتوسيع نفوذها التجاري الضخم. كما تنظر بكين إلى المنطقة بوصفها مصدرًا لجزء كبير من المعادن التي تحتاج إليها مصانعها المتخصصة في الصناعات التكنولوجية.

وفي المقابل، ترى الولايات المتحدة أن شرق إفريقيا يمثل نطاقًا استراتيجيًا مهمًا لمصالحها، وهو ما قد يدفعها قريبًا إلى اتخاذ قرار بإنشاء قواعد لها في شرقي الصومال وشماله.

وفي إقليم بري شمال شرقي الصومال يمتد لسان جغرافي صغير يشبه الذراع داخل البحر، هو منطقة غردفو، التي تصل بين المحيط الهندي وخليج عدن. وتعبر هذه المنطقة السفن الصينية التي تنقل البضائع بين الصين وبقية أنحاء العالم، بحسب ما أوضحه المحلل إدريس آيات.

وتتصدر الولايات المتحدة والصين قائمة القوى الكبرى التي يسهم تنافسها في زعزعة استقرار القرن الإفريقي، وتليهما دول وقوى أخرى، من بينها مصر والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل.

ويتركز أشدّ أوجه هذا الصراع حول الممرات البحرية ذات الأهمية الكبرى للتجارة الدولية وكابلات الإنترنت والاتصالات، فيما تشكل الثروات المعدنية واحتياطيات النفط عوامل إضافية تدفع التنافس والصراع في القرن الإفريقي إلى مزيد من التصعيد.