المشهد الاقتصادي العالمي 2025 وآفاق 2026
يدخل الاقتصاد العالمي عام 2025 في مرحلة انتقالية دقيقة، يحاول خلالها تحقيق توازن صعب بين كبح التضخم المرتفع الذي بلغ ذروته في 2022–2023، وبين الحفاظ على زخم نمو كافٍ لتفادي ركود عالمي واسع. وفي هذا السياق، يبرز عام 2026 بوصفه عاماً اختبارياً لاستدامة التعافي وقدرة الاقتصادات على التعامل مع صدمات هيكلية متراكمة، تشمل الديون، والتحول التكنولوجي، والمخاطر الجيوسياسية والمناخية.
واقع الاقتصاد العالمي خلال 2025
1) «الهبوط الناعم»
بعد دورة تشديد نقدي هي الأشد منذ عقود قادتها البنوك المركزية الكبرى، وعلى رأسها الاحتياطي الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي، تشير التقديرات إلى تباطؤ التضخم تدريجياً خلال 2025 مع اقترابه من المستويات المستهدفة (نحو 2–3% في الاقتصادات المتقدمة). السيناريو المرجّح هو تباطؤ منضبط للنمو («هبوط ناعم») أكثر منه ركوداً عميقاً، وإن ظلّ هذا المسار هشّاً وقابلاً للانتكاس في حال وقوع صدمات مفاجئة.
2) الصين وأوروبا: نمو أقل من الماضي وتعافٍ متواضع
الصين: يظل الأداء الاقتصادي للصين مثقلاً بتحديات هيكلية، أبرزها أزمة قطاع العقارات، وتباطؤ الطلب المحلي، والتحول الديموغرافي (تقدّم العمر وتراجع قوة العمل). لذلك يُتوقّع أن يستقر النمو عند مستويات أدنى من متوسطات العقدين السابقين، في نطاق يقارب 4% سنوياً.
أوروبا: من المنتظر أن تحقق منطقة اليورو تعافياً محدوداً خلال 2025، مدفوعاً بتراجع ضغوط الطاقة وتحسّن سلاسل الإمداد، غير أن النمو سيبقى ضعيفاً نسبياً مقارنة بالولايات المتحدة، نتيجة القيود المالية، وارتفاع كلفة الاقتراض، واستمرار تداعيات الحرب في أوكرانيا.
3) الذكاء الاصطناعي كمحرّك للأسواق والإنتاجية
خلال 2025 يتسارع انتقال الذكاء الاصطناعي التوليدي من طور التجريب إلى التبنّي الواسع في قطاعات التكنولوجيا، والتمويل، والخدمات. هذا التحول يَعِدُ برفع الإنتاجية على المدى المتوسط، لكنه يعمّق أيضاً تباينات سوق العمل ويجعل أسهم شركات التكنولوجيا المتقدمة محوراً رئيسياً لحركة الأسواق المالية.
4) ترسّخ إعادة تشكيل سلاسل التوريد
تواصل الشركات العالمية استراتيجيات «تنويع المخاطر» عبر نقل جزء من سلاسل التوريد إلى دول صديقة أو قريبة جغرافياً. ويشمل ذلك زيادة الاستثمارات في الهند، والمكسيك، وفيتنام، وبعض دول أفريقيا، لتقليل الاعتماد المفرط على مركز تصنيع واحد.
التحديات الكبرى التي تتبلور في 2026
1) تصاعد مخاطر الديون السيادية
مع بقاء أسعار الفائدة العالمية أعلى من متوسط عقد 2010، تواجه دول نامية وأسواق ناشئة ضغوطاً متزايدة لخدمة ديونها، خصوصاً الديون المقوّمة بالدولار. وقد يدفع ذلك بعض الدول إلى طلب إعادة هيكلة ديون أو برامج دعم دولية خلال 2026.
2) كلفة التحول الأخضر والمخاطر المناخية
تتزايد كلفة الانتقال إلى الطاقة النظيفة، خاصة في الاقتصادات التي تأخرت في الاستثمار بالبنية التحتية المتجددة. كما تفرض الظواهر المناخية المتطرفة (فيضانات، موجات جفاف، حرائق) خسائر مباشرة على الزراعة والتأمين والبنية التحتية، بما ينعكس سلباً على النمو والتضخم.
3) اضطراب سوق العمل بفعل الأتمتة
بحلول 2026 يصبح أثر الذكاء الاصطناعي والأتمتة أكثر وضوحاً على الوظائف الإدارية والمكتبية. التحدي الأساسي لا يتمثل في ارتفاع البطالة الإجمالية بقدر ما يتمثل في البطالة الهيكلية الناتجة عن فجوة المهارات، ما يضع ضغوطاً على أنظمة التعليم والحماية الاجتماعية.
4) التشظي الجيوسياسي والتجارة العالمية
يُتوقع استمرار التوترات التجارية بين الكتل الكبرى (الولايات المتحدة، الصين، الاتحاد الأوروبي). وأي تصعيد جيوسياسي حاد—خصوصاً في مضيق تايوان أو البحر الأحمر—قد يعيد إشعال التضخم عبر صدمات في الطاقة والتجارة العالمية.
اقتصاد شرق أفريقيا
1) مؤشرات الأداء المتوقعة
تُعدّ شرق أفريقيا من أسرع مناطق العالم نمواً، مع توقعات بنمو يتراوح بين 5% و6.5% في 2025–2026. تقود هذا الأداء اقتصادات مثل إثيوبيا (في حال استمرار التعافي بعد النزاعات) وتنزانيا، بدعم من الاستثمار في البنية التحتية والزراعة والخدمات.
كما يُتوقع أن تبدأ آثار منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية (AfCFTA) بالظهور تدريجياً عبر تعزيز التجارة البينية، خاصة في الزراعة والتصنيع الخفيف.
2) التحديات الهيكلية
الديون والعملات: تواجه دول مثل كينيا وأوغندا ضغوط خدمة ديون خارجية، لا سيما سندات اليوروبوند، مع ضعف العملات المحلية، ما يزيد كلفة الاستيراد ويضغط على الاحتياطيات.
الصدمات المناخية: الاعتماد الكبير على الزراعة المطرية يجعل المنطقة شديدة الحساسية لتقلبات المناخ، بما يهدد الأمن الغذائي وميزان المدفوعات.
البيئة الإقليمية: تؤثر النزاعات في السودان والصومال، إضافة إلى اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، على الاستقرار التجاري وتدفقات الاستثمار في القرن الأفريقي.
3) نقاط القوة والفرص
الديموغرافيا الشابة: تمتلك المنطقة قاعدة سكانية فتية تمثل فرصة هائلة للنمو إذا اقترنت بسياسات تعليم وتدريب فعّالة.
الطاقة المتجددة: تتمتع كينيا وإثيوبيا بإمكانات كبيرة في الطاقة الجيوحرارية والشمسية، ما قد يمنحهما ميزة تنافسية في جذب صناعات منخفضة الكربون.
التكنولوجيا المالية: تُعد كينيا رائدة عالمياً في المدفوعات الرقمية عبر الهاتف المحمول، ما يعزز الشمول المالي وريادة الأعمال.
يشكّل عام 2026 منعطفاً حاسماً للاقتصاد العالمي عموماً، وشرق أفريقيا خصوصاً. فالنجاح في إدارة الديون، والاستثمار في رأس المال البشري والطاقة النظيفة، وتعزيز الحوكمة الاقتصادية، قد يضع المنطقة على مسار صعود مستدام. أما الفشل في مواجهة هذه التحديات فقد يعيد إنتاج اختلالات مزمنة ويزيد الاعتماد على الدعم الخارجي.